في 2012، أطلقت المفكرة القانونية فكرة تنظيم تقرير إقليمي سنوي للقضاء في المنطقة العربية[1]. وإذا كان اهتمام المفكرة القانونية بالحلبة القضائية أحد أهم أسباب إنشائها في نهاية 2009، فإن التحولات الكبرى الحاصلة في عدد من الدول العربية فرضت مزيداً من الاهتمام على هذا الصعيد. وعليه، بدا هذا التقرير مؤسسًا على محفزات ثلاثة: الأول، محفز فكري، مفاده رصد الإشكاليات والظواهر القانونية ذات الأبعاد الاجتماعية بهدف مقارنتها وتحليلها وفهمها، وخصوصًا بما تتيحه الحلبة القضائية من تفاعلات بين المواطنين وبين هؤلاء والإدارة العامة، يظهر فيها القانون ليس في نصوصه وحسب بل قبل كل شيء في كيفية تطبيقه. فما هو مدى لجوء المواطنين الى القضاء كحلبة لعرض قضاياهم الاجتماعية؟ والى أي درجة يتصرف القاضي باستقلالية إزاء المتقاضين أمامه بل أيضًا إزاء النص؟ وما هي الضمانات الفعلية التي يتمتع بها؟ وهل هو يتقيد بالنص القانوني أم أنه يخضع النص لتفسير يأخذ بعين الاعتبار التحولات والتطورات الاجتماعية، ليتحول من خادم للقانون الى ضامن لتطوره ولانسجامه مع الحاجات الاجتماعية؟ وبالطبع، وراء كل هذه الأسئلة، أسئلة لا تقل أهمية عن هوية القاضي وشروط عمله ومساره المهني وطبيعة علاقته مع السلطة الحاكمة.  
  
الثاني، محفز متصل بالمرحلة الحاضرة، ولا سيما تبعًا لما شهده عدد من الدول العربية من تحولات أساسية في أنظمة الحكم. فما هي مكانة القضاء من هذه التحولات ومن المفهوم الملتبس للعدالة الانتقالية، سواء في ما يتصل بمحاسبة النظام السابق أو بإرساء أسس النظام الجديد؟ وهل القاضي محكوم بالتطهير على خلفية شكوك بتورطه مع الأنظمة السابقة أم أنه جزء لا يتجزأ من الحراك الحاصل كما نستشف من نشوء مجموعات وكيانات قضائية عدة سارع معظمها الى رفع شعارات استقلالية القضاء وكأنه يتبرأ من مسؤولية الماضي حيث لم يكن مستقلاً؟ ثم، ماذا عن المحاكم الاستثنائية التي غالبًا ما شكلت أداة للسلطة ضد المواطن؟ وماذا عن صلاحية القضاء واشتمال رقابته على مجمل القرارات الإدارية، بما يعمم المساءلة بمنأى عن أي حصانة؟ وماذا عن دور القضاء المستقبلي في ظل تراجع السلطة التنفيذية وأيضًا السلطة التشريعية وتنامي مطالب المواطنين المباشرة والتي تتجسد في استمرار التظاهرات والمطالب الشعبية؟  

الثالث، محفز متصل بمدى الحراك العربي الحاصل مؤخرًا. فأن يحصل الحراك بالتزامن في دول عدة، من شأنه بالطبع أن يؤدي الى تعزيز التواصل بين القوى الإصلاحية العاملة في هذه الدول. ومن هذا المنطلق، برزت منفعة خاصة في تطوير العديد من ورش الإصلاح المشتركة من خلال عدد من الباحثين والحقوقيين العرب، وخصوصًا في مجال القضاء والحقوق الأساسية.

ومع قراءة التقارير، سرعان ما برزت عناوين ثلاثة مشتركة بين هذه الدول، أو أقله بالنسبة الى معظمها، وهي العناوين التي فرضت عناوين فصول هذا التقرير. فمن جهة أولى، وباستثناء لبنان وفلسطين، تميزت سنة 2012 بحراك استثنائي للقضاة في هذه الدول، فاحتلت تجمعاتهم على اختلافها جزءًا أساسيًا من المشهد العام. ومن جهة ثانية، برزت بالطبع في الدول التي شهدت ثورات تساؤلات بشأن كيفية التعامل مع القضاة العاملين في ظل الأنظمة السابقة، وهو تساؤل طبيعي يكاد يفرض نفسه عند كل منعطف وطني، وهذا ما يفتح الباب أمام التساؤلات حول تطهير القضاء أو محاسبتهم أو أيضًا حول مدى أولوية ذلك والآليات المستخدمة لهذه الغاية. وقد برز هذا التساؤل بأشكال مختلفة في مصر وتونس وليبيا، فيما يبقى حاضرًا في المغرب ولبنان وفلسطين مع انطلاق كل ورشة إصلاحية. وحده اليمن بقي بعيدًا عن هذا الخطاب بحيث آثرت القوى الجديدة في السلطة العمل على إقحام أتباع لها في القضاء على إخراج أولئك الذين لا يوالونها. أما الفصل الثالث فهو يتصل بالورش الإصلاحية في مجال القضاء والتي هي أيضاً نشأت هنا وهنالك، وارتبطت غالبًا بعناوين مماثلة. إذ تنشر المفكرة التقرير كاملاً في نشرة على حدة، فإنها تتولى هنا نشر بعض مقاطعه المتصلة بحراك القضاة (المحرر).

تبعاً للربيع العربي، عرف القضاء حراكاً مميزاً آل عملياً الى إسقاط عدد من المحظورات التقليدية في عدد من الدول، في توجه تعزز في 2012، ولا سيما على صعيدي ممارسة القضاة حريتي التعبير والتجمع والانخراط في الحراك السياسي العام بدرجات تختلف وفق الدول التي شملها هذا التقرير. علماً أن بعض هذه التجمعات نجح في احتلال الحيّز الأبرز من الحياة العامة كما هي حال نادي قضاة مصر. كما سجل هذا العام تطوراً كبيراً في الأساليب المستخدمة، فضلاً عن بدء تأثيرات متبادلة بين تجمعات القضاة في دول مختلفة، ولو بقيت في حدّها الأدنى. وهذا ما سنحاول عرضه أدناه.
 
في خريطة التجمعات القضائية كما بدت في نهاية 2012:

باستثناء لبنان، بات للقضاة في الدول موضوع الدراسة (مصر، المغرب، تونس، لبنان، فلسطين، اليمن، ليبيا) تجمع أو أكثر. وهنا، سنسعى الى رسم خريطة هذه التجمعات وتاريخ إنشائها. وتجدر الإشارة بادئ ذي بدء الى أن القضاة اختلفوا في هذا المجال بين توجهي تعددية الهياكل أو وحدتها. فإذا بقي قضاة مصر متمسكين أقله في خطابهم بوحدة ناديهم بما يؤكد وحدة القضاء الضرورية لصون استقلاليته، بدت التعددية في المغرب دليلاً على تحرر القضاة الشباب من الوحدة المتمثلة في الودادية الحسنية التي غالباً ما رمزت بالنسبة إليهم الى مكامن الهرمية والسلطة. كما نسجل أن التعددية لم تحصل من دون إشكالات تتصل في مدى قدرة القضاة على تحقيق مطالبهم أو في مدى توافر الصفة التمثيلية، ولا سيما في تونس والمغرب اللتين شهدتا طفرة في إنشاء التجمعات القضائية في 2011.

ففي تونس، شهدت سنة 2011 تفعيلاً لجمعية القضاة التونسيين بعدما استعاد مكتب الهيئة الشرعية للجمعية مقرها غداة سقوط النظام السابق، وذلك في خضم نشوة نجاح الثورة الأولى من نوعها في المنطقة العربية. إلا أن هذا المكتب لم يفلح في إقناع جميع القضاة في دعمه، بل إن خطابه الداعي الى تطهير القضاء غداة الثورة شكل عاملاً أساسياً في دفع عدد من القضاة الى إنشاء نقابة، تبادلت منذ بدء نشأتها الاتهامات مع القيمين على الجمعية على نحو منع ولا يزال يمنع أي تواصل أو عمل مشترك، أقله معلن، في ما بينهما. ففيما اتهمت الجمعية النقابة بأنها وُجدت أصلاً لتفادي تنقية القضاء من عناصره المتورطة مع النظام السابق، اتهمت النقابة القيمين على الجمعية بالتسلط وبالسعي الى الهيمنة على القضاة باسم المشروعية الثورية. وقد أضيف الى هذين الهيكلين هيكل ثالث هو اتحاد القضاة الإداريين الذي نشأ في تشرين الأول 2011 كرد فعل على تفرد السلطة التنفيذية في عزل رئيس مجلس الدولة واستبداله بشخص آخر من دون استبيان رأي القضاة الإداريين بهذا الشأن.

ورغم هذا التنافس وربما بفعله، سجل التقرير التونسي توحّد مواقف الجمعية والنقابة بشأن مطالب استقلالية القضاء، بحيث ذهب كلا الهيكلين الى المزايدة على الآخر في إثبات تمسكه بالمعايير الدولية، كما سجل أنه كان للخصومة بينهما مفعول إيجابي آخر تمثل في تعزيز حضور الإشكاليات المتصلة باستقلالية القضاء في الخطاب العام. كما سجل التقرير التونسي قيام مجموعة من القضاة بالاشتراك مع عناصر من المجتمع المدني بتأسيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء بداية سنة 2012. وقد "تمثلت فكرة المرصد في هيكل يرصد من داخل الجسم القضائي استقلالية القضاء ويعمل على نشر ثقافتها".

أما في المغرب، فقد طرحت المسألة بطريقة مختلفة. فتبعاً لتضمين الدستور المغربي الجديد فصلاً يقر صراحة بحق القضاة بالتعبير والتجمع، نشأ عدد من التجمعات عدّدها التقرير هيالجمعية المغربية للمرأة القاضية كأول جمعية قائمة على أساس مقاربة النوع الاجتماعي على الصعيد الإقليمي، كما تأسست الجمعية المغربية للقضاة والتي ركزت في طريقة عملها وتحركاتها على جانب مؤازرة القضاة المحالين على المجلس الأعلى للقضاء، كما تأسس منتدى القضاة الباحثين والذي أكد رئيسه اهتمامه بدعم البحث العلمي في المجال القضائي".

إلا أن أبرز هذه الجمعيات الجديدة تمثل في نادي قضاة المغرب الذي مثل الجامع الأكثر تمثيلاً للقضاة الشبان. وقد عرف هذا النادي بداياته في أوائل 2011 من خلال شبكة التواصل الاجتماعي (الفايسبوك)، الأمر الذي آل الى تسمية القضاة المنضمين اليه بالقضاة الفيسبوكيين.
وقد أدى إنشاء هذه التجمعات الجديدة الى الخروج عن القاعدة التي أُرسيت سابقاً بموجب خطاب ملكي، ومفادها أن للقضاة أن يتجمعوا فقط في الأطر الرسمية المنشأة لهم، وعلى رأسها الودادية الحسنية. إلا أنه على الرغم من ذلك، فإن السلطات الرسمية بقيت تتعامل مع الودادية على أنها الممثل الرسمي للقضاة كما ثبت في اختيارها وحدها كعضو في هيئة الحوار الوطني في شؤون العدالة، ما وضع القيّمين على الجمعية المعترضة (وهي تحديداً نادي قضاة المغرب الذي يدّعي أنه يضم ما يراوح 2600 قاض من أصل حوالي 4000) أمام تحد أساسي قوامه إثبات صفاتهم التمثيلية والأهم انتزاع الاعتراف بهذه الصفات.

أما في ليبيا، فقد نشأت في 2012 للمرة الأولى منظمة بإرادة القضاة، هي منظمة القضاة الليبيين. وقد تجاوز وفق أرقام المنظمة عدد الأعضاء المنتسبين اليها الثلاثمئة عضو من مجموع حوالي 1300 قاض وعضو نيابة عامة تقريباً، علماً أن أكثر هؤلاء هم من الشباب. وبعد تأسيسه، حرّك هذا الكيان المياه الراكدة في الوسط القضائي وفتح النقاش حول شرعية التجمعات القضائية وأهميتها، وشجع الكثيرين على التحرك بإيجابية، ما دفع مجموعة أخرى من القضاة للدعوة لتأسيس ناد للقضاة.

بالمقابل، وفيما بقي نادي قضاة مصر منذ نشأته وفق ما نستشفه من أدبياته متمسكاً بوحدته وتماسك أعضائه كشرط ضروري لضمان الاستقلالية مهما تعددت الآراء والتوجهات داخله، بادر عدد من القضاة الى الإعلان عن ولادة تيار جديد هو "قضاة من أجل مصر". "وقد برزت هذه الحركة بمناسبة الانتخابات الرئاسية حين أعلنت فوز المرشح الإسلامي رئيس الجمهورية المعزول محمد مرسي. كما برزت في مواقفها المؤيدة للإخوان المسلمين والمعارضة للنادي، ولا سيما في ما يتصل بمسألة المشاركة في مراقبة الاستفتاء أو أيضاً بتعطيل المحاكم احتجاجاً أو أيضاً بتعيين نائب عام جديد. وهذا التنظيم بقي بالواقع محدوداً، وإن شكل مؤشراً نادراً من نوعه على احتمال انقسام الحراك القضائي المصري.

ويعتقد أن قوة حراك النادي أدت بالواقع الى استيعاب هذه الحركة. والى ذلك، سجلت في العام 2012 تحركات مطلبية أو احتجاجات قضائية لم تأخذ طابعاً مؤسساتياً كتحرك عشرات القضاة لمحاسبة رئيس محكمة استئناف القاهرة في 2012 على تدخله في عمل دائرة التحقيق للإفراج عن الموقوفين في قضية التمويل الأجنبي، أو أيضاً تحرك شباب النيابة العامة للمطالبة برحيل النائب العام المعين من الرئيس محمد مرسي.

أما في اليمن، فالتجمع الوحيد الذي كان موجوداً هو المنتدى القضائي بفروعه المختلفة. وكان هذا المنتدى قد نشأ في 1990 في أعقاب الوحدة، لكن سرعان ما تم التحكم به من فوق، ما حمل بعض المراقبين الى القول بأنه ولد ميتاً.وفي 2012، وفي إثر الثورة، نشط المنتدى مجتمعاً أو بفروعه فأعلن إضراباً مفتوحاً استمر أربعة أشهر. كما أعلنت أحياناً بعض الفروع خطوات تصعيدية منفردة، في اتجاه مزيد من الاستقلالية، وخصوصاً بما يتصل بأمانة المنتدى في اليمن الجنوبي[2]. فضلاً عن ذلك، تجدر الإشارة الى البيان الذي أصدره عدد من القضاة تحت تسمية "ثوار السلطة القضائية"، والذي هددوا فيه بالتصعيدوالعمل على تحقيق أهداف ثورتهم بأنفسهم إذا تخلف مجلس القضاء الأعلى عن الالتزام بنصوص الدستور التي جعلت منه الضامن لحقوق القضاة واستحقاقاتهم وعدم نقض العهود المبرمة معه. الى ذلك، سجل تحرك متخرّجي المعهد ضد تعيينهم في النيابة العامة، فيما كانت قد درجت القاعدة على تعيين متخرّجي المعهد مباشرة في القضاء. ويعزو واضع التقرير هذا الأمر الى سعي السلطات الى إبعاد هؤلاء الذين لا يوالون الحكم الجديد عن القضاء. 

وفي فلسطين أيضاً، نجد تعددية للتجمعات القضائية رغم أن عددالقضاة وأعضاء النيابة العامة لا يزيد عن 340 قاضياً وعضو نيابة عامة. فهناك ثلاث جمعيات عاملة وهي حسب الأقدمية: جمعية القضاة الفلسطينيين وقد تأسست في 2002، ونادي القضاة وقد تأسس في 2008 بدعم من رئيس مجلس القضاء الأعلى في حينه وهو يستمد مشروعيته من نشاطه العملي منذ ذلك الحين من دون أن يكون قد تأسس رسمياً، ويستمد النادي شرعيته من الممارسة العملية ونادي النيابة العامة الذي تأسس في 2012. وقد نظرت مجالس القضاء المتعاقبة بريبة إلى تلك التجمعات. فبرأي مجالس القضاء المتعاقبة، تلك التجمعات لا يمكنها أن تمثل القضاة في أي أمر يتخذه مجلس القضاء الأعلى بخصوص التطور المهني للقاضي. فعلى سبيل المثال، لا تستطيع تلك التجمعات أن تسائل المجلس بخصوص قرار يتعلق بالندب أو التقييم أو الترقية. وهي بنظرها مجرد نواد ثقافية واجتماعية لا أكثر. إلا أن الواقع أظهر خلاف ذلك من خلال انخراط هذه المجموعات في تقديم ملاحظاتها على المقترحات الرسمية في شؤون القضاء وفي الاحتجاج عليها الى درجة الإضراب.

وفي لبنان، فإن الحراك القضائي في لبنان بقي في حده الأدنى، بمنأى عن أي مأسسة. لكن سجلت حراكات المحدودة، كتحرك ما يقارب 17 قاضيا في الشمال دعماً لشكوى جزائية قدمتها زميلتهم ضد ضابط في الأمن العام حاول إرغامها على الإفراج عن أحد الموقوفين[3]؛ كما سجل تحرك للقضاة لمحاسبة قاض كبير عضو في مجلس القضاء الأعلى تبعاً لنشر الإعلام أخباراً بسعيه لتقاضي رشوة[4]، وتحرك ثالث لمستشاري محكمة التمييز الرافضين أن يكون لهم حق انتخاب ممثلين عن محكمة التمييز من دون أن يكون لهم حق الترشح لهذا التمثيل المحصور قانوناً برؤساء الغرف وحدهم. وقد أسفر هذا التحرك عن نتائج هامة على صعيد مسودة مشروع القانون الذي أعدته وزارة العدل في 2012 والذي تضمن موادَّ تهدف الى تعزيز مكانة المستشار في غرف المحاكم. وهذا ما سنعود اليه في ما بعد.
هذه هي باختصار خريطة الحراكات القضائية في الدول موضوع التقرير. ولكن، ماذا بشأن درجة الحراك القضائي؟
 
القضاة يستبيحون التقاليد القضائية: ظهور إعلامي، مواقف سياسية، وتعطيل عن العمل

شهد هذا العام أيضاً استباحة حقيقية للتقاليد القضائية التي كانت تخضع القضاة للصمت. وقد تجلى ذلك خاصة في موقف رئيس النادي أحمد الزند الذي كان محسوباً على نظام مبارك ومعروفاً بمواقفه المعارضة للتيار الاستقلالي في 2005-2006 على خلفية انتهاك هذا التيار تقاليد القضاء والاشتغال بالسياسة. لكن بعد الثورة واندلاع المواجهة بين النظام السياسي ونادي القضاة بقيادة الزند، ينقل التقرير المصري أن هذا الأخير بدا وكأنه نسي تماما الاتهامات التي كان يوجهها لخصومه فانخرط تماماً والى أقصى الحدود في لعبة الإعلام والفضائيات بل السياسة. وقد تكلل ذلك جلياً في تصريحه بأنه سيكون للقضاة كلمة في كل ما يحدث في مصر من الآن فصاعداً. وهذا ما دفع رموز النظام الجديد الى اتهام رئيس نادي القضاة بأنه يمارس دوراً سياسياً ويفتح أبوابه للمعارضين للنظام.

كما أن موجب التحفظ لقي موقفاً نقدياً في المغرب من قضاة ما بعد الحراك الذين باتوا يرفضون الخضوع لإملاءاته. ومن أبرز الشواهد بهذا الخصوص مواقف أعضاء نادي قضاة المغرب، سواء في سياق نقاش إعلامي بين رئيس النادي ياسين مخلي ووزير العدل، أو حتى من خلال المرافعة التي تقدم بها مخلي في سياق تحقيق معه. كما تعزز المشهد الحقوقي الوطني بمساهمات أقلام من القضاة انخرطوا في نشر مقالات في مختلف وسائل الإعلام الوطنية والدولية والمشاركة في ندوات مختلفة دون استصدار إذن بهذا الخصوص، واضعين بذلك حداً لعزلة "واجب التحفظ"[5]. والى جانب قيام النادي بالنشاطات التقليدية في الدفاع عن مصالح القضاة المادية والمعنوية وفي بلورة الإصلاحات المطلوبة، فإنه كسر التابوات في مجالات عدة أبرزها قيامه برصد التدخلات في أعمال القضاة وفي مقدمها التدخلات المرتكبة من المسؤولين القضائيين، فضلاً عن قيامه بحملات لتخليق القضاة وفي مقدمها الحملة لا للرشوة، فضلاً عن نشر القيمين على النادي على الانترنت تصاريح بثرواتهم.

كما سجل التقرير التونسي أن القضاة انخرطوا في الشأن العام انخراطاً غير مسبوق ففرضوا تقهقر نطاق واجب التحفظ الذي كان يكبلهم ويمنعهم من حرية التعبير. ولكن، أهم من ذلك، فقد سنح توجه القضاة الى الإعلام بإحراج الجهات التي سعت الى الضغط على القضاء في المحاكمات، فيما كان واجب التحفظ وتكبيل القضاة بالصمت عائقاً يمنع القضاة من الرد على الحملات الآيلة الى زعزعة الثقة العامة به. فـ"استقلالية القضاء لا يضمنها القضاة والقوانين فقط بل الرأي العام الذي يجب أن يتصدى لمحاولات توظيفه".
كما أصدرت كل من جمعية القضاة ونادي القضاة بيانات صحافية اعتراضاً على مقترح مجلس القضاء الأعلى وعلى تصور وزير العدل، نشرت في معظم وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

كما لم يكتف القضاة بالدفاع عن مصالحهم المهنية. بل نص النظام الداخلي لنادي قضاة المغرب وعلى غراره النظام الأساسي لمنظمة القضاة الليبيين على العمل على تضمين مبادئ حقوق الإنسان والعهود والمواثيق الدولية المدافعة عن الحقوق والحريات العامة في الدستور والدفاع عن الضمانات الأساسية لها. وقد تأيد هذا التوجه في عدد من الندوات شارك فيها هذان الناديان مع منظمات غير حكومية في مجالات عدة.
 
الأمر الثاني الذي سجل في هذا العام هو رواج أساليب الوقفات التضامنية أو الاحتجاجية أو أيضاً الاعتصامات. وقد أشار التقرير المغربي الى انخراط القضاة في خوض أشكال تعبير غير مسبوقة في تاريخ القضاء المغربي[6]، ومن هذه الأشكال "حمل شارة الاحتجاج الحمراء لأول مرة للمطالبة بتعجيل الإصلاحات، وتنزيل المقتضيات الدستورية على أرض الواقع، كما نظموا وقفة وطنية بأثواب القضاة أمام محكمة النقض تعد الأولى من نوعها في تاريخ المغرب مطالبين بالاستقلال الفعلي والحقيقي للسلطة القضائية، كما نظموا وقفات احتجاجية أخرى على الصعيد الجهوي حيث طالبوا من خلالها الدولة بتحمل مسؤوليتها في توفير الحماية لهم من جراء تنامي ظاهرة الاعتداءات المتكررة التي يتعرضون لها تحت شعار "يوم الغضب". ويسجل أن تحرك النادي بلغ ذروته في 5/5/2012 بمناسبة انعقاد الدورة الثانية للمجلس الوطني والمخصصة لمناقشة القضاة أشكال الاحتجاج الممكنة للرد على مماطلة الحكومة في الاستجابة إلى مطالبهم، والتي بدأت بجلسة افتتاحية شارك فيها قرابة 2000 قاض بحضور وسائل إعلام وطنية ودولية. والملاحظ أن الجلسة انتهت الى إجماع بممارسة أساليب الاحتجاج كافة، وإن انقسم القضاة بين من يدعو "إلى التصعيد والبدء فوراً بخوض أشكال غير مسبوقة تتمثل بوقفة وطنية أمام محكمة النقض ثم الإضراب والتوقف عن الحكم بالغرامات النافذة"، ومن يدعو "إلى التدرج في اختيار الأشكال الاحتجاجية، من أجل إعطاء مهلة كافية للحكومة للتفاوض حول الملف المستعجل للقضاة استحضاراً للمرحلة الدقيقة التي يمر بها المغرب" وهو الموقف الذي رجح، وقد حددت الخطوات المتتالية بحمل الشارة الحمراء والوقفات ثم الإضراب كخيار مطروح ضمن باقي الخيارات. وقد شارك جميع القضاة الحاضرين في ملء استمارات لتقديم اقتراحاتهم بخصوص أشكال الاحتجاج المقترحة. وقد شهدت هذه الدورة التاريخية تقديم القضاة وثيقة المطالبة باستقلال النيابة العامة عن وزارة العدل والتي وقع عليها أكثر من 2000 قاضية وقاض قبل أن يتم إطلاق قافلة لتعميم التوقيع على باقي المحاكم بمناسبة حلول الذكرى الأولى لإطلاق المبادرة.

الأمر الثالث، رواج الإضراب كأسلوب احتجاجي بين القضاة والتي وصلت في مصر الى حد الإعلان عن مقاطعة الإشراف على الاستفتاء الدستوري والقرار بتعطيل المحاكم في موقف نادر، رداً على محاصرة المحكمة العليا الدستورية وعزل النائب العام. كما أن الجمعيات العمومية لعدد من المحاكم والنوادي الفرعية قد أيدت النادي في مقاطعة الإشراف على الانتخابات أو في قرار التعطيل. وكذلك، توقف قضاة عاملون في النيابات العامة عن العمل احتجاجاً على طريقة عزل النائب العام. وعموماً، نفذ قرار الإضراب من القضاة في عدد من الدول بدعوة من هياكلهم. فاستمر إضراب قضاة اليمن قرابة أربعة أشهر وشارك فيه ثلثا القضاة من منتديات فرعية ولم ينته إلا بتوقيع مجموعة من الوعود. ونفذ قضاة تونس إضرابات بدعوة من جمعية القضاة ومن نقابتهم وكذلك قضاة ليبيا احتجاجاً على عدم حماية المحاكم. وفي المغرب، وإذ لوّح نادي قضاة المغرب بالإضراب على الأقل مرتين خلال سنة 2012، فقد كان هذا الأمر موضع نقاش مع الجمعيات القضائية الأخرى، التي هي رأت أن حق التجمع المكرّس للقضاة لا يسمح لهم بالإضراب على اعتبار أنه أحد الأساليب النقابية التي تخرج حكماً عن الحقوق التي يتيحها العمل الجمعوي. كما أعلن نادي قضاة فلسطين الإضراب احتجاجاً على تصور وزارة العدل،خاصة في ما يتعلق بالإحالة المبكرة على التقاعد أو تنزيل سن التقاعد إلى 65 سنة بدلاً من 70 سنة أو في ما يتعلق بتصور مجلس القضاء الأعلى بالندب من درجات عليا إلى دنيا، فجاء في الإعلان ما يلي:

"أعلن نادي القضاة الفلسطيني عن تعليق العمل في المحاكم النظامية.
كما سجل في 2012 لجوء عدد من القضاة الى المحاكم لتكريس مبدأ استقلالية القضاء. ومن أبرز هذه الخطوات، قيام خمسة قضاة يمنيين بالطعن على دستورية قانون السلطة القضائية أمام المحكمة الدستورية العليا بصنعاء. وجاء رفع الدعوى استناداً إلى أن قانون السلطة القضائية "يخالف الدستور ومشوب بالتدخل السافر في شؤون السلطة القضائية من قبل السلطة التنفيذية وتغولها على قراراته واختصاصاته واستقلالية رجال العدالة، وتجسد نصوصه واللوائح التي بنيت عليه انتهاكاً صارخاً لمبدأ الاستقلال القضائي إدارياً وقضائياً وماليا" حسبما ورد بالدعوى[7].
 
التعاون والتأثير المتبادل بين تجمعات القضاة:

هذا التعاون والتأثير المتبادل لم يعد خافياً، وإن بقي محدوداً. فمؤسسو نادي قضاة المغرب قد أصروا عند تأسيسه في 2011 على تسميته على هذا الوجه تيمناً بنادي قضاة مصر، الذين كانوا قد تابعوا أخباره على الفضائيات في 2005 و2006، وذلك على الرغم من مخاوف بعض القضاة من أن تتسبب هذه التسمية في اتهامهم باستيراد الإصلاح من الخارج أو بالتعامل معه.

كما أن مؤسسي المنظمة الليبية للقضاة لا يخفون أن فكرة إنشائها قد نبعت أصلاً من جمعية القضاة التونسيين، علماً أنها ضمّنت نظامها الداخلي عدداً كبيراً من المواد المستمدة من نظام نادي قضاة المغرب، الذين كانوا قد استحصلوا على نسخة عنه.

كما سُجل خلال سنة 2012 عدد من البيانات التي أصدرتها بعض الهيئات القضائية للتضامن مع هيئات من دول أخرى في محنة معينة. ومن الأمثلة على ذلك، البيانان اللذان أصدرتهما منظمة القضاة الليبيين للتضامن مع جمعية القضاة التونسيين أو لاحقاً مع نادي قضاة المغرب ضد التضييق أو القرصنة التي طالت مواقع التواصل الاجتماعي العائدة لهم. كما أعلن الزند تلقيه عدداً كبيراً من الاتصالات من هيئات عربية عدة.
كما أن بعض الأساليب أخذت طابعاً عابراً للدول، كتحرك الشارات الحمراء الذي أعلنه بدايةً نادي القضاة في المغرب، فاستعادته جمعية القضاة التونسيين، مرتين للاحتجاج ضد تخلف المجلس التأسيسي عن وضع قانون بإنشاء الهيئة المؤقتة لإدارة شؤون القضاة.
 
   نُشر في العدد الثاني عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]انبنى التقرير الإقليمي على سبعة تقارير لدول سبع هي الآتية: مصر وقد حرره د. فتوح الشاذلي، وتونس وقد حرره القاضي محمد العفيف الجعيدي وفلسطين وقد حرره د. فراس ملحم وليبيا وقد حرره القاضي مروان الطشاني واليمن وقد حرره القاضي عبد الوهاب قطران ولبنان وقد حرره نزار صاغية والمغرب وقد كتب عنه تقريران من قبل عبد العزيز النويضي والقاضي أنس سعدون.
[2]في 2013، تم إعادة احياء المنتدى من خلال مؤتمر عام أدى الى تغيير اسمه الى نادي قضاة اليمن. كما تم انشاء نادي قضاة اليمن الجنوبي.
[3]نتحفظ عن ذكر الأسماء نزولا عند طلب الأشخاص المعنيين بهذا الحراك.
[4]وكان قضاة قد نظموا العريضة فدعت المفكرة القانونية مجمل المواطنين الى دعم القضاة من خلال التوقيع على عريضتهم. وقد أسهم هذا الحراك في ملاحقة القاضي المذكور تأديبيا مما أدى الى عزله بحكم مبرم.
[5]عبد الرزاق الجباري: حقيقة واجب تحفظ القاضي، مقال منشور بعدد من الصحف، وكذا بالموقع الرسمي لنادي قضاة المغرب.
[6]أنس سعدون: القضاة والحق في الاحتجاج، قراءة في ضوء الوقفة الاحتجاجية لنادي قضاة المغرب بالمحكمة الابتدائية بتاونات، المساء في 09/03/2012.
 
 
[7]وقد قبلت المحكمة الدستورية الدعوى المذكورة في 26/5/2013.