بعد انتظار دام ما يقارب سنة ونصف، صدر في 02/5/2013 القانون الأساسي المتعلق بإحداث هيئة وقتية للإشراف على القضاء العدلي والذي أولى القضاة حق انتخاب نصف أعضائها. وانتظر القضاة ومن ورائهم الحقوقيون أن يؤدي انشاء الهيئة الى انهاء هيمنة سلطات الحكم على السلطة القضائية وبدء تأسيس حقبة استقلالية القضاء.

ومن دون انتظار توفير حاجات عملها، باشرت الهيئة اعداد الحركة القضائية لسنة 2013-2014 ونجحت في 14/9/2013 وقبل يوم واحد من بداية السنة القضائية الجديدة في نشر باكورة أعمالها: حركتها القضائية، قاطعة بذلك للمرة الأولى مع ممارسات الحقبة السابقة من خلال الالتزام بشروط موضوعية، أبرزها الأقدمية، من دون التفات لمعايير الولاء والانسجام المعتمدة سابقا. واذ رحب جانب من القضاة بالحركة بعد ان اعتبروها فاتحة لنهاية عهد وصاية وزارة العدل على المسار المهني للقضاة، عاب جانب آخر منهم على الحركة اعتمادها لمعايير شكلية تغلب معيار الأقدمية على معايير الكفاءة. وكشفت تسريبات كواليس الهيئة التي تداولها القضاة إثر الحركة القضائية عن كون الاختلافات التي حكمت عمل هيئة القضاء العدلي بين شق القضاة المنتخبين وشق القضاة المعينين بحكم صفاتهم والذي حظي بدعم الاعضاء من غير القضاة كانت السبب الحقيقي الخفي للنقائص المسجلة. اذ في مقابل سعي الشق الاول أي القضاة المنتخبين لجعل الحركة القضائية أداة لإصلاح عميق يشمل منظومة القضاء كان الشق الثاني الذي يمثل القضاة المعينين أكثر محافظة وتمسكا بمسعى الحفاظ على قبول عام بالحركة لا يستثني وزارة العدل. وأدى توافق الشقين لإنجاز حركة قضائية يمكن وصفها بالمنصفة على أساس موضوعية معاييرها والتزامها النسبي لمبدأ عدم نقل القاضي الا برضاه. لكن، بإمكاننا وصفها أيضا بالمحافظة لتجنب الخوض في المسائل الخلافية ولحفظها موطئ قدم لوزير العدل في ادارة المسارات المهنية للقضاة، خصوصا على مستوى مناصب كبار القضاة.

وإذ رحب وزير العدل في تصريحاته بالحركة القضائية، فان نجاح الهيئة في صناعة توافق بين أعضائها من خلال التنازلات المتبادلة وتوصلها لإجراء الحركة القضائية في موعدها بات مصدر تهديد لنفوذ السلطة التنفيذية التي يمثلها على القضاة، فبادر لإعلان حرب من جانب واحد على الهيئة. وقد كان تعطيل نشر الحركة القضائية في الجريدة الرسمية بشكل غير مألوف الغيث في هذا الشأن. ويبدو أن الغاية من ذلك كانت ايجاد حالة امتعاض في صفوف القضاة من هيئة القضاء التي سيحملونها مسؤولية التأخير الحاصل الذي يضر بمصالح جانب هام منهم. كما تولى الوزير اعلان معركة التشكيك في صلاحية الهيئة من منصة المجلس الوطني التأسيسي، في مناسبة جلسة استماع له في 19/9/2013، اعتبر فيها الهيئة "بناء فوضويا". وقد بلغت معركته ذروتها في 14/10/2013 حين أصدر حركة قضائية مصغرة بمذكرات عمل شملت سبعة قضاة. ويبدو أن ممثل السلطة التنفيذية قدر أن تزامن تنفيذ التغييرات مع نهاية عطلة عيد الأضحى سينتهي الى فرض أمر واقع يؤدي عمليا لترسيخ تقليد يسمح للوزير بإصدار مذكرات نقل قضاة خلال السنة القضائية، على نحو يحفظ له ما تمتع به أسلافه من سلطات داخل القضاء. وقد شملت الحركة القضائية الوزارية عضوين من القضاة المعينين بحكم صفاتهم بهيئة القضاء وهما المتفقد العام لوزارة العدل ورئيس المحكمة العقارية فكانت في أحد اوجهها اداة للتأثير على أعمال الهيئة من خلال التدخل في تركيبتها. وأدى شمول الحركة للقضاة المعينين الى خروج هؤلاء عن تحفظهم السابق بعدما استشعروا أن وحدتهم مع عموم القضاة باتت خير سبيل لهم لمنع السلطة التنفيذية من تواصل الاستهانة بمكانتهم الاعتبارية. وقد أدى ذلك الى ايجاد لحمة بين أعضاء هيئة القضاء العدلي تمثلت في عدد من المواقف التصادمية الصادرة تحت شعار استقلالية القضاء. وفي17/10/2013، أعلنت الهيئة انها تعدمذكرات الوزير بحكم المعدومة لكونها صدرت عن جهة ادارية غير مختصة، طالبة من جميع القضاة الذين شملتهم هذه المذكرات بالبقاء في مراكز عملهم السابقة.

وردا على ذلك، وجه وزير العدل في 28/10/2013 مراسلة تحذيرية للمتفقد العام الذي واصل عمله بناء على طلب الهيئة رغم مذكرة الوزير بتعيين بديل عنه في هذا المنصب. كما اختار الوزير في اليوم نفسه إحدى الاذاعات الخاصة التي تحظى بنسبة استماع مرتفعة ليشن هجوما لاذعا على هيئة القضاء متهما إياها بغصب السلطة والحكم بالأهواء والرغبة في التسلط مع سعي واضح منه الى وضع خلافه مع هيئة القضاة في خانة الصراع السياسي بين السلطة الحاكمة والمعارضة. وفي إطار رد الحكومة على الهيئة في رفضها لآلية التمديد للقضاة الذين بلغوا سن التقاعد، أصدر رئيس الحكومة بتاريخ 07/11/2013 أمرين بالتمديد لقاضيين منهم. جابهت الهيئة تعنت الحكومة تجاهها بتعليق نشاطها في حركة بينت استعداد اعضائها لإيجاد حالة فراغ مؤسساتي في صورة عدم قبول الحكومة باحترام استقلاليتها. كما تولى عضواها المشمولان بأوامر التنحية من خططهما الوظيفية اي رئيس المحكمة العقارية والمتفقد العام لوزارة العدل تكليف أحد أعضاء الهيئة من المحامين برفع قضايا لدى المحكمة الادارية لغاية الغاء الأوامر التي تعلقت بهما. ونجح هيكلا القضاة الأساسيان أي جمعية القضاة ونقابة القضاة من جهتهما في تنفيذ اضراب شامل بمختلف المحاكم يومي 19 و20 نوفمبر، وذلك تتويجا لتحركات احتجاجية قادتها الجمعية وتمثلت في وقفات احتجاجية وتعليق للعمل لمدة ساعتين في 14/11/2013. وقد أدت أهمية المعركة لدفع هذين الهيكلين الى تجاوز حالة القطيعة بينهما والتنسيق غير المسبوق لخطواتهما، مما يسمح بالقول أن أزمة التعيينات ألزمت القضاة بقبول واقع التعديدية في المشهد القضائي.

نجحت التحركات الاحتجاجية للقضاة وما ابرزته من توحدهم خلف الهيئة في انهاء حالة تجاهل الساحة العامة لقضيتهم. فأصدرت الهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية لحقوق الانسان والاتحاد العام التونسي للشغل بيانات مساندة للقضاة في مطالبهم تضمنت ادانتها لمحاولة السلطة التنفيذية استعمال التعيينات القضائية للتأثير سلبا على استقلالية القضاء وكانت مساندة المنظمات المذكورة للقضاة هامة في اعتبار إنها من المنظمات الاربع الراعية للحوار الوطني. وبموازاة ذلك، أعلنت احزاب سياسية محسوبة على المعارضة اليسارية عن رفضها للتعيينات المنازع فيها واشترطت التراجع عنها للعودة لطاولة الحوار الوطني.
 
لم تؤثر وحدة القضاة وما لاقته من دعم في الساحة الحقوقية والسياسية في الموقف الحكومي. بل عادت السلطة السياسية لتستعمل شعارات الفساد القضائي في دفاعها عن قرارات التعيين. فتم تنظيم حملة دعائية شملت وسائل الاعلام التونسية حاولت ابراز رفض القضاة لقرارات الوزير كما لو كان تصديا منهم لمجهوده في اصلاح القضاء وتطهيره. كما تم اعتبار مساندة شق من المعارضة لمطالب القضاة مؤشرا على اتهامات السلطة لهياكل القضاة بالتورط في العمل السياسي المعارض لها. ويبدو توجه جزء من المشهد السياسي لمساندة قرارات الحكومة متجاوزا لمنطق التضامن الحكومي والالتزام الحزبي ليرتبط بتصور مبدئي سبق لجهات سياسية ان عبرت عنه بمناسبة مناقشة اصلاح القضاء بالمنابر العامة والمجلس الوطني التأسيسي، قوامه أن القضاء لم يتم اصلاحه وتطهيره بعد مما يجعل استقلاليته خطرا على السلطة.
 ادى اصرار كل طرف على التمسك بموقفه الى ايجاد حالة فرز موضوعي بين من يتمسكون باستقلال القضاء ويدعون لرفع يد السلطة التنفيذية عن القضاء وبين من يتمسكون بوصاية السلطة التنفيذية على قضاء لا يثقون في ولائه ويعلقون اصلاحه على اشتراطات اصلاح لم يبرزوا كنهها.

وفي خضم توازن القوى الذي حكم الصراع طوال الفترة تلك، أصدرت المحكمة الإدارية في 23/11/2013 قرارين استعجالين انتصرا لقراءة القضاة لقانونهم. اذ قررت المحكمة تعليق العمل بالأمرين الذين صدرا بتعيين المتفقد العام لوزارة العدل ورئيس المحكمة العقارية مؤقتا. ورغم الطابع الاحترازي للقرارين والمؤقت لمفعولهما فان بروزهما في ساحة المواجهة كان له مفعول بارز في اتجاه الانتصار للهيئة في الحرب التي تستهدفها. اذ استند اليهما الملاحظون ليتبنوا زيف ادعاء مشروعية قرارات وزير العدل خصوصا وان فقه قضاء المحكمة الادارية درج على عدم منح ايقاف التنفيذ في مادة الالغاء إلا في مواجهة القرارات الادارية التي لا جدال في تجاوزها للسلطة.

ويتضح ختاما من تطور نطاق المنازعة بين السلطة التنفيذية وأعضاء السلطة القضائية ان الصراع حول استقلال القضاء لم تنته فصوله بعد بل بات – الصراع بعد توسع جبهاته وتعدد سبل المواجهة فيه -يتجه نحو التحول الى ملف رئيسي من ملفات الازمة السياسية. فالنظر في عمق الأزمة وتطورها كشف أن المعركة كانت مدخلا ضروريا لفرض استقلالية القضاء في مواجهة تصور للحكم يصر على حقه في أن يرث عن السلطة الاستبدادية قضاء خاضعا. وبين الصراع في ابعاده وقبل ان تنتهي فصوله أن النصوص القانونية لا تكفي بحد ذاتها لبناء مؤسسات القضاء المستقل وان كانت مدخلا ضروريا لذلك. فاستقلال القضاء غالبا ما يحتم خوض معارك، معارك على القضاة بالدرجة الأولى، وفور خروجهم من تحفظهم، أن يقودوها. 

   نُشر في العدد الثاني عشر من مجلة المفكرة القانونية