على خلفية استدعاء عدد من الصحافيين للتحقيق أمام مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية بسبب آراء عبروا عنها على المساحات الإلكترونية، طرحت المفكرة القانونية عدداً من الإشكاليات المتعلقة بوجود هذا المكتب وصلاحياته في مراقبة نشاط اللبنانيين على المواقع الإلكترونية.
فهذا المكتب لم ينشأ وفقاً للأصول القانونية، إذ أُنشئ بموجب مذكرة خدمة رقم 609/204ش2 تاريخ 8/3/2006 دون إصدار مرسوم لتعديل التنظيم العضوي للأمن الداخلي[1]، ما يستدعي تساؤلات حول صلاحيته في ممارسة مهام الضابطة العدلية والحصول على مساعدات مالية من جهات دولية ومحلية في ظل عدم قانونيته.[2] ولا شك بأن إلحاق هذا المكتببقسم المباحث الجنائية الخاصة التابع للشرطة القضائية في قوى الأمن الداخلي (أي القسم المعني بجرائم أمن الدولة والإرهاب وتبييض الأموال والسرقات الدولية) يشير الى وجود إرادة بالتشدد في ملاحقة الأعمال التي تحصل على الشبكة الإلكترونية، أقلّه لدى مديرية قوى الأمن الداخلي، علماً أن مجلس الوزراء لم يبد أي اعتراض على تجاوز هذه المديرية لصلاحياته. وقد يأتي ذلك أسوة بالعديد من الأنظمة العربية التي أصدرت قوانين لمكافحة الجرائم المعلوماتية تهدف الى قمع مساحات الحرية المتاحة على الانترنت، لما تشكل من تهديد على بقائها. ورغم الاعتراف بأهمية جمع الطاقات والمعرفة التقنية في مجال المعلوماتية لما تساهم بالحد من جرائم خطيرة كإباحية الأطفال وسرقة البطاقات المصرفية وغيرها، إلا أن ذلك لا يبرر المخاوف المتعلقة بالضبابية في صلاحيات هذا المكتب. فأبعد من عدم قانونيته، إن صلاحياته الواسعة في مكافحة الجرائم التي تستخدم فيها التقنيات المعلوماتية العالية تتيح له عملياً التعرّض لحريات أساسية تمارس على الشبكة الإلكترونية كحرية التعبير والحق بالخصوصية، وهو ما سنحاول إبرازه تالياً.

صلاحيات واسعة للقيام بالتحقيقات الجزائية: مكتب مختص بجرائم الرأي الإلكترونية؟
بدلاً من أن تكتفي النيابات العامة بتكليف المكتب بتزويدها بما تحتاج اليه من خبرات وإمكانات فنية حول التقنيات المعلوماتية التي استُخدمت لارتكاب جريمة ما، ذهبت النيابات العامة الى إحالة مجمل الشكاوى المتعلقة بجرائم ارتكبت على الشبكة الإلكترونية اليه مع تكليفه بإجراء تحقيقات جزائية كاملة. وقد فتح ذلك للمكتب مجالاً واسعاً لاستدعاء أي شخص للتحقيق معه في مكتبه في قسم المباحث الجنائية الخاصة، ومنه مثلاً من وردت بحقه شكوى بسبب كلام نشره في تغريدة على تويتر أو على صفحات فايسبوك أو المدونات. وهو ما حصل مؤخراً مع صحافيين ومدوّنيين تم التحقيق معهم في المكتب حول كتاباتهم على المساحات الإلكترونية خلافاً للعرف المستمد من قانون المطبوعات والذي يمنع التحقيقات الأمنية مع الصحافيين ويفرض استجوابهم أمام القضاء بعيداً عن المخافر وبحضور محام. وقد أظهرت هذه الاستدعاءات خطورة التمييز لجهة مرجعية التحقيق بين الأعمال التي تحصل في العالم المادي والتي تحصل في العامل الافتراضي، على نحو يؤدي الى حرمان الصحافي من الضمانات القانونية التي يتمتع بها عادة كلما عمد الى نشر آرائه عبر الانترنت. إلا أن قيام الصحافي مهند الحاج علي بالمثول أمام النائب العام التمييزي رافضاً الخضوع لتحقيق إضافي لدى المكتب شكّل سابقة في هذا المجال وأعاد التشديد على مبدأ حماية الصحافيين من الخضوع للتحقيقات الأمنية في كل ما يتعلق بأعمالهم الصحافية، سواء طُبعت على ورق أو نُشرت على الانترنت، وذلك ضماناً لاستقلاليتهم في مواجهة ضغوط محتملة للسلطة. لذلك، من الضروري على النيابات العامة ومجلس الوزراء الحد من صلاحيات المكتب والاكتفاء بالاستعانة به كخبير فني معاون للقضاء كما هي الحالة مثلاً مع المباحث العلمية التي تقوم بفحوصات مخبرية للحمض النووي، دون أن تتمتع بصلاحية لاستدعاء صاحب الحمض واستجوابه حول نشاطه أو سبب وجوده في مكان الجريمة وما الى ذلك من تحقيقات محتملة.

صلاحيات رقابية دون أي ضمانات لحماية خصوصية مستخدمي الانترنت
إن هذا المكتب تم نصبه (بشكل غير قانوني) كرقيب على نشاط اللبنانيين على الشبكة الإلكترونية مع تمكينه من التحرك تلقائياً في حال الجريمة المشهودة وفي حال ورود معلومات خاصة به حول حصول نشاط غير شرعي على الانترنت. لكن في ظل غياب قوانين خاصة لرعاية نشاط اللبنانيين في الفضاء الإلكتروني، أصبح العالم الافتراضي عبارة عن أرض خالية وغير محمية، وتالياً مشرعة لكل أنواع التدخل. فأن يتم نصب رقيب عليها دون أن يتم توضيح إطار عمله وتنظيم حدود رقابته، فهذا يبعث مخاوف عديدة حول إمكانية التعرّض لخصوصيات المواطنين من مستخدمي الانترنت عبر رصد أنشطتهم والمواقع التي يزورونها والعلاقات والاتصالات التي يقومون بها من خلاله. ورغم أن سرية التخابر الجاري بواسطة الوسائل الإلكترونية محمية قانونياً بموجب القانون 140/1999، فإن هذا المكتب مجهز بالإمكانيات التقنية للاطلاع على المراسلات الخاصة التي يقوم بها اللبنانيون. ولا يرد على هذه المخاوف أن المكتب لا يتحرك إلا بإشارة من النيابات العامة لما لدى الضابطة العدلية من إمكانية واسعة للتأثير على مسار التحقيقات، خاصة في ظل قلة خبرة الجسم القضائي لفهم التقنيات المعلوماتية الجديدة. وتأتي هذه التساؤلات في ظل تفاقم النقاش على المستوى الدولي حول كيفية حماية خصوصية الأفراد خلال ممارستهم نشاطهم الإلكتروني، خاصة بعد تسريبات ادوارد سنودن التي أظهرت مدى ضخامة عملية مراقبة الاستخبارات الأميركية للمراسلات الخاصة لمواطنيها والأجانب المقيمين على أراضيها وحتى على رؤساء الدول الأخرى وقادة المنظمات الدولية.

ففي وقت يناقش العالم كيفية حماية الحق بالخصوصية، نرى أن لبنان ينصّب رقيباً على الشبكة الإلكترونية دون وضع أي إطار حمائي بهدف ضمان عدم التعرّض التعسفي لحياة مستخدمي الانترنت الخاصة والتي تشمل المراسلات والبيانات والصور الخاصة... وليس المطلوب تنظيم الأعمال التي تحصل على هذه الشبكة، لكن المطلوب وضع ضوابط لإمكانية ممارسة رقابة هذا المكتب على نحو يحمي الحق بالخصوصية ولا يفتح المجال للتعرض لها سندا للمادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان التي تكرّس الحق في حماية القانون من أي تدخل تعسفي في الحياة الخاصة.

 نُشر في العدد الثاني عشر من مجلة المفكرة القانونية  

للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا


[1]تنص المادة 8 من القانون 17/1990تنظيم قوى الأمن الداخلي: "1- يحدد بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية بعد استطلاع رأي مجلس القيادة:أ - انشاء القطعات وتحديد تسمياتها استناداً الى التنظيم العضوي المنصوص عنه في المادة السابعة السابقة..."
[2]راجع مثلا: المرسوم رقم 17490 تاريخ 19-6-2006 قبول هبة لمصلحة وزارة الداخلية والبلديات – مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية؛ والمرسوم رقم 457 تاريخ 6-10-2008 قبول هبة مقدمة من الجمعية اللبنانية للملكية الفكرية LIPAوبتمويل من الخارجية الاميركية لمصلحة وزارة الداخلية والبلديات – المديرية العامة للأمن الداخلي.