تحت عنوان "عاملات المنازل تحت رحمة "الكفالة"، والقضاء لا يجدي نفعاً مهما عدل"، عرضنا في العدد السابق من المفكرة حالة عاملة في الخدمة المنزلية انتهى القضاء الى تبرئتها من ادعاء صاحبة العمل بالسرقة، وذلك بعد أن تم احتجازها لسبعة أشهر وقام جهاز الأمن العام بترحيلها قبل صدور الحكم من دون إعلام المحكمة ولا محاميها بالأمر. وحملتنا هذه الحالة الى التساؤل حول القيمة الفعلية لحكم البراءة في مثل هذه القضايا، وفي الآن نفسه حول الدور المتروك للقضاء في حماية العاملات في الخدمة المنزلية وتكريس حقوقهن. وفي الملفات التي درسناها آنذاك، كانت العاملة تحال عموماً الى الأمن العام تبعاً لقرار قضائي بإخلاء سبيلها أو الإفراج عنها أو عند انتهاء فترة محكوميتها عملاً بتعاميم عدة للنيابة العامة التمييزية صدر آخرها في [1]2004؛ فيدقق الأمن العام في صحة إقاماتها ويعمد الى ترحيلها إذا ثبت لديه تجاوزها مدة الإقامة أو سقوط هذه الإقامة بفعل ترك "الكفيل"، ما لم يقرر إجراء تسوية لوضعها. إلا أن ملفات كثيرة أظهرت لنا وجود ممارسات أكثر خطورة للنيابات العامة والأمن العام، قوامها قيام النيابة العامة بقلب الأدوار، بحيث يكون للأمن العام أولاً صلاحية النظر في وضع العاملة توقيفاً وترحيلاً، مع ما يستتبع ذلك من تقرير لمصيرها قبل إحالتها الى القضاء. وقد ثبت لنا هذا التوجه من خلال 14ملفاً، ما يؤكد أن هذا التوجه يكتسي طابع الممارسة. ومن شأن ذلك تقديم دليل إضافي على رمي عاملات المنازل في خانة "اللاقانون" (ُEtat de non droit)، بمعزل عن أي حماية قانونية أو قضائية.

وبالطبع، قد يسعى البعض الى تبرير ترحيل العاملة على هذا الوجه، بمعزل عن قانونيته، بأنه يخدم مصلحة الجميع، بمن فيهم العاملة نفسها. فإذا كان ترحيلها أمراً لا بد منه لتجاوزها مدة الإقامة أو عملاً بنظام الكفالة، ألا يؤدي تنفيذه فوراً الى تخليصها عملياً من عناء التوقيف لأشهر عدة، وفي الآن نفسه الى تخفيف اكتظاظ السجون والى إعفاء الدولة اللبنانية من المصاريف والتكاليف التي قد تنجم عن احتجازها؟ وربما نلقى في بعض القضايا ما يؤيد هذه القراءة، حيث قامت العاملة في أربع منها بتسليم نفسها للقوى الأمنية طالبة العودة الى بلدها. ونلحظ أنه في حالتين منها، راجعت العاملةسفارة بلادها التي بدورها تواصلت مع الأمن العام لغاية الإخراج من البلاد. وتظهر إذاً هذه الملفات رغبة واضحة للعاملات بالعودة الى بلادهن، وإن كان من الممكن دوماً التشكيك بهذه الرغبة في ظل النقص المفجع في الحماية القانونية. إلا أن مزيداً من التدقيق في الملفات يظهر العيوب التي تعتري هذه القراءة، وذلك من وجهات ثلاث:

الأولى، أن النيابة العامة لا تكتفي بترحيل العاملة إنما تعود وتدعي عليها بعد التأكد من حصول ترحيلها لتحاكم غيابياً على نحو يشكل تغييباً لهذه الأخيرة.

والثانية، أن ممارسة مشابهة تبقى مبنية على فرضية مفادها وجوب ترحيل وتجريم كل من يبقى في لبنان رغم انتهاء مدة إقامته أو سقوطها بفعل ترك صاحب عمله "الكفيل"، فيما قسوة شروط العمل المنزلي تستوجب دوماً التحرّي عن أسباب ترك "الكفيل" وتحديداً إذا كان ينبع من ضرورة حياتية أو يشكل عذراً مشروعاً.  

والثالثة، أن ممارسة مشابهة غالباً ما تؤدي الى تغييب مختلف أشكال الاستغلال، وتحديداً الاستغلال الذي من شأنه أن يشكل جناية الإتجار بالبشر.
وبذلك، تكون هذه الممارسة قد أدت ليس فقط الى تحكيم الأمن العام في مصير العاملة، إنما أيضاً الى تنظيم محاكمة غيابية لهذه الأخيرة، مع ما يستتبع ذلك من تغييب لحقوقها والأدوات التي بإمكانها تغيير هذا المصير أو الطعن بمشروعيته أو إعادة بعض التوازن الى العلاقة بين عاملات المنازل وأصحاب العمل، وبالنتيجة من تأثير في عمل القضاء الذي يصبح الى حد كبير "من دون عازة".

 هكذا، بدل أن تؤدي الممارسة "الرحيمة" تلك إلى التخفيف من معاناة العاملة، فإنها تؤول إلى تكريس مسارين إجرائيين يطالان العاملات في حالات شتى ويقضمان من حقوقها القانونية الأساسية: أولهما مسار إداري يبدأ منذ لحظة التوقيف حيث يتم تحويل العاملة، بناءً لإشارة النيابة العامة، الى الأمن العام الذي يترك له البت بحريتها وببقائها في البلاد من عدمه؛ والثاني مسار قضائي تكون العاملة مغيبة تماماً فيه، فيصدر الحكم من دون محاكمة، ويكون في مطلق الأحوال، ومهما كان مضمونه، معدوم التأثير على مصيرها الذي سبق وتقرر من قبل الأمن العام توقيفاً وترحيلاً.
وهذا ما نتبينه بوضوح كلي عند الغوص في وقائع الملفات، ولا سيما في الملفات التي وردت فيها مؤشرات واضحة حول مسؤولية أصحاب العمل عن عدم تجديد الإقامة، ما يعطي العاملة عذراً مانعاً لتجريمها، أو مؤشرات حول إمكانية ارتكاب أصحاب العمل انتهاكات كبيرة لحقوق العاملة الأساسية.
 
في محاولة لرسم أوجه الظاهرة: الأمن العام يقرر، والقضاء يتبع   
في عدد من الملفات التي رصدنا فيها هذه الحالة، تبين لنا أن النيابة العامة دأبت تبعاً لتحقيقات الأمن العام على إصدار إشارة تضمّنت صراحة العبارة الآتية "ترك أمر البت بإقامة العاملة أو ترحيلها للأمن العام"، بما يشكل تصريحاً واضحاً من قبل النيابة العامة للأمن العام بإمكانية ترحيلها من دون الحاجة الى عرضها مسبقاً على القضاء. لا بل ورد إعطاء الأمن العام الدور الأساسي في هذا المجال في ملف آخر حيث جاء حرفيا: "توقيف العاملة وإيداعها دائرة التحقيق والإجراء لترحيلها الى بلادها، وفي حال عدم ترحيلها توقيفها وإيداعها جانب نيابته"، بحيث يظهر أن عرض العاملة على القضاء لا يتم إلا بعدما يفرغ الأمن العام من عمله الذي له الأولوية، وفقط إذا سمح هو بذلك. وقد سجلنا الأمر نفسه بشأن ملاحقات تولتها بداية قوى الأمن الداخلي، حيث تضمنت هذه الملفات أيضاً إشارة من النيابة العامة بإحالة العاملة الموقوفة الى الأمن العام مباشرة من المخفر للتدقيق في صحة إقامتها، أي قبل النظر في ملفها قضائياً.

لا بل أسوأ من ذلك، فقد بيّنت الملفات أن قرار التوقيف نفسه يتخذ بداية من المدير العام للأمن العام من دون استئذان النيابة العامة التي يقتصر دورها على تأييده. وهذا ما نقرأه في أحد الملفات حيث نقل عن العاملة تصريحها للمحقق: "نعم لقد أبلغت من حضرتكم قرار حضرة المدير العام للأمن العام الصادر بتاريخ 6/3/2012 والقاضي بتوقيفي وإيداعي دائرة التحقيق والإجراء لمخالفتي نظام الإقامة". بمعنى أن المدير العام هو الذي يقرر التوقيف، على أن تؤخذ في ما بعد إشارة النيابة العامة. ويتجلى هنا إعطاء الأمن العام تفويضاً على بياض بالتصرف كما يشاء توقيفاً من دون تحديد أي مهلة لذلك وترحيلاً من دون أي ضوابط. والى ذلك، فإن النيابة العامة اكتفت عموماً في مجمل هذه الملفات بإعطاء الضوء الأخضر للمحقق من دون تقديم أي طلب بالتوسع بالتحقيق مع العاملة بشأن مدى ملاءمة ظروف عملها أو احتمال تعرضها لاستغلال ما إو إتجار ما، أو مع صاحب العمل لمعرفة سبب عدم قيامه بتجديد إقامة العاملة (علماً أن التجديد يقع على عاتق ومسؤولية صاحب/ة العمل وفق ما نصت عليه المادة التاسعةمن عقد العمل الموحد).

وللتأكد من خطورة ما يحصل على هذا الصعيد من تماه بين النيابة العامة والأمن العام، نسجل أن توقيف العاملات إدارياً في نظارة الأمن العام قد تراوحت مدته في الملفات التي بحوزتنا بين 22 و40 يوماً؛ وأن النيابة العامة لم تستفسر عن أوضاع أي منهن إلا بعد اثنين وعشرين يوماً في أحسن الأحوال، وكأنما تمنحه فترة سماح للتصرف وفق ما يشاء، وأن الأمن العام منح نفسه في بعض الحالات فترة سماح إضافية من خلال إرسال جوابه على الاستفسار بعد 26 يوماً من وروده اليه. فإذا ورد جواب الأمن العام بترحيل العاملة، سارعت النيابة العامة الى الادعاء ضد العاملة أمام القاضي المنفرد الجزائي بجرم "عدم تجديد الإقامة في لبنان".

ومن مراجعة هذه الخطوات المتتالية، يظهر في كل هذه الحالات، أن النيابة العامة تعمدت الانتقاص أولاً من دور القضاء بإحالة العاملة الى الأمن العام معطية إياه صلاحية مطلقة للبت بأمرها توقيفاً وترحيلاً، لتدّعي تالياً عليها وبعد التحقق من ترحيلها أمام القضاء في خطوة تشكل في عمقها تنظيماً عن سابق تصور وتصميم لمحاكمة غيابية، أي لمحاكمة تحصل بغياب قسري للمدعى عليها.
وما يزيد من سوء هذه المحاكمة الغيابية، نعيد ونكرِّر، هو أن من شأنها تغييب انتهاكات جسيمة مرتكبة بحق العاملة في حالات عدة.  

حكم من دون محاكمة: هكذا تغيب المسؤوليات الجسيمة
في هذا المضمار، تجدر الإشارة الى اشتمال عدد من الملفات التي بحوزتنا على مؤشرات جدية على مسؤولية أصحاب العمل عن عدم تجديد الإقامة أو في دفعها الى ترك العمل بنتيجة المعاملة المهينة والقاسية، ما يشكل عذراً واضحاً للعاملة وسبباً كافياً لمساءلة أشخاص آخرين في قضايا قد يصل بعضها الى الإتجار بالبشر.

في مسؤولية صاحب العمل عن عدم تجديد الإقامة
هنا، سنعرض التحقيقات في أحد الملفات، حيث أفادت عاملة بأنها كانت تطلب منذ عام العودة الى بلادها بسبب مرضها ورغبتها في رؤية أولادها، "وقد تعذر ذلك بعدما علمتُمنها (من صاحبة العمل) أن صاحب المكتب (...) لم يسلمني أوراقي الثبوتية، ومنها جواز سفري، وعلمتُ أنني لم أستحصل على إقامة منذ ست سنوات". كما أفادت بأنها دخلت البلاد على "كفالة المدعوة (...) أجهل هويتها وعنوان سكنها ولم أرها على الإطلاق كون المكتب استلمني من المطار وشغّلني في أحد المنازل حوالي خمسة عشر يوماً، وبعد ذك أحضرني الى منزل صاحبة العمل التي ما زلت أعمل في منزلها حتى اليوم". وأمام هذا الكم من المعلومات، لم يجد النائب العام أفضل من أن يعطي إشارته الى الأمن العام بتوقيف العاملة وترك صاحبة العمل لقاء سند إقامة، والتوسع بالتحقيق مع الأخيرة "لضبط إفادتها حول تشغيل الخادمة لديها مدة سبع سنوات دون الاستحصال لها على إقامة". كما طلب تبيان كامل تفاصيل هوية صاحب مكتب الاستقدام. وتواصل جهاز الأمن العام مع المكتب، ليتبين أن صاحب المكتب خارج البلاد، فأوعز النائب العام، بعد إعلامه بذلك، "بصرف النظر عن استدعاء اللبناني". هذا وقد أفادت صاحبة العمل في متن التحقيق معها، بناءً على إشارة النيابة العامة، بأنها "تستقدم خدماً منذ 15 سنة وتنجز كل المعاملات عبر المكتب عينه".
 
في وجود مؤشرات على ارتكاب مخالفات جسيمة حتمت على العاملة ترك المنزل:
ومن الملفات الأخرى التي يجب لفت النظر اليها، تلك التي تؤشر الوقائع الواردة فيها الى احتمال أن تكون العاملة قد تعرضت لانتهاكات جسيمة حتّمت عليها ترك المنزل، ما جعلها في وضع غير شرعي. وهو ما نستشفه من عبارات وردت عرضاً في تحقيق الأمن العام بشأن ترك العاملة لعملها. فنقرأ مثلا في أحد الملفات أن العاملة تركت العمل بسبب تعرضها للضرب من قبل صاحبة العمل، التي "كانت تحاول في بعض الأحيان رميي عن الدرج وتبقيني دون طعام، ولهذه الأسباب هربت من المنزل"، أما في ملف آخر فنقرأ أنها تركت بسبب "مضايقات أولادها [صاحبة العمل] وتعرضهم لي بالضرب"، ما حملها الى مغادرة المنزل - العمل قبل أن يتم إلقاء القبض عليها بسبب عدم حيازتها مستندات ثبوتية. كما يسجل أن الملفات الأخرى تبقى مبعثاً للقلق بحيث خلت تماماً من أي سؤال عن أسباب ترك العمل.

خلاصة
وهكذا تبين وقائع الحالات التي عرضناها الأمور الآتية:
-        أن دور قضاء الحكم في حماية العاملات في الخدمة المنزلية يبقى هامشياً وثانوياً، بحيث يتعين عليه إصدار حكم في محاكمة غيابية وعملياً من دون أي محاكمة، وذلك بحق شخص سبق للأمن العام أن قرر مصيره ويرجح أنه لن يعرف أبداً بنتيجة الحكم الصادر لمصلحته أو ضده.
-        أن مصدر هامشية قضاء الحكم هو الجسم القضائي نفسه، وتحديداً قضاء الادعاء (النيابات العامة)، الذي يفوض الأمن العام تقرير مصائر العاملات المحالات اليه توقيفاً وترحيلاً، فلا يدعي على العاملة إلا بعد التأكد من ترحيلها بما يضمن أن تكون المحاكمة غيابية.
-        أن مصير العاملة في ظل ما تقدم، هو الترحيل، مهما توافر لديها من أعذار وحجج، فيما يفلت بفعل تغييب المحاكمة (ومعها الضحية الممكنة) أصحاب العمل وأصحاب المكاتب من مسؤوليات كثيرة قد يصل بعضها الى جرائم إتجار بالبشر.

 نُشر في العدد الثاني عشر من مجلة المفكرة القانونية  
 

[1]كتاب النيابة العامة التمييزية رقم 4662/2004 تاريخ 16/12/2004