في خضم مناقشة بنود الدستور المصري الجديد، طرحت مسألة إدراج مادةفي الدستورتقضي بمنع "فلول النظام السابق" من تبوُّء المناصب العامة في الدولة. هذا وكان مصطلح "فلول"سابقاًيدل فقط على رموز نظام حسني مبارك، بينما أصبح في عهد عدلي منصور يشمل أيضاً "الإخوان المسلمين". اعترض رئيس اللجنة المنوطة بتعديل الدستور عمرو موسى على إدراج مادة مماثلة في الدستور واختتم النقاش بتصريح المتحدث باسم اللجنة بأن أي عزل لن ينص عليه الدستور بل سيتم إقراره في قانون لاحقاً. كان منطلق هذا النقاش، حتماً، توسيع نطاق المادة "232" من دستور 2012 التي نصت على: "تمنع قيادات الحزب الوطني المنحل من ممارسة العمل السياسي والترشح للانتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة عشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور..." لكي يشمل الفلول الجدد أي الإخوان المسلمين.

عرفت الأمم المتحدة العزل السياسي أو فحص السجلات (Vetting) في كتيب باسم "أدوات سيادة القانون لدول ما بعد الصراع: فحص السجلات: إطار تشغيلي"، على أنه "تقدير مدى الاستقامة لتحديد الملاءمة للخدمة العامة"[1]. التشريع على هذا الوجه لا يصطدم بالضرورة بالأحكام الملزمة لحقوق الإنسان كما هي مكرّسة في الاتفاقيات والأعراف الدولية، بل على العكس من ذلك، قد يشكل "مؤسسة" من مؤسسات العدالة الانتقالية إلى جانب غيرها مثل لجان تقصي الحقائق عن انتهاكات الماضي أو العفو... التي تعتمدها الدولة في فترة ما بعد الصراع أو انهيار حكم استبدادي. إن العزل السياسي، مثله مثل أدوات العدالة الانتقالية الأخرى، عليه أن يتكوّن في فضاء قانوني محدد يمكنه، من جهة، أن يكون أداة فعالة في إنقاذ البلاد من العودة إلى الوراء، وألا يكون، من جهة أخرى، أداة تهدف الى إقصاء تعسفي لرموز الماضي والانتقام منهم.

وللأسف، يخشى أن يقع قانون العزل السياسي المصري في حال إقراره ضمن هذا المحظور، نظراً إلى مناخ الانتقام من الإخوان المسلمين السائد حالياً في مصر، والذي من شأنه أن ينتج قوانين إقصاء جماعي أعمى لهذه الفئة من المجتمع. المثالان العراقي والليبي ليسا بعيدين عن الحاضر زمنياً، ويكفيان لإظهار مخاطر قوانين مماثلة. فالاضطرابات التي سادت العراق بعد الغزو الأميركي فاقمها قانون اجتثاث حزب البعث، حيث اندفعت الجماعات غير المرغوب بها الى حمل السلاح ضد الحكومة الجديدة. كما أن العشوائية في تطبيق هذا القانون جعلته يبدو كقانون وضعته طائفة ضد أخرى، مع ما استتبع ذلك من نعرات طائفية. وقد سعت السلطات العراقية في ما بعد الى التخفيف من حدة هذا القانون تدريجياً، من خلال التضييق من الفئات التي يمنعها القانون من تبوُّء مناصب عامة.[2] أما في ليبيا، فقد هدف قانون العزل السياسي الذي أقر في أيار الماضي تحت ضغط سلاح بعض المليشيات الإسلامية، إلى إبعاد كل من عمل على إفساد الحياة السياسية عن الدولة. ويمنع القانون الأشخاص الذين شغلوا مناصب في الدولة (وهي كثيرة) أو ارتكبوا أفعالاً حددتها المادة الأولى من تبوُّء مناصب في الدولة. وقد كان أولى ضحايا هذا القانون محمد المقريف الذي عمل سفيراً الى الهند في عهد القذافي حتى سنة 1981، السنة التي أعلن خلالها عداوته للنظام الحاكم وانضم إلى صفوف المعارضة في المنفى، وقد دفعت عائلته في ليبيا ثمن قراره السياسي فسجن أخوه وأخته على التوالي ثلاث وثماني سنوات. فالمقريف اضطر لأن يستقيل بعد إقرار قانون العزل السياسي الليبي لأن هذا الأخير يحرم من عمل سفيراً خلال فترة القذافي من تقلد مناصب سيادية كمنصب رئيس المؤتمر العام الليبي الذي كان يشغله. فكيف يمكن تقييم قانون يحرم شخصاً عمل جاهداً لمدة ثلاثين سنة على إسقاط نظام من المشاركة في الحياة السياسية الجديدة التي أسس لها من خلال كفاحه؟

إن التشريعين العراقي والليبي في مجال العزل السياسي يظهران جلياً أن هناك سوء فهم لماهية العزل السياسي والغرض من ورائه. فالغرض من العزل السياسي ليس العقاب بتاتاً، بل إصلاح الإدارات بغاية درء انتهاكات حقوق الإنسان أو أي عودة للنظام الديكتاتوري السابق. كما أن العزل السياسي ليس هدفاً بحد ذاته بل هو يندرج عند الاقتضاء ضمن الموجبات الإيجابية التي يتعين على الدولة اتخاذها لدرء انتهاكات حقوق الإنسان. فما يهدف اليه القانون الدولي ليس بالضرورة اللجوء إلى العزل السياسي بل اتخاذ جميع الإجراءات لدرء هذه الانتهاكات، بمعنى أن العزل هو مجرد وسيلة، وإن أصبح وسيلة رائجة خصوصاً في دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي التي استخدمت بدرجات مختلفة العزل السياسي ضد رموز الأنظمة السابقة كأداة للانتقال الديموقراطي.

كل هذا دفعالخبيرة المستقلة في لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة سنة 2005 إلى إصدار "المجموعة المستوفاة من المبادئ المتعلقة بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها من خلال اتخاذ إجراءات لمكافحة الإفلات من العقاب"، وهي مبادئ تسهم في تحديد أفضل الممارسات في هذا المجال من دون أن تكون غير ملزمة للدول. وينص المبدأ السادس والثلاثون من هذه المجموعة المدرج تحت عنوان "ضمانات عدم تكرار الانتهاكات" على إصلاح مؤسسات الدولة، ومن ضمن الخطوات المذكورة في هذا الإطار، "وقف الموظفين الحكوميين المسؤولين بصفتهم الشخصية عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، ولا سيما العاملين في قطاعات الجيش والشرطة والاستخبارات والقضاء عن مواصلة خدمتهم في المؤسسات الحكومية".[3] بالتالي، فإن العزل السياسي هو إجراء احترازي لا صلة له بمشاعر الانتقام من أفراد النظام السابق كما يستشف من القانونين الليبي والعراقي.
إنما قد يبدو للوهلة الأولى أنه لا يمكن لقانون عزل سياسي إلا أن يصطدم بالحقوق المكرّسة في القانون الدولي كالحق في المشاركة في الشؤون العامة، كالترشح وتقلد الوظائف العامة المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، على أساس أن هذه الأحكام لم تنص على إمكانية الاستثناء. لكن رغم حرفية هذه الأحكام، يمكن تقييد هذه الحقوق ضمن شروط معينة، شرط أن يكون القيد معقولاً وموضوعياً حسب ما نصت عليه اللجنة المعنية بحقوق الإنسان.[4]بناءً عليه، فإن منع القاصرين من الترشح للانتخابات الرئاسية هو إجراء معقول وموضوعي. غير أن هذا القول لا يصح إذا تعلق الأمر بمنع النساء، لانتفاء العنصرين السابق ذكرهما. كذلك، يسري هذا المنطق على قوانين العزل السياسي. فإذا وُجد عنصرا الضرورة والمعقولية جاز إبعاد شخص من منصب عام دون هدر حقه بالترشح أو المشاركة في الشؤون العامة. أما إبعاد فئة بأكملها من تقلد مناصب عامة محددة قانوناً فهو يتعارض حكماً مع الشرطين المذكورين، لأنه يصعب أن يشكل هؤلاء كلهم خطراً على النظام الديموقراطي الجديد. وبالتالي الإبعاد أو العزل يصبح هنا إجراءً غير معقول بما أن الضرر على الذين لا يستحقون الإقصاء سوف يفوق الفائدة من القانون (أي درء الانتهاكات في المستقبل)، خصوصاً إذا كان الإقصاء يطال فئات ضخمة من المجتمع كالأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين. كما أن اختيار الانتماء السياسي لمجموعة كأساس للعزل السياسي لا يستوي مع عنصر الموضوعية.

فإذاً يجب إجراء العزل على أساس كل حالة على حدة من خلال تقييم إلى أي حد يمكن لشخص ما أن يشكل خطراً على النظام الجديد وإبعاده وفقاً لذلك. بالتالي، يجب على القانون أن يعزل الأفراد ليس بناءً على المناصب التي تقلدوها في الماضي (كقانون العزل السياسي الليبي) أو الانتماء السياسي (كما يتوقع أن ينص عليه قانون العزل السياسي المصري)، بل بناءً على أفعال قام بها أفراد شخصياً وتطعن باستقامتهم لتولي مناصب عامة في العهد الجديد. كما أن الحظر لا يجوز أن يشمل كل المناصب في الدولة الجديدة بل فقط تلك التي يمكن للمرء أن يرتكب من خلالها انتهاكات وإلا انتفى عنصر الضرورة في المنع.

 يستنتج من ذلك أن العزل السياسي يجد مبرره وسنده القانوني متى أقصت الدولة من مناصبها أفراداً كانوا جزءاً فاعلاً من الأداة القمعية للنظام الفائت ويودون الانضمام إلى الدولة، أو ما زالوا في الحاضر في منصب يمكنهم من إدامة الممارسات القمعية، ما يجعلهم خطراً على ديمومة النظام الديموقراطي. أما أي عزل يخرج عن هذا النطاق ويرتكز مثلاً على ولاء الفرد السياسي فلا يعد إلا إقصاءً ينتهك حق المعزول ويعلن مسؤولية الدولة على ضوء اتفاقيات حقوق الإنسان.

القانون المصري المرتقب مرشح لأن يضرب عرض الحائط بالمعايير القانونية السابق ذكرها. لا يمكن لديموقرطية أن تنشاً على منطق العزل الجماعي، فكلا المفهومين على طرفي نقيض. للأسف، الرغبة بالانتقام تعد مدماكاً خصباً لنشأة قوانين جائرة، لكن هذه الرغبة تتميز بقصر في رؤية النظام السياسي الفئوي الذي تعبد الطريق له. فإذا وقع المشرّع المصري في الفخ، فلن يبقى للبلاد العربية التي ستعصف فيها رياح التغيير مستقبلاً أي أنموذج سليم لاحتذائه في تسيير الفترة الانتقالية على السكة الصحيحة.
 
 نُشر في العدد الثاني عشر من مجلة المفكرة القانونية 


[1] مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أدوات سيادة القانون لدول ما بعد الصراع: فحص السجلات: إطار تشغيلي،)2006(، ص 4.
[2] ب.ب.سي عربي، العراق: مجلس الوزراء يعدل قانون المساءلة والعدالة وينهي العمل بقانون المخبر السري، )8 نيسان 2013) موجود على الرابط التالي: http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/04/130408_iraq_debaathification.shtml)آخر زيارة 4 تشرين الثاني 2013(.
 
[3] لجنة حقوق الإنسان، المجموعة المستوفاة من المبادئ المتعلقة بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها من خلال اتخاذ إجراءات لمكافحة الإفلات من العقاب المضاف إلى تقرير الخبيرة المستقلة ديان أورنتليشر المعنية باستيفاء مجموعة المبادئ لمكافحة الإفلات من العقاب،E/CN.4/2005/102/Add.1، (2005)، ص 19.
[4] لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 25المشاركة في إدارة الشؤون العامة وحق الاقتراع،الدورة السابعة والخمسون، (1996)، الفقرة 4.