كثيراً ما يقود التقصي عن انتهاكات لحقوق الإنسان في لبنان الى شركات تجارية. وتتصل هذه الانتهاكات بحقوق متباينة، منها حقوق العاملين فيها، أو حقوق مستهلكي منتجاتها وفي أحيان كثيرة حقوق العامة كما يحصل عند تعرض هذه الشركات للتوازن البيئي .. الخ. وبالطبع، لهذه الانتهاكات تأثيرات كبيرة ذات طابع وطني عام. ولإدراك ذلك، يكفي أن نسترجع ما يتردد بشأن التلوث البيئي "القاتل" في شكا أو في مطمر الناعمة أو ما يتردد عن اعتداء ضد الحرية النقابية في شركة سبينس، فضلاً عما ذُكر من ضغوط جمّة تمارسها شركات كبرى لكبح عجلة الإصلاح في هذا المجال أو ذاك، آخرها اتصل بكيفية تنفيذ قانون الحد من التدخين. وبالطبع، اللائحة تطول لتشمل الاحتكارات والامتيازات القانونية، فضلاً عن كثير من قضايا الفساد التي غالباً ما تتحقق من خلال شركات تجارية ضخمة. والإشكالية التي يحاول هذا المقال التصدي لها تتصل بأسباب انكفاء المنظمات الحقوقية النسبي عن مواجهة هذه الانتهاكات، بحيث تخاطب في معظم أعمالها السلطات والإدارات العامة. وسنبيّن في هذا المحل أربعة أسباب لتفسير هذا الانكفاء لنتناول من ثم أربعة أسباب للتحذير من مخاطره. 
 
أسباب أربعة لانكفاء المنظمات الحقوقية عن مجابهة الشركات الكبرى:
حقوق اقتصادية خارج الأولويات؟ أم تفاوت في الأسلحة؟
قد يكون أول ما يتبادر الى الذهن لتفسير انكفاء المنظمات الحقوقية عن مجابهة الشركات الكبرى هو الحيز الضيق الذي تتمتع به الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ضمن أولويات هذه المنظمات والجهات المانحة والتي غالباً ما تبقى في تراجع إزاء الحقوق المدنية والسياسية. وهذا ما نستشفه خاصة في المواضيع الأكثر بروزاً في هذا العام، وهي الانتخابات النيابية والحق بالجنسية أو العنف ضد المرأة أو أيضاً الزواج المدني الخ.. ويتجلى هذا التوجه في الأولويات التي تحددها الجمعيات حتى ضمن مجال عملها. فمثلاً، قلّما تُعنى الجمعيات النسائية بمشاكل المرأة في إطار العمل، سواء لجهة المساواة في الأجور أو لجهة التحرش الجنسي[1].. وفيما يعمل العديد من الجمعيات حالياً على إلغاء نظام الكفالة من منطلق أنه يفسح المجال أمام الاتجار بالبشر، فإن أعمالها تنحصر عموماً في العمالة المنزلية مع تجاهل شبه مطبق لنظام الكفالة الذي تستفيد منه الشركات الكبرى لاستغلال العمالة الوافدة من الخارج، وهي أمور تتماثل من حيث خطورتها في أحيان كثيرة مع ما تلقاه العمالة المنزلية من انتهاكات. هذا فضلاً عن أن هذه المنظمات قلّما تعمد الى فضح مكاتب استقدام العمالة المنزلية بعينها.

لكن التدقيق في أعمال هذه المنظمات، يظهر أسباباً ثلاثة أخرى متداخلة في ما بينها:
منها، المنهجية التي يتبعها عدد كبير منها والتي تقوم بالدرجة الأولى على التوعية على الحقوق والدعوة الى احترامها أكثر مما تقوم على المجابهة في قضايا خاصة. فالإصلاح يتم من خلال تطوير الذهنيات أو تحسين الإطارين التشريعي والتنظيمي أو العمل على صعيد المبادئ والحقوق النظرية من دون التورط في قضايا خاصة أو انتهاكات بعينها، وهي التي تستدعي توسعاً في التحقيق. ويتجلى تجنّب التورط في قضايا خاصة من خلال النقص الفادح في خدمات المساعدة القانونية أو القضائية في لبنان. وفيما بعض هذه المنظمات اعتمد هذه المنهجية لأسباب عملانية، فإن بعضها الآخر جعلها في صلب أيديولوجيته كجمعية اللافساد التي ترى أن العمل على فضح مخالفات لأشخاص معينين قد يعيق عملها الآيل الى إدخال تحسينات بنيوية من شأنها منع الفساد عموماً.

والسبب الثالث للانكفاء، هو التفاوت في القدرات والأسلحة بين المنظمات الحقوقية والشركات الكبرى التي تبقى قادرة على تسخير طاقات هائلة في أي مجابهة حقوقية، تماماً كما حصل مثلاً في قضية سبينس حيث قدمت الشركة عدداً هائلاً من الدعاوى والشكاوى في مواجهة العمال الساعين الى إنشاء النقابة وأيضاً في مواجهة الأشخاص الداعمين لهم. وقد يزداد هذا التفاوت اتساعاً في ظل التحالف الطبيعي بين الشركات الكبرى والعديد من وسائل الإعلام التي تستند اليها المنظمات الحقوقية في معاركها، وذلك بفعل تحكم هذه الشركات بموارد الإعلانات. كما قد يزداد اتساعاً بفعل التداخل بين الشركات والقوى السياسية على نحو قد يؤدي ليس فقط الى تعطيل الرقابة الإدارية الممكنة عليها كما يحصل في دوائر التفتيش في وزارة العمل أو دوائر التفتيش في مديرية حماية المستهلك، بل أيضاً وأحياناً الى تعطيل الرقابة القضائية كما نستشف من تعطيل لجنة (محكمة) حماية المستهلك المنشأة نظرياً بموجب قانون حماية المستهلك منذ 2005. وفي الاتجاه نفسه، نقرأ المرسوم الحكومي الآيل الى وضع أحكام من شأنها السماح للمديرية العامة لحماية المستهلك بشطب جمعيات حماية المستهلكين، وذلك في خطوة من شأنها تعطيل الصلاحيات الواسعة الممنوحة من قبل المشرّع لهذه الجمعيات، ومن أبرزها مداعاة المحترفين (التجار) دفاعاً عن حقوق المستهلكين وبالنيابة عنهم. وقد بادرت جمعية حماية المستهلك الى تقديم طلب لمجلس الوزراء للرجوع عنه احتراماً لاستقلالية هذه الجمعيات ودورها المكرّس تشريعاً[2].

وأخيراً، لا بد من الإشارة الى العوائق والموانع القانونية، وأبرزها وضع الشركات التجارية (مهما كانت ضخمة) ضمن فئة الأشخاص العاديين في قضايا القدح والذم، ما يؤدي الى ثني المنظمات والإعلاميين عن مساءلتها، مهما توافر لديهم من إثباتات على صحة الانتهاكات المرتكبة منها، تحسباً من الملاحقة القانونية. ويختلف وضع الشركات في هذا الإطار عن وضع الأشخاص القائمين بخدمة عامة والذين يبرأ من يذم بهم فور ثبوت صحة الأفعال موضوع الذم سنداً للمادة 387 من قانون العقوبات. وقد جاء التعسف الحاصل على صعيد مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية ليزيد من مخاطر هذه المساءلة وأكلافها[3].

وفي هذا الإطار، سُجلت مبادرتان من شأنهما أن تعكسا هذا الاتجاه: الأولى تمثلت بحكم قضائي صدر عن القاضي المنفرد الجزائي في البترون في 13/3/2013 بتبرئة متظاهرين في منطقة شكا ضد شركة الترابة، احتجاجاً على دخول شاحناتها الى أحيائهم السكنية، بعدما كان أحد الأطفال قد تعرّض للصدم من قبلها. وكان لافتاً إشارة الحكم الى وجوب "التنويه بالمواطنين الذين يطالبون الجهات الرسمية بالقيام بدورها وبتفعيل إجراءاتها وإعمال صلاحياتها حفاظاً على السلامة العامة وعلى البيئة مستخدمين الوسائل القانونية وأصول المواطنة". وبالطبع، بين سطور هذا الحكم، نقرأ نقداً واضحاً للانتقائية في عمل النيابات العامة وتحيّزها للشركات الكبرى. وتشاء الصدف أن تحصل مؤخراً حادثة مشابهة مع القبض على متظاهري مكبّ الناعمة بهدف معاقبتهم لقطعهم الطريق أمام شاحنات سوكلين. أما الحالة الثانية فقد كان للوزير السابق شربل نحاس فضل في تحويلها الى قضية عامة. فتبعاً لادعاء الشركة صاحبة متاجر سبينس ومديرها مايكل رايت عليه بجرم القدح والذم بعد اتهامهما باستعمال أساليب ترهيبية ضد الأجراء، حوّل نحاس دفاعه الى منبر لتأكيد هذه الاتهامات ضد الجهة المدعية، وتالياً لمواصلة حملته في الدفاع عن حق عمال سبينس في إنشاء نقابة. وقد بنى دفاعه على مبدأ أساسي قوامه: "التشهير حق حين يكون واجباً". وحين سأله القاضي في نهاية المرافعة عما يريد، صرّح بأن هدفه هو ليس البراءة وحسب، بل أيضاً الحصول على اجتهاد بتكريس المبدأ المذكور. وينتظر أن يصدر حكم في القضيتين المرفوعتين ضده في 2/3/2014.
 
أربعة أسباب للتحذير إزاء مخاطر هذا الانكفاء:
والواقع أن لتركيز أعمال المنظمات في مجابهة السلطات والإدارات العامة مع تجنب الشركات التجارية محاذير عدة، أهمها الآتية:
- أنه يجعل المنظمات الحقوقية بما تمثله من عمل حقوقي، منقطعة عن فئات اجتماعية واسعة تبعاً لانشغالها عن مصالحها وحاجاتها الأساسية، وتبعياً منقطعة عن النقابات أو التكتلات التي تدافع عن مصالحها، ما يضعف إمكانيات التشبيك والتعاضد لتحقيق غايات إصلاحية معينة. وما يعزز طبعاً هذا الانقطاع، هو ضعف هذه الفئات والتكتلات التي تمثلها، بحيث تكون غالباً عاجزة عن تحويل قضاياها الاقتصادية والاجتماعية كقضايا العمل والتعليم والصحة الى قضايا حقوقية عامة.

- أنه يعكس قراءة غير واقعية للمشاكل المطروحة وللمسؤوليات عن الأعمال المشكو منها، على نحو قد يؤدي الى إفراز حلول غير متناسبة أو خارج الموضوع، كما لو انشغلت منظمة حقوقية في وضع قانون أو تعديله، عن ضمان تفعيل القانون في مواجهة كبار المرتكبين، أو كما لو عمدت الى تسمية بعض الإداريين وفضحهم في وقت يبقى فيه المتحكمون بهم بمنأى عن الأضواء. 
- أنه يتيح للقوى النافذة أن تستخدم قناع الشركات التجارية لانتهاك الحقوق كلما زاد ضغط المنظمات الحقوقية و ضغوط الرأي العام أوأو ضغوط الرأي العام على أجهزة الدولة لثنيها عن ذلك، وبكلمة أخرى الى تأبيد انتهاكات حقوق الإنسان من خلال خصخصتها. ومن الأمثلة على ذلك، أن تتبنى الدولة مواقف أكثر ليبرالية إزاء تأسيس النقابات العمالية، على أن تتولى الشركات مهمة كبحها بما لديها من أدوات ترهيبية ضاغطة. وهذا ما قرأناه خاصة في قضية نقابة عمال سبينس حيث أعطت وزارة العمل الترخيص لإنشاء النقابة في وقت كانت الشركة تستبيح حق العمال بالانتساب الى النقابة ترغيباً وترهيباً من دون حسيب أو رقيب. والأمر نفسه قد يحصل في مجال حرية التعبير، بحيث تتخلى الدولة عن صلاحيات الرقابة تدريجياً في موازاة إنشاء شركات ضخمة للإنتاج الفني والفكري، تتولى هي ضبط هذه الحريات بتنسيق مستتر مع أجهزة الدولة. وخير شاهد على ذلك هو دور وكالات الإعلان الضخمة في توجيه الوسائل الإعلامية التي تقوم بدورها في توجيه العاملين لديها. بل إن الأمور قد تأخذ أبعاداً أكثر خطورة من خلال تخصيص العمل المخابراتي من خلال استخدام شركات المعلوماتية في حفظ المعلومات والبيانات الشخصية لحساب أجهزة المخابرات، أو أيضاً من خلال تخصيص الأمن الذي يصبح في عهدة شركات خاصة،
- وأخيراً، وهذا هو الأمر الأخطر، من شأن حصر المساءلة والمحاسبة العامة بالقيمين على خدمة عامة من دون شركائهم من أصحاب الرساميل، المتورطين معهم في قضايا الفساد، أن يؤدي عملياً الى إرساء محاسبة مجتزأة ذات درجة عالية من الخطورة. وهذا ما يحصل خاصة في حال اتخذت المحاسبة طابعاً سياسياً أو إدارياً، من دون أن تترافق مع ملاحقة جزائية، أو في حال غضّت النيابة العامة الطرف عن الأشخاص المسؤولين جزائياً الأكثر نفوذاً. ففي هذه الحالة، من الطبيعي أن يصبح كبار النافذين أكثر نفوذاً، ليس فقط لتحصينهم ضد الملاحقة بل أيضاً لامتلاكهم وسائل تسمح لهم بالتحكم بالأشخاص الذين سبق لهم التورط معهم تحت طائلة الملاحقة. وحصر المحاسبة على هذا النحو إنما يؤدي عملياً الى رسم علاقة بين كبار النافذين اقتصادياً والإداريين شبيهة بعلاقة الزبون بالتي تمارس الدعارة وتتحمل وحدها عبء المساءلة والملاحقة والمعاقبة حسب قانون العقوبات. ولعل الشاهد الأكثر دلالة على ذلك، هو القرار التأديبي بإنهاء خدمة أحد كبار القضاة في 2012 بحجة تورطه في أعمال مشبوهة في ملف قضائي يخص إحدى الشركات الكبرى. بالمقابل، لا تزال حتى الآن كل الدعوات الى محاسبة الشركة المذكورة، وهي المعروفة في تدخلاتها الكثيرة في القضاء، غير مسموعة.  
 
  نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية

  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا


[1]وضعت نسوية مشروع قانون لمعاقبة التحرش الجنسي، الا أن هذا المشروع لم يحظ بأي متابعة من الحركة النسائية، وذلك بخلاف مشروع مكافحة العنف الأسري ضد المرأة.
[2]المؤتمر الصحافي الذي عقدته جمعية حماية المستهلك والمفكرة القانونية في 21/11/2013 في مسرح دوار الشمس. 
[3]غيدة فرنجية، مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية: رقابة غير منظمة على المساحات الإلكترونية، المفكرة القانونية، العدد 12، تشرين الثاني/نوفمبر.