ما هي الأسس القانونية التي بوسع الأشخاص التسلح بها لمحاسبة الشركات الخاصةالتي تنتهك حقوقهم؟ ويزداد هذا التساؤل إلحاحاً في ظل جمود تشريعي شبه تام في الدولة اللبنانية لناحية تطوير التشريع تنفيذاً لما هو منصوص عليه في عدد من المعاهدات الدولية المصدقة من لبنان. ولا بد في هذا الإطار من إلقاء الضوء – ولو موجزاً – على نظرية الـDrittwirkungالألمانية التي قد تشكل مدخلاً لمساءلة الشركات الخاصة عن انتهاكها للحقوق الأساسية المحمية في المعاهدات الدولية.
 
فمن المعلوم أن المعاهدات الدولية مصوغة بهدف حماية الإنسان ضد أي تدخل من سلطات الدولة في ممارسته للحقوق التي تكفلها، وهي بالتالي لا تتمتع إلا بمفعول عمودي، إذ ان موجب احترام وتأمين ممارسة هذه الحقوق يقع على عاتق الدولة، لا غير. بالمقابل، فإن غياب مفعول مباشر لهذه الحماية في علاقات أشخاص القانون الخاص إنما أوجد فراغاً قانونياً لضبط هذه العلاقات، لا سيما في ظل تطور عمل الشركات الخاصة ومعها الانتهاكات المتعلقة بالحقوق الأساسية في الاقتصادات الحديثة وانعكاساته على الساحة الاجتماعية دون أي محاسبة أو ردع. وبالطبع فإن تقاعس الدولة عن تطوير تشريعها تطبيقاً لما نصت عليه المعاهدات الدولية بهدف كفالة ممارسة هذه الحقوق، يشكل مدعاة لإيجاد وسائل قانونية لملء هذا الفراغ. ففي قراءة للقانون المقارن، يُسجل أن القاضي الألماني لم ينتظر تدخل المشترع لإعطاء مفعول مباشر لحماية الحقوق الأساسية في علاقة أشخاص القانون الخاص في ما بينهم، إذ عمدت المحكمة الفيديرالية الألمانية في خمسينيات القرن الماضي الى اعتبار أن هذه الحقوق لا تحمي الفرد من تدخلات سلطات الدولة وحسب، بل يجب احترامها من قبل كل الأشخاص، مكرسة إذ ذاك مفعولاً أفقياً مباشراً لحماية الحقوق والحريات الأساسية تجاه الغير[1](أو ما هو معروف بنظرية الـDrittwirkung). وهي بمعنى آخر، أفسحت المجال أمام الأفراد للتذرع بهذه الحقوق لمحاسبة الشركات الخاصة على أساسها أمام القضاء. ولهذه الغاية، يجب توافر شرطين أساسيين: أولاً، أن يكون للحقوق الأساسية المحمية أثر فوريّ[2]؛ وثانياً أن تكون الدولة قد تقاعست عن تطوير تشريعها لهذه الناحية.
 
وفي لبنان، طبق القاضي اللبناني هذه النظرية ضمناً في حالات عدة لمحاسبة شركات خاصة انتهكت حقوق بعض الأفراد الأساسية، نذكر منها اثنتين:

- الحالة الأولى تتعلق بمصرف Credit Cards Services co.، تملك في أحد المباني السكنية في بيروت عدداً من الشقق، واضعاً كاميرات مراقبة فوق مدخل البناية تظهر حركة الدخول والخروج. فتقدم أحد سكان البناية باستدعاء أمام قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، طالباً إزالة الكاميرات متذرعاً بالمادتين 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و17 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ومبدأ احترام الخصوصية. وقد قضى القاضي بإزالة هذه الكاميرات معتبراً أنها تشكل انتقاصاً من خصوصية السكان وحقوقهم[3]، كما ذهبت محكمة الاستئناف الى تصديق قراره، معتبرة أنه "من المعلوم أن الدستور اللبناني قد نص على مبدأ حماية الحرية الفردية للشخص مع ما ينتج من هذه الحرية من حق الفرد في الدخول الى منزله والخروج منه واستقبال من يراه من أشخاص دون إجراء أي رقابة عليه من الغير، وأن هذا الحق هو من الحقوق الأساسية اللصيقة بشخص الإنسان والتي لا يجوز المساس بها"[4].

- الحالة الثانية، والتي سبق للمفكرة القانونية أن ألقت الضوء عليها[5]، تتعلق بشركة طيران الشرق الأوسط (MEA) التي منعت الطيارين العاملين لديها من الدخول الى مقر نقابتهم الكائن في مبنى الشركة، وذلك على خلفية الإضراب الذي قررته نقابة الطيارين التي ينتسبون اليها. وتبعاً لتقدّم هؤلاء باستدعاء، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في بعبدا، قراراً بالترخيص لهم بالدخول الى مقر نقابتهم على أساس أن مسعاهم يهدف الى ممارسة حريتهم النقابية "امتداداً لحقهم في التجمع وفاقاً لأحكام الدستور والاتفاقيات الدولية وقانون العمل اللبناني"، معتبراً أن "الحرية النقابية وثيقة الصلة بالحق في العمل ولا وجه للافتئات عليها تحت أية حجة كانت إلا ما نص عليه القانون حصراً وفي حدوده"[6].
 
نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]M. Decker, Aspect internes et internationaux de la protection de la vie privée en droit français, allemand et anglais, Thèse, 2000, Paris II.
[2]حددت لجان الأمم المتحدة (مثل اللجنة المعنية بحقوق الانسان أو لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) في عدد من تعليقاتها العامة، ما هي الموجبات المنصوص عليها في المعاهدات الدولية والتي تتمتع بأثر فوري، مثل الحق في الانضمام الى نقابة والاضراب الخ.
[3]قرار قاضي الأمور المستعجلة في بيروت (الرئيسة زلفا الحسن)، الصادر بتاريخ 6/4/2006.
[4]قرار محكمة الاستئناف في بيروت، الغرفة الثالثة (مؤلفة من الرئيس مروان كركبي والمستشارتين نبيله زين وماري أبو مراد)، الصادر بتاريخ 13/7/2006.
[5]يراجع كريم نمور، "حكم قضائي يكرس حق اعضاء النقابة في التجمع داخل مقرها"، منشور في العدد الثالث من مجلة المفكرة القانونية وعلى موقعها الالكتروني.
[6]قرار قاضي الأمور المستعجلة في بعبدا (القاضي حسن حمدان)، الصادر بتاريخ 2/12/2011.