أجرت المقابلة بيرلا شويري

تبعًا للموجز الذي نشره مركز موارد حقوق الإنسان والأعمال التجارية في الشرق الأوسط والخليج، التقت المفكرة مع السيدة رانيا فزع، باحثة وممثلة مركز موارد حقوق الإنسان والأعمال التجارية في الشرق الأوسط والخليج، وطرحت عليها أسئلة حول الخلفية الفكرية في تحديد أهداف المركز ووسائل عمله ومدى ملاءمتها مع أوضاع دول الشرق الأوسط والخليج. كما سألناها عن علاقتها مع المنظمات الحقوقية في المنطقة ومدى تجاوب هذه المنظمات مع طروحات المركز. فكان هذا الحديث.  
 
المفكرة: ما هي الخلفية الفكرية أو الحقوقية التي انبنى عليها مركز موارد حقوق الإنسان والأعمال التجارية؟
فزع: كريس أيفري، صاحب المبادرة في إنشاء المركز، ناشط حقوقي شغل مناصب في منظمة العفو الدولية. وقد أسسه مع آخرين في 2003. وأبرز المبررات التي دفعته الى تأسيسه، الآتية:

- أن عدداً هائلاً من الانتهاكات تُرتكب حالياً وبتزايد من الشركات المتعددة الجنسيات. ففي البلدان الأوروبية والولايات المتحدة، ثمة ضوابط معينة تضمن  نسبياً مراقبة الشركات من خلال القضاء والرقابة الإدارية، وأيضاً بفعل تكتل الأجراء فيها في نقابات تدافع عن مصالحهم. ويختلف الأمر تماماً بالنسبة الى الشركات التي تعمل في الدول التي تقل فيها الضمانات القانونية الى حد التلاشي أحياناً، كما هي الحال في لبنانوالعديد من الدول العربية.  
- أن مجمل منظومة حقوق الإنسان على الصعيدين الحقوقي والتنظيمي بُنيت على أساس أن الدولة هي المسؤولة المباشرة عن احترام حقوق الإنسان وحمايتها، ما يولّد حاجة كبيرة الى مزيد من الاهتمام بمراقبة الشركات.
- أن مراقبة ما يحصل داخل الشركات "الخاصة" أو بفعلها هو بالطبع أصعب من مراقبة الدولة والمؤسسات العامة، ما يتطلّب تطوير آليات معينة. وفي هذا المجال، يعتمد المركز اعتماداً خاصاً آلية التشبيك وتبادل المعلومات مع النقابات العمالية ومنظمات غير حكومية وناشطين والمؤسسات الفاعلة داخل مختلف الدول، فضلاً عن رصد ما تتداوله الوسائل الإعلامية بهذا الشأن. وغالباً ما تسمي المواجز التي تنشرها الشركات المتهمة أو المشتبه بها بانتهاك حقوق الإنسان، ما قد يؤدي الى الإضرار بسمعتها، وفق أسلوب Naming and shaming(نسمي ونفضح). وهنا، وبسبب صعوبة توثيق المعلومات أو التدقيق في مدى صحتها، يقوم المركز بتجميع الانتقادات والاتهامات الموجهة الى هذه الشركات، ونشرها بعد الطلب من الشركات المعنية الرد والتعليق عليها.  وبكلمة أخرى، ينشر المركز كل المعلومات التي ترده من دون أن يتبناها. لكنه يُفهِم من خلال أسئلته الشركةَ المعنية أن المسألة المطروحة على الصعيد الوطني ستُطرح على الصعيد الدولي. وبالطبع، كثير من الشركات تخاف على سمعتها أو من إمكانية تطور المواقف حيال هذه الانتهاكات مع توسيع دائرة التداول فيها.
ويعمل المركز من خلال 12 باحثاً إقليمياً مقسمين لغوياً ومناطقياً، وهو يعاني طبعاً من نقص الموارد.
 
المفكرة: ما هي الوثائق القانونية التي تستندون اليها لتعريف انتهاك حقوق الإنسان؟
فزع: يرتكز المركز على المواثيق الدولية المتصلة بحقوق الإنسان، ومنها اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأةواتفاقية العمال المهاجرين واتفاقية حقوق المعوقين. كما يستند الى الاتفاقيات والتوجيهات الصادرة عن منظمة العمل الدولية. وقد أولت الأمم المتحدة اهتماماً كبيراً لمقاربتنا في 2005، فقررت درس تأثير الشركات الخاصة على حقوق الإنسان. وفي هذا الإطار، تم تكليف جون روغي  John Ruggie، أستاذ حقوق الإنسان في جامعة هارفرد، بتحديد أبرز الحقوق التي تنتهكها هذه الشركات، وصياغة مقترحات حول المقاربة الأكثر ملاءمة في هذا الإطار. وقد صدر تبعاً لهذه الدراسة ما يُسمى بالمبادئ التوجيهية حول الأعمال التجارية وحقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة عام 2011 والمنشورة على الموقع www.business-humanrights.orgوهي الوثيقة الأولى الصادرة عن الأمم المتحدة في هذا المجال. وهذه المبادئ لا تركز فقط على الشركات بل أيضاً على الحكومات وفق معادلة "الحماية والاحترام والانتصاف" RESPECT, PROTECT, REMEDY. أي وجوب احترام حقوق الإنسان من قبل الشركات، وحماية حقوق الإنسان من قبل السلطات العامة من خلال وضع قوانين ضامنة للحقوق، والحق بالانتصاف.

وقد لا تكون المبادئ التوجيهية كافية، على أساس أنها غير ملزمة قانونياً. وهذا ما ذهبت اليه انتقادات منظمة هيومان رايتس واتش. إلا أنها تشكل بداية لشيء ما، على الصعيد العالمي، وهذا أمر مفيد ومهم جداً بتقديرنا.
وأخيراً، يهمني أن أوضح أننا نميز دوماً في القضايا العمالية، بين ما هو قضية متصلة بانتهاك لأحد حقوق الإنسان وقضية مطلبية كالمطالبة بتحسين أحد شروط العمل بمعزل عن أي انتهاك. ومن هذه الزاوية، تشمل أعمالنا مطالبة العمال بتسديد زيادات أجورهم إذا كانت هذه الزيادة مستحقة قانوناً أو واجبة عملاً بالمعايير الدولية في تحديد الحد الأدنى للأجور.
 
 المفكرة: حين تقولين شركات، هل تقصدين الشركات المتعددة الجنسيات فقط؟
فزع: لا، إطلاقاً. نتعامل مع كل الشركات، إلا أن الإعلام والناشطين يركزون العمل على الشركات المتعددة الجنسيات. ففي الموجز عن المنطقة، تعاملنا مع شركات محدودة في انتشارها كما هي حال mtvمثلا أو Spinneys. وفي مصر، عملنا مع "حلوان فرتليزر" وهو مصنع أسمدة وطني في منطقة حلوان يسبب تلوثاً بيئياً كبيراً ومع "سويس ستيل"، وهو مصنع صلب وحديد في منطقة سويس. وتناولنا في تونس مصنع "بيسكويت"، وفي الأردن، مصنعاً للألبسة.

المفكرة: هل تركزون اهتمامكم على رصد الانتهاكات في مجال حقوق العاملين في الشركات؟
فزع: العمل يأخذ حيزاً كبيراً من عملنا، لكنه يتسع لقضايا كثيرة أخرى أيضاً، تتصل بعلاقة الشركات مع زبائنها أو بحماية البيئة. وأحياناً، نتناول ما تسميه المبادئ التوجيهية تواطؤاً بين الشركات والسلطات الحاكمة، قوامه تحول الشركات الى أدوات للسلطات في تحقيق سياسات منتهكة لحقوق الإنسان. وأشكال هذا التواطؤ متعددة في المنطقة، بفعل التزاوج الكبير بين السلطات الحاكمة والقطاع الخاص. 
ففي الأردن مثلاً، انتقدنا شركة أورنج التي قررت الالتزام بقرار الحكومة الأردنية بحجب المواقع الإلكترونية المتعلقة بالأخبار، تبعاً لصدور توجيهات من الحكومة بذلك. كما ننتقد منهجياً قيام شركات بتسليم المعطيات الخاصة لزبائنها للسلطات، فإعطاء الداتا يتطلب وجود حكم قضائي لإعطاء الداتا حفظاً للخصوصية. كما انتقدنا تصدير التكنولوجيا المنتجة من شركة أميركية "بلو كوت" الى الحكومة السورية لاستخدامها في التجسس على نشاطات المواطنين والناشطين على شبكة الإنترنت.

كما تناولنا شركة آرمكو السعودية التي صرفت 7 من أجرائها لمشاركتهم في تظاهرة ضد الحكومة السعودية. 
كما تناولنا أعمال الشركات الأمنية، وبعضها يملك أسلحة أكثر تطوراً من الأسلحة المملوكة من الدولة، ويتدخل تدخلاً هائلاً بخصوصيات المواطنين من دون أي تنظيم قانوني لها.

وفي البحرين، قمنا بحملة ضد تنظيم سباق الفرمولا وإن على خلفية أن هدف السباق الترويج للبحرين سياحياً ورياضياً، والتغطية على الانتهاكات الجسيمة التي تُرتكب هنالك.
 
المفكرة: تقولون: تواطؤ، ولكن ألا تكون الشركات في بعض الحالات أمام قوة قاهرة، بحيث يتعين عليها الالتزام بمطالب السلطات الحكومية تحت طائلة فقدان إمكانية العمل في الدولة المذكورة؟  
فزع: برأينا، التسليم بوجود قوة قاهرة ليس في محله، وهو بأية حال متسرع ولا سيما في الحالات التي تلتزم فيها الشركات الخاصة بما يُطلب منها، رغم بداهة مخالفته لحقوق الإنسان، من دون أي اعتراض من أي نوع كان.  فبإمكانها غالباً أن تطعن بقرارات السلطات التعسفية أمام المحاكم، ولكنها تثبت تواطؤها من خلال امتناعها عن ذلك. فإذا فعلت وصدرت أحكام قضائية تلزمها بتسليم الداتا، إذ ذاك يمكن التفكير باستبعاد نظرية التواطؤ.
 
المفكرة: تحدثنا عن حالات كثيرة من الانتهاكات بارتكاب فعل معين، هل ترصدون الانتهاكات من خلال امتناع الشركات عن أفعال معينة؟
فزع: نعم، ومثالاً على ذلك، نراقب مؤخراً في السعودية كيفية تطبيق قانون صدر منذ أشهر في السعودية، ويتصل بتشجيع توظيف المرأة في هذا البلد، في محال بيع ألبسة داخلية ومواد التجميل. ففي العديد من الأسواق التجارية، لم يُحترم هذا القانون، فقمنا بتغطية هذه المسألة.
كما يهمني التذكير بأننا نقوم برصد التصرفات الإيجابية للشركات التي من شأنها تعزيز حق من حقوق الإنسان.

المفكرة: ولكن، ما الهدف من وراء رصد الأعمال الإيجابية؟ وألا تخشون أن تستخدم الشركات المعنية هذا "المدح" كأداة ترويجية لها من شأنها أحياناً التغطية على كثير من الانتهاكات؟
فزع: الهدف هو تأمين تغطية موضوعية في هذا الشأن. وليس من شأن هذا الأمر أن يغطي أي انتهاك، إذ أن تغطية موقف إيجابي معين لشركة ما لا يمنع المركز من نشر الاتهامات الموجهة للشركة نفسها.
وهنا، يهمني توضيح اختلاف المقاربة التي نعتمدها تماماً عن برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات
CSR, corporate social responsibility.
 
المفكرة: وهل تقتصر أعمالكم على رصد الانتهاكات، أم أنها تشمل أيضاً الثغرات التشريعية التي من شأنها أن تسمح بحصول انتهاكات؟
بالطبع، وهذا ما دفعنا الى إبراز الفيلم المصور لجمعية نسوية بشأن التحرش الجنسي في أماكن العمل، وذلك في سياق الإضاءة على مبادرة الجمعية للعمل على مشروع قانون لتجريم هذا النوع من التحرش.
ولكن مجدداً، نحن نرصد ما يحصل، ما هو موجود، أي ما يقدم من اقتراحات لسد الثغرات التشريعية، ولكن لا نقوم نحن بصياغة مشاريع قوانين أو ما شابه.
 
المفكرة: قد يؤدي فرض احترام حقوق الإنسان، وخصوصاً الحقوق العمالية، الى زيادة الكلفة الاقتصادية على الشركات، فألا توجه اليكم اتهامات بـ"تهشيل" المستثمرين عن الدول النامية أو الأقل نمواً، ومنها طبعاً الدول العربية؟
فزع: بالطبع. ولكن، جوابنا على ذلك يتمحور حول الجدوى التجارية الاقتصادية لاحترام حقوق الإنسان. فعدا أن سوء معاملة العمال غالباً ما يؤدي الى مضاعفة المشاكل داخل الشركة، فإن التشهير بها يؤدي الى المسّ بسمعتها فيقلل من حظوظها في الربح.
 
المفكرة: تكلمت عن قضايا القدح والذم، هل رُفعت عليكم دعوى؟
فزع: ليس في المنطقة، وذلك حصل مرة واحدة ورد القاضي الدعوى لأن المركز لم يبين نتائج تحقيق خاص قام به، بل نقلنا الادعاء الموجه ضد الشركة من الوسائل الإعلامية من دون أن نتبناه. كما سمحنا للشركة بالتعليق على هذا الادعاء وتبيان موقفها منه.

المفكرة: بهذا المعنى، المركز ينتهج NAMINGمن دون SHAMING؟
فزع: ليس تماماً. فمجرد نشر الادعاءات الموجهة ضد الشركات على الموقع الإلكتروني للمركز ومواجزه واستيضاحها بهذا الخصوص يشكل علامة استفهام كبيرة على أدائها. هذا فضلاً عن أن من شأن ذلك أن يلفت أنظار الوسائل الإعلامية الدولية الى هذه الانتهاكات، ما يعد بمزيد من الاستقصاء عنها.
 
المفكرة: هل لحظتم خصوصية في العمل في المنطقة العربية؟
فزع: العمل في الشرق الأوسط بدأ في 2013، ولاحظنا أن عدداً كبيراً من المنظمات العربية لا يعلم بعلاقة الشركات بحقوق الإنسان، فضلاً عن كونها مرهقة بالكمّ الهائل من الانتهاكات الصادرة عن السلطات العامة. والواقع أن المنطقة تتميز بالدمج أو "الزواج" المتجذر بين رأس المال والسلطة السياسية. وهذا يؤدي إلى الخلط بين ما هو للدولة وما هو للقطاع الخاص، فضلاً عن أنه يعزز إمكانيات التواطؤ الذي تحدثنا عن بعض حالاته.  
 
المفكرة: هل تتعاملون مع منظمات حقوقية في المنطقة؟  
فزع: نحن مهتمون بأن نبني علاقات مع المنظمات غير الحكومية والمحامين، والإعلاميين. نعمل معهم على القضايا التي تهمهم ونوسّع دائرة الاهتمام بشأنها. ونحاول دفع الجمعيات العربية للمشاركة في منتديات حول العلاقة بين حقوق الإنسان والقطاع الخاص. العام الماضي في منتدى نظمته الأمم المتحدة بهذا الشأن، كان هنالك جمعيتان أو ثلاث جمعيات فقط من العالم العربي، من أصل حوالي 3000 جمعية حول العالم. في لبنان، تعاونّا مع جمعية نسوية بشأن التحرش الجنسي. في الخليج، نسعى الى توطيد علاقاتنا مع الجامعات. 

نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية