في إطار هذا العدد المخصص لانتهاكات الشركات التجارية لحقوق الإنسان، اتصلت المفكرة بعدد من الجمعيات الحقوقية للاستفهام حول مدى انخراطها في رصد انتهاكات مماثلة. الأسئلة التي طرحناها هي الآتية: هل سبق وانتقدتم شركات خاصة لانتهاكها أياً من الحقوق التي تدافعون عنها خلال السنتين الأخيرتين؟ وفي حال الإيجاب، ما هي القضايا التي تناولتموها وبأية وسائل؟ وفي حال النفي، الاستفهام عن أسباب ذلك وعن مدى استعداد هذه الجمعيات لرصد انتهاكات مماثلة مستقبلاً. وقد شمل البحث عشر جمعيات تم اختيارها من ضمن الجمعيات الأكثر نشاطاً وحضوراً في الساحة العامة، مع مراعاة الاختلاف في منطلقاتها وميادين عملها. وفيما الإحاطة بأدوار الجمعيات في هذا الإطار تتطلب بالضرورة أبحاثاً أكثر تعمقاً، فإننا ننشر هذه النتائج الأولية بهدف توسيع دائرة النقاش في هذا الشأن (المحرر). 

انقسمت الجمعيات التي توجهنا اليها في ردودها على الأسئلة المتصلة بانتهاك الشركات التجارية لحقوق الإنسان. ففيما استغرب البعض منها مجرد طرح السؤال، ذهب بعضها الآخر الى حد القول إنها وُجدت أصلاً لرصد هذه الانتهاكات. وباستثناء جمعية واحدة، أبدت معظم الجمعيات، بما فيها الجمعيات الأقل نشاطاً في هذا المجال، استعدادها لمراقبة الانتهاكات الشركات التجارية أو لتوسيع دائرة نشاطها ليشمل هذا النوع من الانتهاكات. وقبل المضي في ذلك، يقتضي القول إن العيّنة التي شملتها الأسئلة ضمّت جمعيات تم اختيارها من ضمن الجمعيات الأكثر حضوراً في العمل العام وأنها لا تمثل تالياً بالضرورة الحالة العامة للنشاط الجمعوي في لبنان.

جمعيات تنشد الإصلاح داخل الدولة، والشركات خارج دائرة الاهتمام:
أربع من الجمعيات موضوع الأسئلة نفت أن تكون قد تعرضت للشركات التجارية في أي من أعمالها في السنتين الأخيرتين، معتبرة أن "الكلام عن الشركات الخاصة هو مسألة مرتبطة بأغراض تجارية ولا علاقة لها بحقوق الإنسان". وأكثر المواقف وضوحاً في هذا الاتجاه، جاء على لسان ممثل إحداها، بحيث أكد صراحة ومباشرة أن "هذا الموضوع لا يدخل ضمن اهتمامات الجمعية، وحتى إذا حصل انتهاك من هذا النوع لا تتم ملاحقته من قبلها"، مبرراً ذلك "بحداثة هذا المجال وغياب الخبرة فيه، وبعده عن أولويات الجمعية التي تكمن بانتزاع الحقوق والحريات من الدولة". بالمقابل، فإن الجمعيات الأخرى التي لم تتعرض للشركات بعد، عادت وسلّمت بأن انتهاك الحقوق التي تدافع عنها يتم أحياناً من قبل هذه الشركات، مبدية استعدادها لمواجهة المسؤولين عنها بشأن انتهاكات مستقبلية عند الاقتضاء. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أعلنت إحدى الجمعيات الناشطة في مجال العمالة المنزلية، استعدادها لمواجهة الانتهاكات التي يرتكبها عدد كبير من مكاتب استقدام العاملات بحق هؤلاء والتي يصل بعضها الى حد الاتجار بالبشر[1].

أهم المواجهات الحقوقية ضد الشركات التجارية:
في المقابل، وكما سبق بيانه، اعتبرت جمعيات أخرى أنها "وُجدت لمواجهة انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من قبل الشركات الخاصة".
وقد بدت هيئة حماية البيئة في شكا الأكثر حمأة في هذا الإطار. فالأضرار التي تسببها المصانع العاملة في المنطقة تمثلت في الإخلال بالشروط البيئية في المدينة، على نحو يشكل تهديداً متمادياً ومباشراً لحياة المواطنين. ومن الشركات التي شملتها أعمال هذه الهيئة، شركة لصناعة الأميانت تبعث موادَّ سرطانية وشركة للإسمنت تنتقص في مصنعها شروط السلامة العامة على نحو يهدد صحة العاملين فيها، ويتم استخدام أفران فيها لحرق أدوية ولحوم ونفايات، فضلاً عن شركة الترابة الوطنية التي تعمل على حرق نفايات البترول.

وبخصوص حماية الأملاك العامة، برزت تحركات "مشاع" ضد مشاريع ردم مساحات من البحر في مناطق عدة (الذوق، بيروت وطرابلس) لإقامة مشاريع تجارية أو سياحية أو فنادق. كما تناولت "مشاع" مشروع الدالية حيث رأت أن بعض الشركات العقارية المملوكة من عائلة سياسية حوّلت الملك العام حقاً مكتسباً، ما ألغى مشروع إقامة ميناء للصيادين[2].

أما جمعية حماية المستهلك في لبنان، فقد أشارت الى تقدمها بطلب لوقف إعلانات تلفزيونية صادرة عن شركة إعلانات معينة تدّعي تمثيل المستهلك من خلال إجراء "انتخاب منتج العام"، كما طلبت من إحدى شركات السيارات استرداد سيارات يشوبها عيب في التصنيع على غرار ما حصل في دول عدة في أوروبا وأميركا. وقد أكدت الهيئة المدنية لتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة انتقاد بعض المولات والمطاعم لتقاعسها في تطبيق قانون منع التدخين.وفيما تحدثت جمعية اليازا عن رصدها لمخالفات سير عدة ضدسائقي سيارات الأجرة وسائقي الشاحنات والدراجات النارية التابعة لشركات تجارية، فإنها لم تسمِّ أي شركة بالذات، بحجة أنها نجحت في تسوية الأمر معها.

من جهته، سلّط المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين الضوء على انتهاكات ضد حقوق العمال في العديد من الشركات الخاصة، مثل شركات المقاولات والفنادق والمعامل حيث يعاني عمال البناء من الحرمان من حقهم في الضمان الاجتماعي والمنح المدرسية. كما أشار خاصة الى قضية نقابة عمال سبينس والى الانتهاكات التي يعاني منها المعلمون في المدارس الخاصة على صعيد حقوقهم العمالية من تعويضات وصرف تعسفي وغيرها.
 
في اختلاف وسائل العمل: رصد، تسويات، إعلام وقليل من التحركات الشعبية والقضاء:
هنا، نتبيّن أن الجمعيات لجأت الى العديد من الوسائل في تعاملها مع انتهاكات الشركات. وقبل تفصيل هذه الوسائل، لا بد من القول إن أربعاً منها اعتمدت في رصدها للانتهاكات على آليات لتلقي الشكاوى المقدمةمن الأشخاص المعنيين. ويتم الرصد من خلال البريد الإلكتروني الخاص بالجمعية أو من خلال التواصل مع مندوبي الجمعية المنتشرين في مختلف المناطق كما هي الحال بالنسبة للمرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين على سبيل المثال، أو عبر التواصل مباشرة مع الجمعية عبر الهاتف. وقد زاوجت في عدد من هذه الحالات بين تلقي الشكاوى وإعطاء الإرشادات تمكيناً للمشتكي من المطالبة بحقه مباشرة.

أما على صعيد العمل المباشر لهذه الجمعيات، فقد سجلنا الوسائل الآتية:
أولاً، لجأ عدد من الجمعيات الى استخدام نفوذه وحضوره لإجراء تسويات، يقوم معظمها على لفت نظر هذه الشركات الى المخالفات المرتكبة منها أو من العاملين تحت اسمها. وقد تميّزت جمعية اليازا باعتماد هذه الوسيلة للتوجه مباشرة الى الشركات بهدف معالجة تهوّر سائقي الشركات التجارية في القيادة. كذلك اعتمدت هذه الوسيلة كل من: جمعية حماية المستهلك من خلال التواصل مع الشركات المشكو منها، والهيئة الوطنية لتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة للفت نظر المطاعم ومراكز التسوق الى خرق قانون منع التدخين. كذلك ذكر مرصد حقوق العمال حالتين توجه فيهما الى الشركات مباشرة لحل نزاعات بين الإدارة والعاملين لديها، منوهاً الى أن هذه التسوية غالباً ما تتم من خلال توعية العمال على حقوقهم وتمكينهم للمطالبة بها في تفاوضهم مع الشركة. وقد توافق كل من محمد زبيب (مشاع) وبيار أبي شاهين (رئيس هيئة حماية البيئة في شكا) على أن الشركات تنقسم في هذا الإطار الى قسمين: فمنها التي تخاف على صورتها تجاه الرأي العام وبالتالي تتجاوب مع المطالب بمعالجة الانتهاكات، والثانية تعتمد سياسة اللامبالاة لارتباطها بعلاقة وثيقة مع قوى سياسية، الأمر الذي يعطيها نوعاً من الحصانة.

ومن الوسائل التي اعتمدتها هذه الجمعيات  أيضاً اعتماداً واسعاً هي اللجوء الى المقالات والتحقيقات الإعلامية التي ألقت الضوء على الانتهاكات في الشركات الخاصة: ومن أهم ما سجلناه في هذا الخصوص، مقالات وتصريحات مدير هيئة حماية البيئة في شكا ("شكا إن حكت"، "بيار أبي شاهين: وزارة البيئة تتستر على أسباب التلوث في شكا"[3]), ومقالات حول التعديات على الأملاك العامة ("زيتونة باي، التمساح يبحث عن ممر"[4]، "بحر طرابلس لا يزال في خطر"[5]) ومقالات حول انتهاكات حقوق العمال ("[6]ثلثا العاملين في قطاع السياحة يتقاضون أقل من 800 الف ليرة").

بالمقابل، بدت الجمعيات أقل نشاطاً لتقديم شكاوى رسمية، مع تسجيل حالات أكثر عدداً في اللجوء الى الإدارات العامة المختصة منه الى القضاء. وعلى هذا الصعيد، نذكر لجوء جمعية حماية المستهلك الى وزارة الاقتصاد والتجارة في موضوعي سحب السيارات التي يشوبها عيب في التصنيع وشركة الإعلانات التي تدّعي انتخاب منتج العام، ولجوء الهيئة المدنية لتطبيق قانون منع التدخين الى وزارتي الصحة والسياحة لتفعيل الرقابة على المطاعم ومراكز التسوق في تطبيق قانون منع التدخين. إلا أن الجمعيتين أكدتا عدم جدوى الذهاب أمام الوزارات لتقاعسها عن القيام بأي إجراء فاعل على الأرض لمعالجة الانتهاكات. بالمقابل، لم نسجل خلال هذا التحقيق سوى حالة واحدة توجهت فيها إحدى هذه الجمعيات الى القضاء، بحيث إن مشتركة في برنامج الزعيم تقدمت بإخبار الى جانب النيابة العامة في قضية "كامبانسكي" وردم البحر بدعم وتوجيه من حملة مشاع. وبأية حال، "بقي هذا الإخبار نائماً في أدراج النيابة" وفق ما أفادنا به المتحدث باسم مشاع محمد زبيب. ويؤكد هذا الأخير أن "هناك عدم ثقة بقدرة القضاء على مواجهة هذه الشركات النافذة وأن الذهاب أمامه يهدف الى الاستثمار الإعلامي للفت الأنظار حول حجم الانتهاك الحاصل". وقد بررت الجمعيات الأخرى عدم توجهها الى القضاء بضعف التمويل أو بعدم توافر الصفة القانونية لها. وتلتقي هذه النتيجة مع ما توصلت اليه المفكرة القانونية في تقريرها حول المحامين المناصرين للقضايا الاجتماعية في لبنان والتي لم تظهر تقاضياً استراتيجياً في السنوات الأخيرة ضد شركة تجارية على خلفية انتهاكات حقوق إنسان إلا في دعوى واحدة وهي دعوى "سبينس"[7].

وقد ذهبت بعض الجمعيات أحياناً الى إحاطة اعتراضاتها بطابع شعبي، وصل الى حد التظاهر أو أيضاً الى إنشاء تكتلات مواطنية. ولعل أبرز هذه التحركات، التظاهرة التي نظمها تكتل من المنظمات المدنية في إطار حملة مدنية لمنع ردم بحر طرابلس، وقد ساعدت في عرقلة إقرار هذا المشروع في المجلس البلدي بشكل أوبآخر. كما أشارت "مشاع" الى تنظيم عريضة في ما يتعلق بقضية الدالية لتقديمها الى اليونسكو بهدف إدراج منطقة الدالية كإرث عالمي حماية لهذه المنطقة من المشاريع العقارية التي تخطط لها[8]. كذلك لا بد من الإشارة الى تظاهرة نظمها مواطنون في أيلول 2012 للمطالبة بمنع دخول شاحنات شركة الترابة في شكا الى حيّهم السكني، بعدما كان أحد الأطفال قد تعرّض للصدم من قبل هذه الشاحنات، وقد انتهت التظاهرة بادعاء النيابة العامة على 4 مشاركين فيها بتهمة قطع الطريق العام. وبتاريخ 13-3-2013، أصدر القاضي المنفرد الجزائي في البترون منير سليمان حكماً بإبطال التعقبات ضد هؤلاء، وقد ورد في إحدى حيثيات الحكم أنه "يقتضي التنويه بالمواطنين الذين يطالبون الجهات الرسمية بالقيام بدورها وبتفعيل إجراءاتها وإعمال صلاحياتها حفاظاً على السلامة العامة وعلى البيئة، مستخدمين الوسائل القانونية وأصول المواطنة".[9]
 
 نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]على سبيل المثال، رشا أبو زكي، "تزوير ورشوة في استقدام العاملات الأجنبيات", جريدة الأخبار, 21-8-2007
[2]محمد نزال, "عائلة الحريري الملك العام لنا", جريدة الأخبار, 6-11-2013
[3]موقع "التمدن" الالكتروني, تموز213
[4]بسام القنطار, جريدة الأخبار, 18-12-2013
[5]عبد الكافي الصمد, جريدة الأخبار, 13-12-2013
 
[6]أسعد سمور, موقع المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين الالكتروني, 18-12-2013
[7]لمى كرامة، "المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية في لبنان"، المفكرة القانونية (تقرير سينشر قريبا)
[8]عريضة منشورة على موقع www.alarida.org
[9]"متظاهرون ضد الشركات الكبرى...عقاب أم ثواب؟", المفكرة القانونية, العدد الثامن, أبريل 2013