أينما التفت المستهلك اللبناني، يجد نفسه محاطاً بسلع استهلاكية مغشوشة أو منتهية الصلاحية، وخدمات مغايرة للمواصفات المعلن عنها، فضلاً عن الإعلانات الخادعة التي تتساقط عليه من كل حدب وصوب، هذا من دون أن ننسى احتكار كبرى الشركات لبعض الصناعات والتجارات وفرضها الشروط التعسفية على المستهلكين. ويحدث كل ذلك بالرغم من إصدار قانون لحماية المستهلك منذ العام 2005 تحت الرقم 659 تضمّن عدداً هاماً من الضمانات لحماية المستهلك من الغش والاحتكارات ومن تلاعب المحترفين (التجار والصناعيين) من خلال تأمينه الشفافية في المعاملات الاقتصادية وفرضه تعويضات عن الأضرار الناتجة من الاستهلاك. ويهدف هذا المقال تحديداً الى الإضاءة على أحد أسباب هذا التفاوت الكبير بين القانون والواقع، وقوامه تعطيل إحدى أهم الهيئات المنشأة لحماية المستهلك تحت تسمية "لجنة حل النزاعات". فهذه المحكمة "المفعّلة نظرياً" لا وجود لها على أرض الواقع، ولم تورّد حتى اليوم أية قضية في قلمها ولم تَعقد أي جلسة على الإطلاق. وقبل المضيّ في إثبات ذلك وفي تحليل كيفية تعطيل هذه المحكمة وأسبابه، نسارع الى القول إن وراء الحجج المتمثلة بتضعضع في تكوينها الإداري و"كسل وإهمال" وفوضى لوجستية، تستتر إرادة سياسية أو إدارية حقيقية في تعطيلها، وبأقل تقدير لامبالاة جسيمة إزاء ذلك.

محكمة ذات اختصاص حصري بتطبيق الأحكام الحمائية للمستهلك
تكمن أهمية هذه المحكمة (لجنة حل النزاعات) في أنها الوحيدة الصالحة لتفسير قانون حماية المستهلك وتطبيقه في الخلافات بين المحترفين والمستهلكين، ما عدا الخلافات ذات الطابع الجزائي التي تبقى من صلاحية المحاكم الجزائية المختصة. وتالياً، تكون هذه المحكمة هي الوحيدة الصالحة لتطبيق مجمل الأحكام الحمائية الواردة في قانون حماية المستهلك ومعها التوازن الذي أحدثه المشرّع بين المنافع والحقوق. وتكون اللجنة مختصة أياً تكن قيمة النزاع، على أن لا تنظر في النزاعات التي لا تتعدى قيمتها ثلاثة ملايين ليرة لبنانية إلا في حال فشل مرحلة الوساطة بشأنها. ومن أبرز الأحكام القانونية التي تنفرد اللجنة في تفسيرها وتطبيقها، النظر في بطلان البنود التعسفية الواردة في العقود المعدة من المحترفين، وأيضاً في بطلان البنود النافية للمسؤولية التي تعفي المحترف من موجباته. وما يعزز إمكانات اللجنة الحمائية في هذا الإطار، هو إجراءات التقاضي المميزة أمام هذه المحكمة كالمهل القصيرة للبت بالنزاع، وعدم توجب الاستعانة بمحام، واستيفاء رسوم قضائية أقل، وفرض غرامة إكراهية حكمية عند التأخر في تنفيذ الأحكام، فضلاً عن تمثل جمعيات حماية المستهلك بعضو فيها، الى جانب قاض تعيّنه وزارة العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى، وعضو آخر يمثل غرفة التجارة والصناعة.

وبالطبع، من شأن تعطيل هذه المحكمة أن يؤدي بحد ذاته الى تعطيل كم كبير من الضمانات الحمائية التي يتضمنها القانون، تماماً كما أن من شأن تعطيل مجلس العمل التحكيمي، في حال حصوله، أن يعطل معظم الأحكام الحمائية لقانون العمل.

تعطيل المحكمة
ويتساءل المراقب عن سبب عدم التئام هذه المحكمة ولو لمرة واحدة منذ إنشائها قبل 9 سنوات تقريباً. وما يعزز هذا التساؤل هو أن أعضاء الهيئة معينون جميعاً بموجب مراسيم نافذة، وهم على التوالي القاضي الياس شيخاني رئيساً، والسيد نبيل فهد عن غرفة التجارة والصناعة والسيدة ليلى الحركة عن جمعيات حماية المستهلك[1]. وتبعاً للندوة التي عقدتها المفكرة في 29/3/2012 عن المحاكم التي لا تعمل، نقلت صحيفة الأخبار عن لسان المعنيين في اللجنة أن سبب عدم مواصلة الأخيرة أشغالها مرتبط بعدم وجود مساعدين قضائيين وعدم تحديد مقر للمحكمة وغير ذلك من أمور بعضها إداري وبعضها الآخر لوجستي[2]. وعند التدقيق في تفاصيل القضية، تبيّن لنا أن مجلس الخدمة المدنية قد أفتى بناءً على استشارة قانونية قدمتها مديرية حماية المستهلك عام 2006 الى مجلس الخدمة المدنية حول الأمور القلمية والإدارية للمحكمة، بجواز اعتبار قلم المديرية بمثابة قلم لمحكمة حماية المستهلك، وبإمكانية تكليفها القيام بكل الأعمال لتسيير أمور هذه الأخيرة. إلا أنه تم إهمال هذه الاستشارة لمدة تفوق السبع سنوات. بل أكثر من ذلك، صرّح لنا رئيس اللجنة، القاضي الياس شيخاني، بأنه قام بمراجعات عدة سعياً الى تأمين اللوجستيات وتخصيص مساعدين قضائيين لتفعيل اللجنة، غير أن مساعيه لم تلق مفاعيل عملية حتى تاريخه، مؤكداً أن أعضاء اللجنة لم يجتمعوا ولا مرة منذ تاريخ تعيينه رئيساً. ويردف القاضي شيخاني قائلاً إنه لا يرى عائقاً أساسياً أمام مباشرة أشغال اللجنة إلا أنه لم يلمس أية إرادة بمتابعة الأمر لدى أي من المعنيين. ويتأكد ذلك من خلال إعراض الوزارة عن أي ذكر للجنة منذ نشوئها. فهي لم تعمد الى إعلام المستهلكين عن وجودها على غرار ما تفعله أحياناً بالنسبة لقانون حماية المستهلك بالمطلق كما نلحظ من خلال الحملة الدعائية الأخيرة لوزارة الاقتصاد والتجارة الخاصة بآلية تقديم الشكاوى عبر الهاتف. وقد يكون مرد هذا الإهمال هو انتماء الوزراء الأوصياء على المديرية الى فئة "اجتماعية - مهنية" معينة، حيث إنهم في السنوات التي تلت اإقرار قانون حماية المستهلك كانوا من كبار رجال الأعمال والمتنفذين، بل أحياناً أعضاء في جمعيات الصناعيين، وبالتالي محسوبين على الجهة المستفيدة من الإهمال وعدم المحاسبة.

وعلى صعيد آخر، يكرر المعنيون في مديرية حماية المستهلك منذ سنوات "السيمفونية" نفسها بأن سبب انتفاء وجود دعاوى أمام المحكمة يعود الى أن جميع النزاعات التي قُدمت الى قلم المديرية هي عبارة عن شكاوى لا تتعدى قيمتها ثلاثة ملايين ليرة لبنانية أحيلت جميعها الى الوساطة، وبالتالي لم يكن هنالك داع لالتئام المحكمة أصلا[3]. ويرفض القاضي الياس شيخاني هذه الفرضية، مؤكداً أنه نظراً لعدد الدعاوى الكبيرة أمام القضاء العادي، لا يعقل أن لا تورد قضايا أمام هذه المحكمة بالتحديد. وهذا ما تأكد أصلاً لنا بالتجربة: فعند توجهنا الى المديرية للاستفسار عن تقديم دعوى أمام المحكمة، كان أول جواب تلقيناه هو أن المحكمة غير مفعّلة وغير مكتملة الإنشاء في ظل جو من الارتباك لجهة كيفية حل هذه المعضلة التي حطّت عليهم، ما يعزز قناعتنا بأن المستهلكين لا يلجؤون الى المحكمة، سواء لجهلهم بما ليس موجوداً أو لعدم وجودها أصلاً على أرض الواقع. وما يدحض أيضاً وأيضاً فرضية عدم وجود طلب على المحكمة هو أن المديرية تتلقى آلاف الشكاوى سنوياً (1714 شكوى عبر الخط الساخن عام 2011)، فإن سلّمنا جدلاً بأن جميع الشكاوى قيمتها أقل من 3 ملايين ليرة، فهل يعقل أن الوساطة نجحت في جميع الشكاوى بإعطاء المستهلك كامل حقه؟ وفي حال صحة ذلك، ألا يفيد هذا النجاح في ظل موازين القوى بين المستهلك الضعيف والمحترف المقتدر، أن هذه "الوساطات" إنما تؤول في نهاية المطاف الى تنازل المستهلك عن جزء من حقوقه في غياب أي حماية قضائية له؟ فإما يسكت المستهلك (وهذا ما يفعله غالبيتهم) وإما يلجؤون الى الوساطة للحصول على قسط مما دفعوه، فيبقى التاجر رابحاً في كل الأحوال، وبمنأى عن أي محاسبة حقيقية. وهذا ما يؤكده رئيس جمعية حماية المستهلك، زهير برو، بقوله إن جمعيته تقدمت في السنوات الماضية بشكاوى للمديرية إلا أنهلم يتم حل ولا أية شكوى لمصلحة المستهلك.[4]

 الى ذلك، نستخلص أن المديرية تعمل بالمجاملة والحلول "التنفيسية" من خلال المساومات التي تفرض على المستهلك، مفضلة الحلول الإدارية على لغة الحقوق وأحكام القضاء. وتشكل بالطبع تبعية المديرية لوزارة الاقتصاد بيئة حاضنة لتضارب المصالح بينها وبين التجار والصناعيين، حيث تميل الى التقاعس عن محاسبة المحترفين على حساب المستهلكين، وهذا ما دفع برو في أحد المؤتمرات الصحافية[5] الى المطالبة بفصل مديرية حماية المستهلك عن وزارة الاقتصاد.

نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية 


[1]عين الرئيس شيخاني بموجب المرسوم 8119 تاريخ 24-5-2012 ، وليلى الحركة بموجب المرسوم رقم 1639 تاريخ 28-3-2009، ونبيل فهد بموجب مرسوم 17727 تاريخ 25-9-2006.
[2]محمد نزال ، "محكمة المستهلك: نمر قانوني من ورق"، الاخبار، العدد 1688، تاريخ 20-40-2012
[3]بيسان طي، هيئة قضائية معطلة بـ"غطاء سياسي": اي حماية للمستهلك؟ اي ردع لأعمال الغش؟ واي مكانة للقضاء؟، موقع المفكرة القانونية، تاريخ 30 اذار 2012.
[4]"برو: لفصل مديرية حماية المستهلك عن وزارة الإقتصاد"، موقع لبنان 24، تاريخ 21-11-2013
 المرجع السابق[5]