على الرغم من تضمين قانون حقوق المعوقين موادّ تضمن حقهم بالعمل، من خلال إلزام الشركات التي يتعدى موظفوها عددًا معينًا بتوظيف عدد من المعوقين[1]. وقد اعتمدت الدولة لهذه الغاية ثلاثة أساليب: تغريم أي مخالفة للكوتا المفروضة، تحفيز من خلال إعفاءات ضريبية في حال توظيف أشخاص أكثر مما يفرضه القانون، مع ضمان تعويض بطالة للذين يتم صرفهم. إلا أنه رغم ذلك، بقيت جميع هذه الآليات معطلة بالكامل. وإزاء ذلك، وفي موازاة المطالبات المتكررة بتفعيل القانون، لجأ اتحاد المقعدين اللبنانيين الى الاستفادة من قوته الرمزية لإقناع الشركات بأهمية الالتزام به طوعًا. تنشر المفكرة مقطعاً مأخوذاً من تقرير الاتحاد بعنوان: "حين تصاب الدولة بمرض قانوني مزمن: الحراك حول القانون 220/2000، من التشخيص الى غرفة العناية الفائقة" (المحرر).

فضلاً عن الأنشطة الآيلة الى تنفيذ القانون وتفعيل حقوق الأشخاص المعوقين، وفضلاً عن حملات التوعية الدائمة حول القانون وحقوق المعوقين التي نظمتها جمعيات الإعاقة والتي استهدفت فيها شرائح مختلفة من المجتمع، شكل القانون منطلقاً لإطلاق مبادرات تهدف الى إقناع القطاعات الخاصة بمشروعية هذه الحقوق، وفي مقدمها حق العمل، والتشارك معها لتفعيلها بمعزل عن الدولة.

وقبل المضي في استعراض أهم هذه التجارب، تجدر الإشارة الى أن العديد من هذه الجهات الفاعلة تعاونت في هذا المجال على أساس أن للدمج فوائد جمة، مع التأكيد أنها غير ملزمة ببنود هذا القانون. إلا أن القانون منح جمعيات المعوقين الدافع لخوض هذه التجارب ولو تم تغييبه – أي القانون - في الشكل عامة وفي المضمون أحياناً، ما حملها الى عدم التوقف عند الاعتبارات الخطابية هنا وهنالك، ساعية جهدها الى تحقيق مكاسب على الأرض تكون بمثابة تجارب نموذجية تحتذيها الدولة في ما بعد.

وعليه، وانطلاقاً من واقع مؤسف قوامه ارتفاع نسبة البطالة بين المعوّقين الى ما يقارب 83%،[2] عمدت جمعيات الإعاقة الى تشجيع أصحاب العمل في القطاع الخاص على توظيف الأشخاص المعوّقين. وعليه، عقدت عدة جلسات حوارية وطاولات مستديرة مع هيئات رأسمالية في مختلف المناطق اللبنانية منذ عام 2002 في إطار تنفيذ مشاريع مختلفة، تم التركيز خلالها على فوائد الدمج. وبهدف كسر الآراء المسبقة في هذا المجال، تم إبراز التجارب الناجحة للمؤسسات التي وظفت الأشخاص المعوقين.

وفي العام 2003، نجحت الجمعيات بإدراج قضية الإعاقة في جدول أعمال غرف التجارة والصناعة والزراعة. وبنتيجة هذه المبادرات، تم إنشاء شراكة بين جمعيات تُعنى بحقوق الأشخاص المعوقين كاتحاد المقعدين اللبنانيين ومؤسسات خاصة. وقد أدت هذه الشراكة في العام 2006 إلى إنشاء "الهيئة الداعمة للتنوع في مكان العمل" وهي هيئة تضم عدداً من شركات القطاع الخاص بالإضافة إلى غرف التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع، بهدف تأهيل وتدريب وتوظيف 3000 شخص لهم حاجات خاصة مختلفة. كذلك عقد منتدى المعاقين في لبنان الشمالي اتفاقية مع غرفة التجارة أدت إلى فتح أبواب المصانع والمؤسسات التجارية لتوظيف أشخاص معوّقين.

وكان اتحاد المقعدين اللبنانيين قد فتح مكاتب توظيف في مختلف المناطق اللبنانية منذ العام 2004 في إطار مشروع فتح آفاق فرص العمل للحد من البطالة ومشروع الدمج الاقتصادي. واستلمت هذه المكاتب طلبات التوظيف من الأشخاص المعوقين وقامت بالبحث عن الوظائف الشاغرة التي تتلاءم مع مؤهلاتهم وكفاءاتهم، وقد نجحت هذه المكاتب، حسب اتحاد المقعدين اللبنانيين، بإيجاد وظائف لمئات الأشخاص المعوقين في موازاة تأمين فرص للتأهيل، وتوعية أصحاب العمل وتأهيل أماكن العمل، وتقديم دعم عائلي، ومشورة لإقامة مشاريع فردية. وقد سمحت هذه التجربة الناجحة لاتحاد المقعدين اللبنانيين بافتتاح "المركز الوطني لدعم توظيف الأشخاص المعوقين في لبنان"في نهاية العام 2011 بالشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية وبالتعاون مع غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان،والذي يهدف إلى تنمية قدرات الأشخاص المعوقين ومهاراتهم الوظيفية لتهيئتهم للدخول إلى سوق العمل، وإيجاد الوظائف لهم، ودعم أصحاب عمل لتطوير سياساتهم وتكييف البيئة من أجل دمج هؤلاء. كذلك قام منتدى المعاقين في لبنان الشمالي بتدريب الأشخاص المعوقين مهنياً والعمل على تأمين وظائف لهم من خلال برامجه المستمرة (برنامج التدريب المهني وبرنامج تأمين فرص عمل)، ومنها تأمين رخص أكشاك يديرها أشخاص معوقون.

وقد نشر اتحاد المقعدين اللبنانيين دليلاً دورياً حول "التنوع في العمل" منذ العام 2005 ودليلاً حول توظيف الأشخاص المعوقين في العام 2008 لإرشاد أصحاب العمل والموظفين من الأشخاص المعوقين في علاقات العمل التي تربطهم. وفي العام 2008، أدى هذا التعاون إلى إطلاق شعار للتنوع تحمله منتجات الشركات الصناعية ترويجاً لثقافة الدمج وهي مبادرة نموذجيّة داعمة للتنوّع، وقد لعب الجانب الدعائي دوراً مهماً في إقناع القطاع الخاص بفوائد الدمج في ظل غياب أي تحفيز أو إكراه من قبل الدولة، بل رغم تخلف هذه الأخيرة عن تنفيذ القانون في مجال التوظيف في القطاع العام.

لكن، على الرغم من تجاوب أصحاب العمل مع هذه المبادرات، فإنهم أصروا على وضع تجاوبهم ضمن العمل الإرادي الإنساني، رافضين أن يعد تنفيذاً طوعياً لقانون ملزم. وهذا ما نلمسه لدى قراءة المبررات التي برزت في خطاب أصحاب العمل لهذا التعاون. فإذ بنيت هذه المبررات على "إرضاء الضمير الوطني" و"الرغبة في القيام بالعمل الإنساني"، فإنها خلت من أي ذكر للقانون. واللافت أن وزارة الشؤون الاجتماعية – وهي الوزارة التي أنيطت بها مهمة تنفيذ القانون – تنصلت أيضاً من إلزامية القانون حين دعت القطاع الخاص إلى"إفساح المجال في مؤسساتهم لتقديم فرص العمل لهؤلاء الأشخاص المعوقين طوعاً، دون إرغام الوزارة على الاستعانة بالقوانين الموجودة في وزارة العمل"، فيظهر هنا أن الدولة المسؤولة عن تنفيذ القانون هي أيضاً تؤثر الاستناد إلى قوته الرمزية بدلاً من تفعيله وفرضه على من يخالفه.

نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية 


[2]دراسة وزارة الشؤون الاجتماعية، 2009: 83% من المعوقين في لبنان عاطلون من العمل و43،8% منهم تحت عتبة الحرمان، بوابة لبنان للتنمية والمعرفة (نقلا عن السفير 17/12/2009) متوفر على العنوان التالي: http://lkdg.org/ar/node/3105