إشكاليات وشوائب عدة برزت في أعمال القضاء في قضايا العاملات في الخدمة المنزلية، استعرضنا البعض منها في مقالات سابقة. وحصيلة هذه المقالات، التي أتت نتيجة تمحيص ما يقارب الـ389 حكماً صدر خلال العام 2013، بيّنت مدى انعكاس "نظام الكفالة" على عمل الجهاز العدلي وتكريسه في قضايا الحق العام.

ما سنعرضه في المقالة الحاضرة يندرج ضمن هذا الإطار، وهو يشكل وجهاً آخر لطغيان "الروحية" التي يستند اليها نظام الكفالة على أعمال بعض القضاة والمحاكم الناظرة في قضايا الجنح في بيروت، ملقين الضوء على استخدام النصوص القانونية وتكييفها تكييفاً مغلوطاً، وهو الجاري في هذه المحاكم، وما يتضمنه من انحياز لمصلحة أصحاب العمل من جهة، وطارحينمن جهة أخرى فرضيات عن بعض الظروف الاجتماعية المشجّعة لهذه النزعات عند المهنيين، وهي نزعات تخرج عن أصول مهنتهم.

والأعمال موضوع هذا المقال هي عبارة عن خمسة أحكام إدانة قد صدرت عن هذه المحاكم وهي تستند الى تهم ومواد ترتبط بنظام الإقامة وإثبات وجود الأجنبي في لبنان. وهي كل من المادتين الخامسة والسابعة من القرار 136/1969 اللتين تلزمان الأجنبي/ة المقيم/ة في لبنان في حال تغيير محل إقامته بإعلام دوائر الأمن العام بمكان إقامته/ا الجديد خلال مهلة أسبوع، تحت طائلة المعاقبة بالعقوبة المنصوص عنها في المادة 770 من قانون العقوبات أي بالحبس حتى ثلاثة أشهر وبالغرامة من مئة ألف الى ستمئة ألف ل.ل. أو بإحدى هاتين العقوبتين. إضافة الى المادة 36 من قانون الدخول الى لبنان والخروج منه، والتي تجرّم عدم تجديد الإقامة، والمادتين 15 و21 من المرسوم 17561/1963 اللتين تلزمان الأجنبي/ة بالحصول على موافقة وزارة العمل المسبقة للانتقال الى مؤسسة أخرى أو تغيير نوع عمله/ا.

وما يسترعي انتباهنا في هذه الأعمال ليس أنها أدانت العاملات على أساس المواد تلك بما اصطلح على تسميته جرم فرار، ولكن هو أنها انتهت، فضلاً عن ذلك، الى إلزام المدعى عليها بتسديد تعويضات عن العطل والضرر اللذين تكبدهما أصحاب العمل. فقد أتت هذه الأحكام لتكرّس مفهوم الضرر الناتج لصاحب العمل من جراء عدم قيام العاملة بإخطار دوائر الأمن العام بمكان إقامتها الجديد، وصولاً الى إلزام العاملة بالتعويض عن هذا الضرر للمدعي الشخصي (صاحب/ة العمل)، وهو أمر لا تتضمنه المواد القانونية التي تستند إليها هذه الأحكام.

ويتجلى ذلك خاصة في حكم صدر بالصورة الغيابية بتاريخ 29/10/2013 عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت، في دعوى تقدمت بها صاحبة عمل بوجه عاملة في الخدمة المنزلية بسبب "تركها العمل خلسة" (العبارة مأخوذة من متن الحكم) سنداً للمادتين 5 و7 من القرار 136/1969، حيث قضى بتغريم العاملة مبلغاً قدره مئتا ألف ليرة لبنانية سنداً للمادة 7 من القرار 136 وإلزامها بدفع مليوني ليرة لبنانية بمثابة تعويض للمدعية الشخصية. لكن يصح التساؤل: أين الضرر الواقع على المدعي الشخصي جراء عدم قيام العاملة بإعلام الإدارة عن مكان إقامتها الجديد؟ حيث إن قانون أصول المحاكمات الجزائية يربط في مادتيه الخامسة والسابعة الحق الشخصي بالضرر، مفسحاً المجال أمام أي متضرر من فعل ما أن يتخذ صفة الادعاء الشخصي أمام المحاكم المختصة لتنظر بالقضية وتحكم بالتعويض في حال ثبوت الضرر. ويصح التساؤل أيضاً: كيف تم احتساب التعويض؟ تساؤلات لا تجد لها جواباً في نص الحكم الذي يفتقر الى الإشارة الى المواد القانونية التي استند إليها الحكم بالتعويض.

والأمر سيان بالنسبة لحكم آخر، صدر بتاريخ 27/2/2013 عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت، في ادعاء شخصي تقدمت به صاحبة عمل بوجه العاملة في الخدمة المنزلية، تدلي فيه أن الأخيرة قد "أقدمت على الفرار من منزلها" (العبارة واردة في متن الحكم في فقرة الوقائع) بعدما "قامت بسرقة مبلغ من المال عائد لوالدها". واللافت في هذه القضية أن المحكمة رفضت النظر في التعويض عن جريمة السرقة، باعتبار أن "المسروق" يعود لوالد المدعية الذي لم يتخذ صفة الادعاء الشخصي، وارتأت النظر فقط في الأضرار التي لحقت بالمدعية نتيجة عدم إبلاغ العاملة قوى الأمن بمكان إقامتها الجديد. واعتبرت أن هذه الأضرار متمثلة "بالمبالغ التي تكبدتها [المدعية] في سبيل استقدام المدعى عليها، وبعد الأخذ بعين الاعتبار المصاريف التي دفعتها في سبيل إنجاز أوراقها من إقامة وإجازة عمل". وعليه قضى الحكم بإلزام العاملة بتسديد مبلغ ثلاثة ملايين وتسعمئة ألف ليرة لبنانية بمثابة عطل وضرر للمدعية الشخصية، على الرغم من عدم إشارة القاضي هنا أيضاً الى المادة القانونية التي تشكل سنداً للحكم بالتعويض. والواقع أن ضرر صاحب العمل هو ناتج من عمل ذي طبيعة مدنية (ترك العمل) وليس عن الجرم الجزائي الذي أدينت بموجبه العاملة والذي هو عدم إعلام الأمن العام بمحل إقامتها الجديد. وكان هذا الأمر يفرض على القاضي إعلان عدم صلاحيته في النظر في طلب التعويض على أساس أنه يدخل في إطار العلاقة بين العامل وصاحب العمل ويبقى تالياً من اختصاص مجالس العمل التحكيمية. وحتى لو افترضنا أن التعويض يدخل ضمن صلاحيات القاضي، ألم يكن من المفترض به أبعد من ذلك الدخول في كل جوانب القضية، بالخوض أيضاً في أسباب الترك وظروف العمل بدل الانحياز الكامل لمصلحة صاحبة العمل والتغاضي عن حقوق العاملة وعن حمايتها؟ وبالتالي يمكن احتساب الحالة هذه انحيازاً واضحاً لمصلحة صاحب العمل في التكييف القانوني المعتمد في الحكم، وخصوصاً من حيث المزج بين الجرم المتصل بشروط الإقامة والمسؤوليات المترتبة على عقد العمل، في تجاوز يشكل بحد ذاته وجهاً جديداً من وجوه نظام الكفيل.

دون التكهّن في كل أسباب هذا الانحياز، التي لا يسمح فحص الأحكام وحده بجلائها، إلا أن فرضية مراعاة القاضي لنوع من "اللياقات" تطرح نفسها في حالتين تحديداً اشتركتا والحالة الآنفة بالمزج بين جرائم الحق العام ومقتضيات الحق الشخصي في الحكم. إذ بدا القاضي بحكمه وكأنه، بالرغم من غياب الإثباتات، أراد أن يراعي شعور الجهة المدّعية. والقضيّتان[1] تقدم بهما أصحاب عمل بوجه العاملة في الخدمة المنزلية بكل من تهمة السرقة وعدم إبلاغ القوى الأمنية بمكان إقامتها الجديد. وفي القضيتين، تمت تبرئة العاملة من تهمة السرقة، على اعتبار أن "الفرار من المنزل لا يشكل دليلاً كافياً" للإدانة بجرم السرقة ما لم يعزز بأدلة أخرى". وعوضاً عن قيام المحكمة بإحالة القضية الى الغرفة الأولى أي الى المحكمة الناظرة في قضايا الحق العام، قررت إلزام العاملة المدعى عليها "بدفع مبلغ خمسمئة ليرة لبنانية" بمثابة تعويض للمدعية الشخصية. ويبدو أن هذا الأمر أتى على سبيل "التعويض المعنوي" لصحاب/ة العمل أكثر منه تعويضاً لضرر مادي محقق، كونه يفتقر لأي أساس قانوني.
ويظهر ذلك أيضاً في قضية أخرى تقدمت بها صاحبة العمل بوجه العاملة في الخدمة المنزلية، وقد ادعت فيها أن هذه الأخيرة تركت العمل بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر على بدء العقد، وبعدما أقدمت على سرقة "مبلغ مالي" (لم يحدد المبلغ في الحكم). وعللت المحكمة حكمها في "أن المدعى عليها لم تكن أصلاً تنوي العمل لدى المدعية بل إيجاد من ينجز لها الأوراق المتوجبة للحضور الى لبنان فوقعت المدعية ضحيتها، إذ أنجزت المعاملات اللازمة لحضور المدعى عليها الى لبنان وتكبدت المصاريف. وقد استفادت المدعى عليها من الإجازة المسبقة وتأشيرة الدخول المؤقت فدخلت الأراضي اللبنانية على اسم المدعية لتمكث لديها أقل من ثلاثة أشهر وتسرق مبلغاً مالياً من منزلها وتفر الى جهة مجهولة دون إعلام دوائر الأمن العام عن مكان إقامتها الجديد". وبناءً عليه، اعتبرت المحكمة أن عناصر جرائم الموادة 655 و636 مكتملة، بالإضافة الى جرم المادة 36 من قانون الدخول الى لبنان والخروج منه. غير أن المحكمة قررت، بسبب عدم حضور المدعية، عدم البت بدعوى الحق الشخصي سنداً للمادة 168 ا.م.ج، فلم تحكم بتعويضات شخصية. إلا أنه يبقى للمدعية إمكانية استئناف الحكم الصادر. وهنا يجوز التساؤل: كيف استطاعت المحكمة أن تثبت حصول جريمة الاحتيال ومعاقبة العاملة على نياتها المزعومة، لا سيما أن الحكم صدر بوجه العاملة بالصورة الغيابية؟ما يطرح فرضية إضافية عن مدى انسجام منطق القاضي مع المنظومة السائدة التي تنظر إلى الفقراء والأجانب بعين الريبة والشبهة وصفات "الخفّة".  وطبعاً، كما في الحالات السابقة، ولو سلّمنا جدلاً بأن ترك العمل كان تعسفياً، فتكون القضية هذه قضية عمل في المقام الأول، تخرج عن صلاحية القضاء الجزائي وتمسي من صلاحية مجلس العمل التحكيمي أو القضاء المدني، سنداً لمواد قانون الموجبات والعقود. وهي قضية عمل قرّر القاضي فيها تبنّي دور منحاز لصاحب العمل تعسّفياً، ولو أخرجه هذا الدور عن أصول مهنته.

وفي الخلاصة، تجدر الإشارة الى أن مجمل هذه الأحكام يجمعها أنها مزجت بين الجرائم المتصلة بشروط إقامة الأجانب في لبنان ومفاعيل عقد العمل، ما أضاف الى صلاحيات القاضي الجزائي صلاحيات مجلس العمل التحكيمي، مبرزاً وجهاً جديداً لنظام الكفالة، معززاً امتيازات صاحب العمل ومجرداً العاملة من نذير بقي لها من حقوق العامل.

نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية 


[1]حكمان صادران في كل من 26/4/2013 و 31/5/2013