أنهت مصادقة المجلس الوطني التأسيسي على قانون العدالة الانتقالية حالة التخبط التي عرفتها الساحة السياسية التونسية في تحديد وسائل وآليات التعاطي مع تركة الماضي الاستبدادي. وبات رسمياً القانون عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 وتنظيمها النظام المؤطر للتصور التونسي للعدالة الانتقالية.

ويتبين من الدراسة البنيوية للقانون أنه خص "هيئة الحقيقة والكرامة" التي استحدثها بخمسة وخمسين فصلاً قانونياً من جملة فصوله السبعين، بما يثبت أنها تشكل مركز ثقل المقاربة المحلية للعدالة الانتقالية. إلا أن التعامل مع الأحكام العامة للقانون ذاته يبين أن دور الهيئة لا يختزل كل المقاربة التشريعية للعدالة الانتقالية. فقد أسند المشرّع بالفصل السابع من القانون صلاحية "المساءلة والمحاسبة للهيئات والسلطات القضائية والإدارية حسب التشريعات الجاري بها العمل".كما أن القانون ذاته استحدث في صلب هيئة الحقيقة والكرامة لجاناً ميّزها باختصاصات محددة في سياق مسارات العدالة الانتقالية. ويفترض منطق القانون أن تكون جميع المؤسسات التي تتدخل في موضوعه تربطها علاقة تكاملية تحقق غاية القانون ومقصده. غير أن التكامل والترابط بين المؤسسات غاب عن صياغة النصوص، إذ التفت المشرّع عن بيان علاقة المؤسسات في ما بينها في ممارسة كل منها لاختصاصاتها. وترك بصمته مجالاً لسطوة هيئة الحقيقة والكرامة على المؤسسات القائمة ومكّن ضعف الأحكام ذاته لجان الهيئة من الخروج عن فلك الهيئة التي كان يفترض أن تكون تابعة لها. وتطرح ضبابية تنظيم الهياكل السؤال عن حقيقة وجود ألغام مؤسساتية قد تعصف بجميل وعود كشف الحقيقة.

عرف المشرّع هيئة الحقيقة والكرامة هيكلياً فنص على أنها "تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري". غير أن النص التشريعي لم يقدّم تعريفاً وظيفياً للهيئة واكتفى بتعداد مهامها وصلاحياتها في فصول قانونية غاب عنها التبويب المنهجي. ويبدو التنصيص على الحقيقة في سياق التسمية المركبة لهيئة الحقيقة والكرامة[1] اختياراً تشريعياً يؤكد الدور المناط بها في كشف الحقيقة. وقد مكّن المشرّع الهيئة من صلاحيات واسعة في عملها الاستقصائي بداية من حق النفاذ للمعطيات دون قيد أو شرط وصولاً الى حقها في سماع كل من ترغب في سماعه دون أن تقع مواجهتها بالحصانات. ويفترض منطق النص القانوني أن ينتهي دور هيئة الحقيقة عند كشف الحقيقة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تتعلق بموضوع عملها ومدته القانونية لتفتح المجال لهياكل المحاسبة في الاضطلاع بدورها. غير أن ما نص عليه القانون من كون الملفات التي تحيلها الهيئة للقضاء لا يمكن أن تُعارض بمبدأ سابقية اتصال القضاء يكشف بوضوح أن "الدوائر القضائية المختصة التي أحدثها قانون العدالة الانتقالية باتت في عملها القضائي تخضع بشكل غير خفي لرقابة سابقة من الهيئة التي يمكنها أن تأذن بإعادة المحاكمة رغماً عن المبدأ الدستوري الذي يمنع محاكمة شخص لأجل فعلة سبقت محاكمته لأجلها". كما تخضع الدوائر القضائية التي يفترض أنها مستقلة في عملها بشكل خفي لرقابة لاحقة على أعمالها من الهيئة من خلال واجب رد الخبر الذي قد يؤدي لفرض خضوع المحكمة للهيئة في التصريح بالإدانة وفق أبحاثها. ويبدو عدم ثقة أعضاء السلطة التأسيسية في المؤسسة القضائية والذي عبر عنه أعضاؤها بمناسبة مناقشتهم لمشروع القانون هو الذي أدى الى التدخل المتعمد في عمل القضاء.

وبموازاة ذلك، أسند المشرع للهيئة صلاحية غربلة التتبعات العدلية في قضايا الانتهاكات التي تتعلق بجرائم تدليس الانتخابات والفساد المالي. فقد قيد القانون حق القضاء في النظر بالجرائم المذكورة بالملفات التي تحال له من الهيئة دون سواها. واتضح من مداولات المجلس الوطني التأسيسي حول الفصل الثامن من قانون العدالة الانتقالية أن اعتبار نفوذ رجال الأعمال وكبار الساسة كان الدافع لإيجاد حماية لهم من النظر القضائي مباشرة بملفاتهم. فكان التدخل في القضاء هذه المرة خوفاً من مساواة غير مرغوب فيها ورغبة في إيجاد تسويات صلب الهيئة تميز رجال المال والسياسة بعفو غير مشروط بعقاب، يتم بنتيجةمصالحة فردية. وقد نظم المشرع إجراءات المصالحة، بحيث نص على إنشاء "لجنة التحكيم والمصالحة" صلب الهيئة. وتعد اللجنة صاحبة صلاحية تقريرية في سياق المصالحة، فهي تختص بالنظر والبت في ملفات الانتهاكات بعد الحصول على موافقة الضحية"، وتصدر قرارات تحكيمية يترتب عن تنفيذ بنودها في قضايا الانتهاكات التي تتعلق بالفساد المالي انقراض الدعوى العمومية أو إيقاف المحاكمة أو إيقاف تنفيذ العقوبة، فيما يؤدي في صورة غيرها من الانتهاكات الى اعتباره سبباً لتخفيف العقوبة فقط. أسند القانون للجنة استحدثها صلب الهيئة مسؤولية غلق ملف رجال الأعمال الذين حامت شبهة حول تورطهم في الفساد من خلال مصالحات تحكيمية نهائية "غير قابلة لأي وجه من أوجه الطعن أو الإبطال أو دعوى تجاوز السلطة"، بما يؤكد رغبة المشرّع في مصالحة سريعة معهم. وسعى قانون العدالة الانتقالية لحماية لجنته صاحبة السلطة التقريرية المطلقة فحصن أعمالها من كل رقابة، بما في ذلك رقابة الهيئة التي انبثقت عنها، بأن جعل مقررات اللجنة تصدر باسمها دون حاجة لمصادقة مجلس هيئة الحقيقة والكرامة عليها. كما حصّن مقررات الصلح التي تبرمها اللجنة مع أصحاب المال من كل رقابة بأن منع صراحة الطعن فيها ونص على عدم قابليتها للإبطال في أي صورة من الصور ولو كان ذلك من أجل تجاوز السلطة. وبذلك، وبعدما بشّر القانون بانفراد هيئة الحقيقة والكرامة بالمصالحة، عاد دون سابق إنذار ليسحب منها دورها لفائدة لجنة تولّدت عنها واستقلت باختصاصها.

والالتباس ذاته في بنية الهيئة التي أريد لها أن تحكم مسار العدالة الانتقالية، عاود البروز بمناسبة حديث إصلاح المؤسسات. ففي فصل قانوني كان في منطلقه يعدد صلاحيات هيئة الحقيقة والكرامة، تم التنصيص في نقطة فرعية منه على لجنة استولت على مهام الهيئة هي لجنة الفحص الوظيفي وإصلاح المؤسسات. ورد ذكر لجنة الفحص الوظيفي وإصلاح المؤسسات بالنقطة الرابعة من الفصل 43 من قانون العدالة الانتقالية الذي خصصه المشرّع لأعمال هيئة الحقيقة والكرامة، غير أن اللجنة التي ذكرت في معرض تفصيل الأحكام عادت لتحتل أصل المشهد. فأسند لها المشرّع صلاحية تقديم مقترحات إصلاح المؤسسات التي تورطت في الفساد وتقديم التوصيات التي تهدف لغربلة تلك المؤسسات ممن تورطوا فيه للجهات المعنية رأساً. ويؤكد إسناد اللجنة صلاحية توجيه اقتراحاتها للجهات المعنية دون اشتراط مصادقة مجلس الهيئة على مضامينها أن اللجنة التي افترض أنها فرعية باتت تستولي على مهام الهيئة الأم وتنفصل وظيفياً عنها. ولكن المشرّع عاد ليغفل تحديد مقصده من مصطلح التوصيات التي تضعها اللجنة، فلم يوضح إن كانت تفيد الإلزام أم أنها مجرد مقترحات. وينذر غموض النص القانوني بتنازع الاختصاص بين اللجنة وهياكل الإشراف على الإطارات المعنية بالغربلة، خصوصاً منها المجلس الأعلى للقضاء. إذ قد يؤدي القول بإلزامية التوصيات الى سحب كل الصلاحيات التقريرية من المجلس الأعلى للقضاء وتحويله الى أداة تمضي قرارات غيره من المؤسسات رغم أنه هيئة دستورية مستقلة بصريح النص الدستوري. وإن تم اعتبار التوصية مجرد اقتراح فقط يطرح الأمر السؤال حول التزام المؤسسات بمسار العدالة الانتقالية.

سعى قانون العدالة الانتقالية الى الإحاطة بمجمل انتهاكات حقوق الإنسان التي اقتُرفت في ظل الحكم الاستبدادي. غير أن سوء تبويب أحكامه وغياب رؤية مؤسساتية للآليات التي استحدثها وتلك التي اعترف لها بدور في مسارات العدالة الانتقالية أفضى الى ترك مجالات لتنازع الاختصاص بين المؤسسات. كما أدى الى ضرب وحدة أهم هيكل من هياكل العدالة الانتقالية. فقد أدى شغف المشرع في تعداد مهام هيئة الحقيقة الى جعلها هيكلاً يتدخل في كل ما يتعلق بالسياسات العامة للدولة، بما في ذلك "التدابير التي يمكن اتخاذها لحماية حقوق النساء والأطفال والفئات ذات الاحتياجات الخاصة والفئات الهشة"، وهي أمور يصعب فهم علاقتها بموضوع عملها الأصلي. فيما أبعد بعث المشرع للجان المتخصصة التي استقلت بمسارات العدالة الانتقالية عن الهيئة الى منع هيئة الحقيقة والكرامة من ممارسة دورها. واكتنف الغموض مستقبل علاقة مجلس الهيئة باللجان، خصوصاً بعدما بيّن المشرّع في معرض حديثه عن مجلس هيئة الحقيقة والكرامة "أن للهيئة أن تدعو أعضاء اللجان المتخصصة لمواكبة أشغال الجلسة على ألا يكون لهم الحق في التصويت" بما يؤكد أن الهيئة كانت مفرداً في منطلقها وانتهت الى تفتت، والآليات كانت تتكامل إلا أنها انتهت لوصاية تنذر بصراعات في مسار عدالة انطلقت بميز وانتهت الى تمييز وغموض.

  نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]يتبين من الاطلاع على تقرير لجنة التشريع العام ولجنة الحقوق والحريات بالمجلس الوطني التأسيسي اللتين تولتا الدراسة الفنية لمشروع القانون ان مصطلح الحقيقة يرمز لهدف قانون العدالة الانتقالية اي الكشف عن حقيقة انتهاكات الماضي. فيما يرتبط مصطلح الكرامة بالثورة التونسية على اعتباره احد مسمياتها – ثورة الكرامة -التقرير المشترك بين" لجنة التشريع العام ولجنة الحقوق والحريات بالمجلس الوطني التأسيسي" بتاريخ اوت 2013  صفحة 5 منشور بموقع المجلس الوطني التأسيسي   http://www.anc.tn/site/main/AR/docs/rapports/rap_comm_12_27_2013.pdf