تم إقرار مسودة الدستور المصري الجديد بعد استفتاء يومي 14 و15/1/2014. ولعل المشهد الأبرز خلال طوابير الاستفتاء كان توافد النساء على اللجان الانتخابية بأعداد تفوق الرجال. وحلل البعض ذلك بإقرار الدستور حقوق المرأة كاملة، فهل كرّس فعلاً الدستور المصري حقوق النساء وفق ما تطمح اليه؟

خطوات إيجابية نحو إقرار المواطنة وحقوق المرأة
تضمّن دستور 2013 موادَّ تقرّ المواطنة والمساواة بين المواطنين المصريين وتجريم التمييز، وهو الأمر الذي تستفيد منه بطريقة مباشرة المرأة المصرية. فقد نصّت المادة الأولى من الدستور على أن نظام الدولة يقوم على "أساس المواطنة"، كما تلزم المادة التاسعة الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين المواطنين دون أي تمييز. كما تم لأول مرة، اعتبار "إرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز" من أهداف التعليم[1] وقد نتج منه النص على تدريس الجامعات لحقوق الإنسان[2]؛ وهو الأمر الذي يترتّب عليه إنشاء جيل يحترم حقوق المرأة ويقوم على المساواة والمواطنة الحقيقية.

وقد عرفت المادة 53 التمييز الذي جُرّم في العديد من مواد الدستور أنه التمييز الحاصل "بسبب الدين أو العقيدة أوالجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو الموقع الجغرافي أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو لأي سبب آخر". وهو الأمر الذي طالبت به العديد من المنظمات النسائية في الدستور السابق ولم يتحقق. وفي استجابة أخرى لمطالب المنظمات النسائية، تم النص في المادة 93 من الدستور على أن "تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقررة"، وهو الأمر الذي يضمن التزام مصر باتفاقية "القضاء على كل أنواع التمييز ضد المرأة" (السيداو) وغيرها من الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة التي صدقت عليها مصر دون المواد التي تحفظت عليها، كما تفتح الباب بنص دستوري بإثارة هذه المواد أمام المحاكم المصرية المختلفة من قضاء عدلي وقضاء إداري وقضاء دستوري. ولكن تقبل هذه المادة النقد في كونها وضعت المعاهدات والمواثيق الدولية في مكانة القوانين، وليس فوق القوانين؛ فالمتعارف عليه في معظم دول العالم أن المعاهدات والمواثيق الدولية يكون لها قوة الدستور أو تكون في مكانة "فوق قانونية"، وبعض الدول تكون لها مكانة "فوق دستورية". الأمر الخطير في وضعها في مكانة القانون أنها تخضع لقاعدة أن "التشريع اللاحق يعدل ما سبقه" أي أنه إذا صدر قانون يعدل في الحقوق والحريات الواردة في هذه الاتفاقيات أو المواثيق، يقوم القاضي بتطبيق القانون الجديد ويعتبر ان ما سبقه لم يعد ساري المفعول.
 
إعلان المساواة بين المرأة والرجل: هل تدخل المرأة الى القضاء؟  
فيما لم ينص دستور 2012 السابق على المساواة بين المرأة والرجل، نص دستور 2013 على المساواة في نص صريح على "تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقاً لأحكام الدستور. وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها. وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل. كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد احتياجاً".[3]

وتعدّ هذه المادة انتصاراً كبيراً للمرأة المصرية بعد تهميشها في دستور 2012. فقد نصّت المادة صراحة على المساواة بين المرأة والرجل في كل الحقوق، وهو الأمر الذي لطالما نادت به النساء المصريات. بالإضافة الى ذلك، نصت المادة على "كفالة" الدولة لحق المرأة في تولي المناصب العليا في الدولة وتعيينها في الجهات والهيئات القضائية، وهو الأمر الذي يلزم الدولة "بالتزام نتيجة" أي على الدولة أن تفتح الباب للتقدم لهذه الوظائف للمرأة دون أن يتم رفضها على أساس "الجنس". وقد جاءت هذه المادة بعد سنوات من المطالبة بتولي المناصب العامة والقضاء، إذ كانت المرأة تُمنع من تولي المناصب العامة والقضاء في الجهات القضائية والنيابة العامة دون أي سند قانوني لذلك[4]. والجدير بالذكر أن الفتوى التي أصدرها مفتي الجمهورية الدكتور شوقي علام، أثناء المناقشات الدستورية، بجواز تولي المرأة القضاء والولايات العامة في الدولة طبقاً للشريعة الإسلامية[5]، قد مهدت لإقرار هذه المادة في الدستور.

الى جانب ذلك، نصت المادة على "التزام الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف" وهو الالتزام الذي يأتي في ضوء ارتفاع معدلات التحرش والاغتصاب بعد الثورة، وارتفاع معدل الانتهاكات التي قامت بها الدولة ضد المرأة. ونذكر هنا على سبيل المثال كشوف العذرية التي قام بها المجلس العسكري خلال عام 2011، ومناقشة إلغاء تجريم ختان الإناث في البرلمان السابق وغيرها من التدابير التي تدخل ضمن إطار "العنف ضد المرأة". ويترتب على تلك الفقرة ضرورة اتخاذ خطوات جدية وإصدار تشريعات لتجريم العنف ضد المرأة بكل صوره وكف يد السلطات، خصوصاً الأمنية منها، عن القيام بانتهاكات ضد المرأة.
 
حق المرأة في إعطاء جنسيتها لأولادها: حق دستوري
في خطوة لتطبيق مبدأ المساواة، نصت المادة السادسة من الدستور المصري على "الجنسية حق لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية والاعتراف القانوني به ومنحه أوراقاً رسمية تثبت بياناته الشخصية، حق يكفله وينظمه القانون. ويحدد القانون شروط اكتساب الجنسية"، وقد كرّست هذه المادة حق المرأة في إعطاء جنسيتها لأولادها والذي كانت قد حصلت عليه في تعديل قانون الجنسية في عام 2004. وقد أقرت هذه المادة، بما لا يدع مجالاً للشك أو الجدل، أن جنسية الأولاد من أم مصرية هى جنسية "أصيلة" تستند الى حق الدم وليست جنسية مكتسبة، وبناءً عليه يتم إقرارها عند الميلاد دون الحاجة لإجراءات أو موافقة وزارة الداخلية[6]، تماماً كما هو وضع الأطفال من أب مصري.

الجدير بالذكر، أنه قد ترددت شائعات خلال فترة انعقاد البرلمان السابق تفيد بوجود نية لتعديل قانون الجنسية لسحب حق المرأة في إعطاء جنسيتها لأولادها، في إطار تعديل كل القوانين التي منحت المرأة مكاسب خلال عصر الرئيس الأسبق مبارك بزعم أن هذه القوانين قد تمت بالمخالفة للشريعة الإسلامية. وقد أغلقت هذه المادة الباب أمام أي محاولات من هذا النوع لتعديل القانون.
 
الكوتا: ممنوعة في المجلس النيابي، مكفولة في المجالس المحلية
رغم مطالبة العديد من المنظمات النسائية بإقرار "كوتا" للمرأة في البرلمان، رفضت لجنة الخمسين إقرار "كوتا" لأي فئة مجتمعية أو طائفة دينية في المجلس النيابي، واكتفت بالنص في المادة 11 على الآتي: "تعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون". وبناءً عليه، ألزم الدستور الدولة "بالتزام بذل عناية" عند وضع قانون الانتخاب من دون أن تكون بالضرورة ملزمة بتحقيق هذا التمثيل. وبذلك، بإمكان القانون أن ينص على إدراج المرأة على القوائم الانتخابية، أو إدراجها على الثلث الأول من القائمة إذا تمت الانتخابات بنظام القوائم، ويكون بذلك قد عمل القانون على تمثيل المرأة دون أن يضمن ذلك ودون أن يقر كوتا.
في المقابل، أقر الدستور المصري كوتا للمرأة في المجالس المحلية المنتخبة هي "ربع المقاعد"[7]. وتعد هذه الخطوة إيجابية في طريق تحقيق تمثيل للمرأة في البرلمان، وتغيير الصورة النمطية للمرأة في المجتمع. فمن أسباب عدم تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً في مجلس النواب هو رفض قطاع من المجتمع المصري تمثيل المرأة له وقلة عدد النساء المعروفات لدى الناخبين في الدوائر الانتخابية. وبما أن المجالس المحلية تكون على علاقة مباشرة بالمواطن، ينتج من تمثيل المرأة فيها بناء قاعدة جماهيرية وتاريخ سياسي في "الدائرة الانتخابية" التي تنتمي اليها، ما يرتّب لاحقاً ارتفاع نسب انتخابها في مجلس النواب.
 
خاتمة:
إن الحقوق التي أقرها الدستور المصري الجديد للمرأة غير مسبوقة في الدساتير المصرية السابقة، ولكنها لا تعد، حتى الآن، إلا حبراً على ورق، ننتظر تطبيقه من خلال تشريعات تصدر قريباً وتدابير من الدولة تكفل هذه الحقوق. ولعل الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلتين أول اختبار لتطبيق هذه الحقوق، فلنراقب.

نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1] المادة 18 من الدستور المصري.
[2] المادة 20 من الدستور المصري.
[3] المادة 11 من الدستور المصري.
[4] راجع منة عمر، "المرأة في القضاء المصري: خطوات محدودة لا تصنع ربيعا"، نشر في العدد العاشر من مجلة المفكرة القانونية بتاريخ 31-7-2013.
[5] راجع منة عمر، "فتوى مفتي الجمهورية المصرية بجواز تولي المرأة القضاء: هل باتت المراجع الدينية أكثر حرصا على حقوق المرأة من الدولة؟"، نشر على موقع المفكرة القانونية بتاريخ 23-10-2013.
[6] راجع فتوح الشاذلي "بانتظار ما ستقرره مسودة الدستور المصري 2013: جنسية ابناء المصري المتزوجة من أجنبي في قانون2004 وتطبيقه"، نشر على موقع المفكرة القانونية بتاريخ 29-11-2013.
[7] المادة 180 من الدستور المصري.