بسهولة متناهية، تم ويتم تقييد حرية استخدام الدراجات النارية في لبنان او في مناطق منه. فيكفي ان تستخدم هذه الدراجة في اي حدث امني ليصبح اي قرار مبررا. لا بل ان مناطق عدة كصيدا يمنع فيها سير الدراجات النارية بشكل كامل لوجود شكوك في استخدامها في جريمة اغتيال القضاة الأربعةفي عام1999. بالمقابل، لا احد يعير ادنى انتباه الى المنافع التي قد تنتج عن استخدام الدراجات على صعيد توفير الطاقة او تخفيف التلوث او حل ازمات السير. كاتب المقال يطرح هنا سؤالا وجيها:لماذا تخاف الدولة من الدراجات النارية؟ (المحرر)     
سؤال وجيه يستحق التوقف عنده، لاسيما في ظل  الجهود المبذولة من قبل وزراء الداخلية المتلاحقين في السلطة منذ نهاية الحرب الاهلية اللبنانية من أجل منعحركة وسيلة النقل هذه او الحد منها على كامل الاراضي اللبنانية او على اجزاء منها.  مواجهةالدراجات النارية: سياسة الالغاء
اطلقت تلك السياسة حين عمدت وزارة الداخلية إلى منع سير الدراجات النارية اثناء اوقات المساء بموجب القرار رقم 528 تاريخ25/10/1995  الذي منع سير الدراجات النارية على مختلف انواعها في جميع المناطق اللبنانية ما بين الساعة السابعة مساء والساعة السادسة صباحا من كل يوم. وتم اعتماد نظام اصدار تراخيص لبعض الفئات المهنية من المجتمع كما لمن يستطيع ابراز اوراق عمل، يعطى من خلالها ترخيصا مؤقتا يسمح بالتجول بالدراجة النارية في اوقات الليل.
ومنذ ذلك الحين، تم التاكيد على هذا النهج السياساتي عملا بالقرار رقم 440 تاريخ 26/7/2001[1]، الذي عدل اوقات حظر سير الدراجات النارية في كافة المناطق اللبنانية لتكون فترة الحظر ممتدة من الساعة الثامنة مساء لغاية السادسة صباحا[2]، كما نشير الى قرار وزارة الداخلية رقم 1569 تاريخ 9-10-2009 الساعي الى "ضبطسير الدراجات النارية في مختلف الأراضي اللبنانية"، وصولا الى آخر قرار للوزير مروان شربل رقم 209/204 تاريخ 5-10-2011 الذي منع "سير الدراجات النارية ضمن نطاق بيروت الكبرى"[3].
وفي اعقاب اغتيال القضاة الأربعة في صيدا في 8-6-1999 على يد مجرمين صدف أنهم كانوا يركبون دراجة نارية، سارعت السلطات اللبنانية الى حظر سير الدراجات الناريةفيمدينة صيدا بشكل قطعي، اي انه تم حتى ابطال مفعول التراخيص الليلية في تلك المدينة التي باتت خالية من الدراجات النارية منذ ذلك الحين ولما يناهز عقدا ونيف.
وفي الوقت نفسه، "استعارت" بلدية بيروت بعض صلاحيات وزارة الداخلية في العام 2002 متجاوزة صلاحياتها كما حددها قانون البلديات، فيما قررت بدورها منع الدراجات النارية من "السير في شوارع العاصمة كافة باستثناء الدراجات النارية ذات الثلاث عجلات بسعة 250 س.س. على أن تكون تابعة لمؤسسات وليس لأفراد"[4]. وعدا عن ان قرارا مماثلا غير مشروع في طبيعته، فانه لم يتضمن حتى منظومة تراخيص للمهن التي تعتمد الدراجات النارية من انواع اخرى وكأن البلدية تطالب من الدراجين في بيروت استبدال دراجاتهم (الصغيرة كما الكبيرة) بأخرى ذات ثلاث عجلات من دون ايضاحات اضافية[5].
تدل كثافة الإجراءات التنفيذية العدائية تجاه الدراجات النارية خلال عقد ونصف على ما يقارب سياسة الغاء ضد وسيلة النقل هذه، وكأنها اصبحت بمثابة "العدو رقم واحد" للمجتمع اللبناني، بناء على توجه انطباعي عند عامة اللبنانيين بان الدراجات النارية مرتبطة حصرا بال"زعران" واللصوص وقطّاع الطرق. فالبارز في الأسباب الموجبة للقرارات المذكورة انها تشير الى "حرص على السلامة والنظام العامين، ونظرا لما تسببه طريقة سير الدراجات النارية ليلامن ازعاج للمواطنين وخطر على سلامتهم"[6]، كما تتطرق الى "تفاقم المشاكل التي تحدثها الدراجات من مخالفات سير وحوادث خطيرة واستخدامها وسيلة للسلب والنهب واقلاق راحة المواطنين والتحرش بالمارة"[7]. وبالتالي "يتعرض كل مخالف لأحكام هذا القرار إلى العقوبات التي ينص عليها قانون السير والقوانين والانظمة سارية المفعول"[8].
ويبدو تاليا ان الدافع الأمني هو الطاغي والاساس في تعاطي السلطات اللبنانية في موضوع الدراجات النارية، بحيث خضع جميع وزراء الداخلية، بمن فيهم الوزير زياد بارود[9] وهو الاصلاحي الناشئ من المجتمع المدني، الى فانوس الخطر المتمثل بها، وذلك بناء على توصيات كبار الامنيين في البلد الذين وجهوا السلطة التنفيذية نحو ابسط الحلول في معالجة المشاكل الناجمة عن سوء استخدام الدراجات النارية من قبل بعض المجموعات، وهو الحظر المطلق والقمع المستمر.
الحظر بدلا من التنظيم: الحل الأسهل
ومن هذا المنطلق، لا نخطئ القول بان العقلية الامنية تطغو في طرحالامور المتعلقة بالدراجات الناريةومعالجتها، ونستطيع تلخيص الموقف السياساتي من الدراجات النارية في البلد بتصريح وزير الداخلية الحالي مروان شربل الذي اعلن في تاريخ 15-7-2011 ان "الوزارة في صدد البدء، خلال ايام، بحملة أمنية شاملة لقمع مخالفات الدراجات، وهي ربما ستظلم اشخاصاً اوادم يلتزمون القانون، لكن لا بد منها لحل المشكلة المتفاقمة، لان اصحاب الدراجات هم اكثر المتسببين في حوادث السير، اضافة الى عمليات النشل التي يمارسونها في وضح النهار"[10].
غريب هذا النهج الحكومي الذي يجمع كل اصحاب الدراجات في قائمة النشالين، ويفضل الطرح الراديكالي عبر سياسة اضطهادية لقطاع كامل استنادا الى ظروف امنية غامضة ووصف غير دقيق للواقع وشرح غير علمي للموضوع. والا تسمح الامكانيات لدى ادارات وزارة الداخلية كما قوى الامن الداخلي من طرح حلول على هذا المستوى من دون اعلان الحرب على احدى الوسائل التي قد تساهم في مكان ما في فك ازمة السير في لبنان وعاصمتها بيروت ؟ بدلا من ذلك، تفضل الادارات الامنية عرقلة سير الدراجات النارية عن طريق مضاعفة المعاملات الادارية لاصحابها (طلبات تراخيص مؤقتة تجدد كل 6 اشهر) واعتماد اجراءات قمعية من دون أي تمحيص او تدقيق.
في العلوم الاجتماعية، تستند تلك الممارسات الى  نموذج "هوبز" (Hobbes)[11]المبني على تسليح الدولة بالمشروعية المطلقة في تحديد مصالح ابنائها، وهي من نظريات "الدولة القوية" التي باتت حلما لكل سياسي في لبنان. الا ان البحث عن هذه "الدولة القادرة القوية" ما زال ينتظر اتقان اصحاب السلطة لفنون التنظيم والتصنيف والتشريع الحكيمة. فلم يكن مفاجئا تراجع الوزير شربل عن قراره "الغامض" كما وصفه هو[12]، بعد مظاهرة واحدة جمعت مائة دراجا من الطريق الجديدة والضاحية في بيروت[13]، وبذلك يكون الوزير قد اصطدم  بظاهرة "المجتمع الأقوى" كما شرحها الباحث (Joel Migdal)[14]، فاجبر على تحديد اطار اجرائه القديم-الجديد في منح التراخيص المؤقتة وطوّر المنظومة الموجودة بنقطة واحدة وهي جعل الترخيص نافذا في بيروت على مدار الساعة وليس فقط في اوقات الليل، مما حصر حق التجول بالدراجات في بيروت لحاملي الترخيص والا يعتبر الدراج مخالفا للقانون. وستدخل هذه المنظومة الجديدة حيز النفاذ ابتداء من 1-1-2012، من دون ان يكون الوزير، العميد في قوى الامن الداخلي اصلا، قد غيّر شيئا في المسلك التقليدي للسلطة وعقليتها العسكرية المهيمنة، اذ الحظر يبقى هنا هو القاعدة، فيما ان  التنقل بحرية بواسطة وسيلة نقل سريعة ورخيصة وفعالة- هو الاستثناء. وكأنما اصحاب السلطة لا يرون او يدركون ان ابرام اجراءات غير قابلة للتنفيذ عموما وغير عادلة لا يؤدي الى تقوية دور الدولة بل الى اضعاف هيبتها وثقة الناس بها.
اعتماد دقة التصنيف والطرق العلمية في اتخاذ الاجراءات
والواقع ان على الدولة ان توازن ما بين الضرورات الامنية ووجوب احترام حقوق الدراجين ووقف تعريضهم للاعباء الادارية المزدوجة.  ففيما يتعين على وحدات الشرطة (خاصة دراجي قوى الامن) التشدد في ملاحقة الدراجين المخالفين لقانون السير، لاسيما في الشق الذي يشكل خطرا حقيقيا في مجال السلامة العامة كالتقيد باشارات السير والمرور واعتماد الخوذة، وهي من المهام الاساسية لوحدات مماثلة في اي دولة في العالم، تراها اليوم تكتفي بسياسة الحواجز الامنية المتنقلة لضبط وحجز الدراجات غير المسجلة وغير المرخصة من دون ايلاء اي اهتمام لمخالفات السير التي تحصل امام اعينها  من دون اي نوع من التدخل او المبالاة.
ولهو اجدى  بالدولة ان تعمل على حث الدراجين على احترام قانون السير على غرار ما فعلته لسائقي السيارات، الذين كانوا في غالبيتهم قد فقدوا حس التقيد بالاشارات في فترة ما بعد الحرب الاهلية وغياب منطق دولة القانون، من دون تقييد اصحاب الدراجات باعباء ادارية لا تحتمل. فالجهد الذي بذلته الدولة بالقرب من اصحاب السيارات استغرق سنوات، ولم تمنع ابدا سير السيارات بل احسنت في استخدام الادوات التقنية التي في جعبتها: حملات التوعية وقمع المخالفات عبر منظومة غرامات باتت فاعلة[15]. وبالتالي يجدر تطبيق المنطق ذاته على اصحاب الدراجات النارية وتوعيتهم على ضرورة احترام قانون السير وقمع مخالفاتهم في حينها وليس حين يقرر مجلس من الضباط على حملة قمع للدراجات، الامر الذي لم يردع اصلا ظاهرة السرقات ولا غوغائية سير الدراجات. في المقابل، كرّس فشل هذه الحملات مسلك الحظر الكامل والكلي لدى الدولة وهو سلوك يذكّر بالنهج الشمولي في ديكتاتوريات المنطقة. وفي ظل الربيع العربي وسقوط هذه الانظمة القامعة، على الدولة اللبنانية ان تتحمل مسؤولياتها تجاه مواطنيها وان ترتقي الى المستوى المطلوب من اجل ايجاد حلول ذكية وفعالة لمعالجة القضايا عن طريق اجراءات مدروسة ومبنية على تركيبة المجتمع وحاجاته، لا على مزاج الاجهزة الامنية.

نشر هذا المقال في العدد الثالث من المجلة الدورية للمفكرة القانونية.


[1]المعدل بالقرار رقم 584 تاريخ 5-9-2001 والقرار رقم 634 تاريخ 11-10-2001.
[2]كما في القرارات السابقة، استثني من هذا التدبير كل من الدراجات النارية العائدة للادارات والمؤسسات العامة، و وكالات الانباء والاعلام وشركات توزيع الصحف والمجلات والمؤسسات الخاصة، والمطاعم والمؤسسات السياحية التي تستعمل هذه الآليات لتسليم الطلبات والسلع وذلك بتراخيص استثنائية لا تتجاوز مدتها الستة أشهر.
[3]مبني على قرار مجلس الامن المركزي تاريخ 4-10-2011.
[4] القرار رقم 583 تاريخ 13/8/2002.
[5] لم تستطع البلدبة تطبيق القرار على ارض الواقع فتراجعت عنه في الاسابيع التالية.
[6] مقتطف عن قرار وزارة الداخلية رقم 528 تاريخ 25-10-1995.
[7] مقتطف عن قرار المجلس البلدي لمدينة بيروت رقم 583 تاريخ 13-8-2002.
[8] مقتطف عن قرار وزارة الداخلية رقم 634 تاريخ 11-10-2001.
[9] قرار رقم 1569 تاريخ 9-10-2009 من أجل "ضبطسير الدراجات النارية في مختلف الأراضي اللبنانية".
[10] موقع www.tayyar.org، تاريخ 15-7-2011.
[11]HOBBES, Thomas. Le Léviathan, Traité de la matière, de la forme et du pouvoir d'une république ecclésiastique et civile (1651), Trad. Fr. par Philippe Folliot , Paris, 2005.
[12] "الاخبار" تاريخ 4-11-2011.
[13] "السفير" تاريخ 10-10-2011.
[14]MIGDAL, Joel. Strong Societies and Weak States, Princeton, Princeton University Press, 1988, 296 p.
[15] على سبيل المثال، اصدرت قوى الامن الداخلي اكثر من 35.000 ضبط مخالفة للسرعة لسائقي السيارات في العام المنصرم، سعيا لمعالجة المخاطر المميتة لهذه الظاهرة.