ضاقت السبل بمريم. دخل زوجها السجن بعدما ضُبط وهو يروّج المخدرات ويتعاطاها. ترك لها ابنة في السادسة من عمرها. لا منزل ولا راتب شهري، ولا عائلة قادرة على الوقوف بجانبها. قال لها والدها الفقير "تعي عيشي معنا، يلي بيصير علينا بيصير عليك". يقطن والداها في غرفتين وتوابعهما. يعمل والدها مياوماً ويعيل حفيدين تركهما شقيقها الذي توفي بمرض السرطان. مع العائلة يعيش شقيقها الثاني مع زوجته وطفل رضيع. وجدت مريم نفسها مضطرة وصغيرتها للعيش مع سبعة أشخاص في منزل لا تتجاوز مساحته الستين متراً.

قصدت إحدى مؤسسات الرعاية في منطقتها طالبة المساعدة لتعليم ابنتها وإعالتها. أخبرها المسؤول في المؤسسة أنهم مستعدون لقبول الفتاة إذا وافقت وزارة الشؤون الاجتماعية على طلبها. سُرّت مريم لاعتقادها أن معايير "الحالة الاجتماعية الصعبة" تنطبق عليها مئة في المئة. أضاف موظف الرعاية جملة صغيرة "بس البنت بدها تقعد داخلي بالمؤسسة"، وسكت.

لم تفكر مريم يوماً أنها ستضطر لسلخ ابنتها عنها لتعليمها. تعرف أنها فقيرة ومحتاجة وأنه لا يمكنها أن تتحمل كلفة تعليمها وتطبيبها. هي أساساً "تعض" على أوجاعها وأمراضها الكثيرة، ومع ذلك لا تملك قرشاً واحداً لتعرض نفسها على طبيب اختصاصي. ولكنها تعرف أنها مستعدة لاحتضان ابنتها وتربيتها والاهتمام بها. كان كلام موظف مؤسسة الرعاية واضحاً "لا يمكننا مساعدتك إذا لم تسكن ابنتك داخل المؤسسة، هذه شروط وزارة الشؤون الاجتماعية".

عاشت مريم مخاضاً عسيراً حتى أقنعت ابنتها بالعيش داخل المؤسسة الرعائية. ما هو إلا أسبوع واحد حتى انهارت الصغيرة. لم تتحمل "اليتم" الذي فرضته عليها سياسة دولتها التي وقّعت على اتفاقية حقوق الطفل في العام 1989وصادقت عليها في العام 1990. المادة التاسعة من الاتفاقية عينها تنص على واجب الدولة في تأمين رعاية الطفل داخل أسرته والحؤول دون سلخه عنها.

تشكل الحقوق الأساسية للطفل جزءاً أساسياً في نظام الرعاية الخاص بوزارة الشؤون الاجتماعية التي استحدثت قبل عشرين عاماً، بحيث يشكل انتهاك هذه الحقوق أو عدم تمتعه بها سبباً جوهرياً لتدخلها.
 
اقتصاد "تيتيم" الأطفال، ولا سياسة رعائية مكتوبة
تقول رئيسة مصلحة الرعاية الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية ندى فواز لـ"المفكرة القانونية" إن "الوزارة لا تمنح المساعدة في حالة مؤسسات الرعاية إلا للأطفال الذين ينامون داخل المؤسسات". وتستند هذه السياسة إلى الأسس التي وضعت مع إنشاء مصلحة الإنعاش الاجتماعي في العام 1959. وفعلاً، ووفق أحد المسؤولين في إحدى المؤسسات الرعائية، تتضمن مقدمة الاتفاق الذي توقعه الوزارة مع المؤسسة بنداً واضحاً عن وجوب "إيواء المسعَفين ورعايتهم".

وعليه، نجد أن السياسة الرعائية الرسمية، التي لم يطرأ عليها أي تغيير جوهري بالنسبة لتوجهها الأساسي حتى اليوم (في ما يخص شرط إبقاء الطفل داخل مؤسسة الرعاية لتغطيته) هي المنتهك الأول لحق الطفل في العيش ضمن أسرته. وتنتهك الدولة هذا الحق عندما تدفع العائلات إلى إسكان أبنائها "داخلي" في المؤسسات الرعائية، أو بكلمة أدق "تيتيمهم"، للحصول على مساعدة وزارة الشؤون.

وتؤكد فواز أنها طالبت عند استلامها مهام دائرة مؤسسات الرعاية الاجتماعية في العام 2000بنظام رعاية مكتوب، ولكن قيل لها إنه "لا يوجد نظام مكتوب". وتشير إلى أن وزير الشؤون الراحل الدكتور أسعد دياب حاول وضع أسس للرعاية الاجتماعية عبر تحديد مواصفات الفرد المسعَف ومؤسسات الرعاية في العام 2004. وعليه، وقع دياب القرار 121/1في العام 2004محدداً الفئات التي يحق لها الاستفادة من الرعاية الاجتماعية، كأفراد وليس كمؤسسات. ولم تؤد المعايير التي كرّسها القرار 121/1 إلى خفض أعداد الأطفال في المؤسسات برغم أنه خفّض سن المسعفين في فئة التدريب والتعليم المهني الخارجي إلى 18 سنة بعدما كان 23 سنة. وتعيد فواز عدم انخفاض الأعداد إلى ازدياد حالات الفقر بين الناس وتأزم الوضع الاقتصادي وتفشي البطالة وغلاء الأسعار، وتدني فرص العمل.

ومن المعلوم أن القرار المتعلق بالشروط الواجب توافرها في المؤسسات المتعاقدة لم يبصر بالمقابل النور، بسبب المعارضة الشرسة التي واجهها الوزير يومها من قبل بعض المؤسسات. يومها خرج "أرباب" هذه المؤسسات ليقولوا إن وزراة الشؤون تريد أن ترمي الأطفال في الشارع. ووفق دراسة أجرتها مؤسسة البحوث والدراسات مع "اليونيسف" حول دور المياتم، تبين أن "جميع المؤسسات الرعائية (المتعاقدة وغير المتعاقدة مع الوزارة) لا تملك أي ترخيص للعمل كمؤسسات رعائية إيوائية، بل لديها فقط علم وخبر  من قبل وزارة الداخلية كجمعيات اجتماعية".وهذا يؤكد الثغرة الكبيرة الناتجة من عجز الدولة عن فرض معايير تصنيف لهذه المؤسسات.

ويؤكد الباحث رضا حمدان، من فريق عمل مؤسسة البحوث والدراسات لـ"المفكرة" أنه "بخلاف الدول المتقدمة، ليس في لبنان  مؤسسات متخصصة تعمل وفق معايير ومواصفات واضحة لإيواء الأطفال، سواء على صعيد الموارد البشرية أو البنى التحتية وحتى التجهيزات".
ويتعزز الاعتقاد بدفع الدولة المواطنين إلى "تيتيم" أبنائهم للحصول على مساعدة وزارة الشؤون عندما نعود إلى أرقام الدراسة نفسها التي أنجزت في العام 2006-2007 والتي أشارت إلى وجود 23ألفاً و500طفل في المياتم. ويشكل هؤلاء ما نسبته 1.92في المئة من الأطفال في لبنان في الفئة العمرية من صفر إلى 18سنة. واللافت، وفق الدراسة، أن عدد الذين فقدوا أحد والديهم، من أطفال المياتم، لا يتعدى الألف وتسعة أطفال فقط، فيما هناك أربعة أطفال لا غير فقدوا الوالدين معاً، أي أن الأطفال في المياتم ليسوا أيتاماً.

وتتقارب هذه الأرقام مع أرقام العام 2014التي حصلت عليها "المفكرة"، والتي تشير إلى وجود 25ألفاً و714طفلاً داخل هذه المؤسسات. وتتراوح أعمار الأطفال من يوم واحد إلى 18  عاماً، وذلك استناداً إلى جدول المؤسسات الرعائية الاجتماعية المتعاقدة مع وزارة الشؤون لهذا العام.

وتتوزع العقود التي وقعتها وزارة الشؤون مع مؤسسات الرعاية للعام الحالي على 19ألفاً و360مسعَفاً من فئة رعاية عادية (سكن داخل المؤسسة وتعليم أكاديمي ورعاية صحية)، وخمسة آلاف و387تدريباً وتعليماً مهنياً داخلياً، و967طفلاً رضيعاً. ويضاف إلى هذه العقود مع مؤسسات الرعاية 12ألفاً و217مسعفاً من فئة تدريب وتعليم مهني خارجي، وألف و131مسناً. ويضاف إلى هؤلاء 12ألفاً و217مسعفاً في فئة التعليم والتدريب المهني الخارجي. وعليه، يبلغ مجموع عدد المسعفين الذين يستفيدون من الرعاية الاجتماعية على نفقة الوزارة في مؤسسات الرعاية 39ألفاً و57مسعفاً في 2014. وتتعدى كلفة تغطية هذه الخدمات الثمانين مليار ليرة لبنانية تدفعها الوزارة  لمؤسسات الرعاية، وفق ما أكدته فواز لـ"المفكرة". وهذه الكلفة هي غير الأموال التي تُدفع للمؤسسات الرعائية التي تهتم بالأشخاص من ذوي الإعاقة. وتشكل هذه الكلفة نحو ثمانين في المئة من موازنة وزارة الشؤون، وهو ما يحوّلها إلى مجرد صندوق بريد بين الدولة ومؤسسات الرعاية، كما وصفها وزير الشؤون السابق وائل أبو فاعور في أحد تصريحاته الإعلامية.

كيف يتم قبول المسعف؟
توضح فواز أن عائلة الشخص المطلوب إسعافه تقدّم طلباً في مركز الخدمات الاجتماعية التابع للوزارة في منطقتها. تقدم العائلة وثيقة وفاة في حالة اليتم أو وثيقة طلاق في حالة انفصال الوالدين، أو ورقة من مختار المحلة تفيد بفقر الحال. ومن المفترض أن تقوم مندوبة وزارة الشؤون في التحقيق بوضع العائلة وتوافر الشروط التي تخوّلها الاستفادة من تغطية وزارة الشؤون. ولكن فواز تؤكد أن عدد العاملات الاجتماعيات في الوزارة أصبح اليوم، بعد تغذيته بموظفين جدد، 75 عاملة اجتماعية لا يمكنهن تغطية احتياجات المراكز والجمعيات في كل لبنان. وعليه، تُعطى الأولوية للتدقيق في وضع العائلات التي تطلب إيداع أكثر من ولد أو ولدين أو ثلاثة في مؤسسة رعائية، فيما يبدي مدير/ة مركز الخدمات رأيه/ا في حالة العائلة التي تقع ضمن نطاقها، على افتراض أنها تعرف بظروفها. وبعد قبول العائلة يتم تحويلها إلى مؤسسة متعاقدة مع الوزارة أو بناءً على طلب العائلة التي تختار مؤسسة تناسبها. وغالباً ما يكون تناسب المؤسسة مع العائلة مبنياً على أساس ديني وطائفي وحتى مناطقي.

ويمكن للمؤسسة الرعائية أن ترسل طلبات المواطنين إلى الوزارة، ولكن، وفق فواز، تعمد الوزارة إلى التدقيق فيها أيضاً وإجراء التحقيقات اللازمة حول وضع المطلوب إسعافهم.

ومن المفروض أن تحرص مندوبة وزارة الشؤون على مراقبة حسن تقديم خدمات المؤسسات الرعائية للمسعَفين، تحت طائلة فسخ العقد، وفق ما تؤكده فواز لـ"المفكرة". وتشير فواز إلى ان المندوبات الاجتماعيات ينفذن جولات دورية على مؤسسات الرعاية ويكتبن تقارير بالمخالفات، على أن تُرفع للمسؤولين في الوزارة لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

ولكن مستشاراً سابقاً لأحد وزراء الشؤون يؤكد لـ"المفكرة" أن لا معنى لأي تقرير عن مخالفة المؤسسات إذا لم تكن هناك إرادة سياسية بتنفيذ القانون". ويعطي المستشار السابق مثالاً عن تعميم شفهي أوصله أحد الوزراء من منطقة معينة للمندوبة الاجتماعية يفيد بعدم خطها أي مخالفة بحق مؤسسات محددة. وعليه، يسأل المستشار عن أي مراقبة يمكن للعاملة الاجتماعية أن تقوم بها في ظل أجواء وضغوط كهذه؟ ليقول من يجرؤ؟ وأي عاملة اجتماعية ستتمكن من مواجهة سطوة المؤسسات التي لم تتمكن الدولة من وضع معايير لتصنيفها، فأي معايير تراقب المندوبة؟
ويذكّر البعض بإقفال إحدى مؤسسات الرعاية العام الماضي بعد فضيحة انتهاكها حقوق الأشخاص المعوقين فيها، ليقولوا "أين كانت المندوبة الاجتماعية التي كان من المفترض أن تراقبها؟".

ويصل عدد المؤسسات الرعائية المتعاقدة مع وزارة الشؤون واستمرت عقودها هذا العام، بعدما أضيفت إليها مؤسسات جديدة، نحو مئتي مؤسسة.  ولدى التدقيق في هوية ونوعية المؤسسات الرعائية المستفيدة من عقود وموازنة وزارة الشؤون ،يتبين أن الغالبية الساحقة منها تنتمي أو ترتبط بالطوائف والمؤسسات الطائفية والمذهبية في البلاد.  والأهم أن معظم هذه المؤسسات هي عبارة عن مدارس خاصة تحت ستار الرعاية.
كما نلحظ زيادة في عديد المؤسسات الرعائية في منطقة هذا الوزير أو ذاك كلما تغيرت القوى السياسية التي تمسك بحقيبة الشؤون.

ولكن كيف تسير الأمور في المؤسسات الرعائية؟                       
يعكس وضع السياسة الرعائية الرسمية للدولة اللبنانية قيد التنفيذ والتجاوزات التي تعتريها عند أكثر من مفصل، "عفونة" هذه السياسة وعدم ملاءمتها لمعايير حقوق الطفل وعلى رأسها حقه بالعيش في كنف أسرته. كما يبين عن معارضة لهذه السياسة حتى بين من يطبقونها فعلياً، برغم عدم وجود إرادة سياسية جامعة لتغييرها لأسباب تتعلق بالمحاصصة الطائفية التي تحكم توزيع العقود. ويعتري تطبيق السياسة الرعائية الرسمية، في ما يخص مؤسسات الرعاية الاجتماعية، عدد من التجاوزات والمخالفات للعقود الموقعة بين الوزارة والمؤسسات الرعائية. بعض هذه التجاوزات ترتكبها بعض المؤسسات، والبعض الآخر يقوم به وزراء تعاقبوا على حقيبة الشؤون منذ إنشائها ولغاية اليوم. واللافت أنه جرت محاولات كثيرة لتعديل هذه السياسة، وبضغط من المنظمات الدولية لحقوق الإنسان والطفل، وعبر لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدة، ولكن من دون جدوى. فقد عبّرت اللجنة في العام 1998، لدى مناقشتها تقرير لبنان حول تنفيذ اتفاقية حقوق الطفل في جنيف عن "قلق عميق إزاء العدد الكبير للأطفال المودعين في المؤسسات الرعائية، بسبب مشاكل اجتماعية واقتصادية تؤثر على أسرهم، ودون الاستناد الى إجراء قضائي".

ويذكر أحد مستشاري وزراء الشؤون الذين تعاقبوا على الحقيبة لـ"المفكرة" أن الوزير يومها "كان همه الأساسي يتمثل في الحفاظ على التوازنات الطائفية للمؤسسات المتعاقدة مع الوزارة". وعليه، يتضح أن الهوية الطائفية للمؤسسة الرعائية هي المعيار الوحيد الواضح للتعاقد مع الوزارة، في ظل فشل كل المحاولات المتكررة لوضع معايير لتصنيف المؤسسات وتحديد الصالح منها للرعاية من عدمه.

ويقول أحد المسؤولين في مؤسسات رعائية لها تاريخ في تقديم الرعاية إن "مواصفات ومعايير التصنيف هي مطلب المؤسسات التي تحترم نفسها، لكي لا يذهب الصالح بعزاء الطالح". ويؤكد المصدر نفسه أن هناك مؤسسات متعاقدة مع وزارة الشؤون وموجودة على الورق فقط. 

ووفق معلومات "المفكرة"، تكمن المخالفات التي ترتكبها بعض المؤسسات في عدم تأمين رعاية شاملة للمسعف، وذلك عبر إرجاعه إلى عائلته بعد انتهاء الدوام المدرسي، أو مساءً، خلافاً لما ينص عليه العقد، تحت "طائلة فسخ العقد مع المؤسسة"، وفق تعميم وقرار الوزارة. وتهدد الوزارة بفسخ العقد برغم أن إرجاع الطفل إلى حضن أسرته، إذا لم يكن معرّضاً لأي نوع من أنواع الخطر في كنفها، يصبّ في الغالب في مصلحته الفضلى.

كما تعمد مؤسسات أخرى، وخصوصاً المؤسسات التي تؤمن التعليم والتدريب الخارجي للمسعَفين، على استيفاء رسوم إضافية من العائلات برغم عقدها الموقع مع وزارة الشؤون.

تقول فواز إن هناك عائلات لا تقبل بوضع أبنائها "داخلي"، وعليه ترفض مساعدةَ أولادهم بعضُ المؤسسات التي لا تريد مخالفة شروط العقد مع الوزارة، مشيرة إلى أن "بعض المؤسسات لا تستفيد من عقودها كلها بسبب عدم توافر العدد الكافي من المسعَفين".

وتؤكد فواز أن أي شكوى ترد إلى الوزارة عن تخطي المؤسسات لهذا الشرط، أو أي تقرير تعده المندوبة الاجتماعية عن عدم مبيت المسعفين في المؤسسات، يستدعي اتخاذ وزير الشؤون تدابير بحسم جزء من المبلغ الذي تدفعه الوزارة للمؤسسة المخالفة. وتلفت إلى أن عدد المؤسسات التي لم يلتزم المسعفون فيها بشرط المنامة خلال العام الدراسي 2013قد بلغ 11مؤسسة موزعة على مختلف المناطق اللبنانية. وأكدت أن وزير الشؤون لم يعمد إلى فسخ العقد مع هذه المؤسسات بل عمد إلى حسم جزء من الكلفة اليومية المتوجبة على الوزارة للمؤسسة المخالفة.

وعلمت "المفكرة" من موظف في إحدى هذه المؤسسات المخالفة أن الحسم يراوح ما بين خمسين إلى 250ليرة لبنانية عن كل يوم لا يبيت فيه المسعف في المؤسسة. ويرى الموظف عينه أن بعض الوزراء  الذين تعاقبوا على حقيبة "الشؤون" يدركون صعوبة التزام العديد من المؤسسات بكامل شروط العقد، وعليه يغضون النظر عن بعض المخالفات نظراً لعدم قدرتهم على تغيير السياسة الرعائية الرسمية للدولة. وعلمت "المفكرة" أن هناك عقوداً وافق عليها بعض الوزراء مع مؤسسات رعائية اعترفت صراحة برفض العائلات في منطقتها إيداع أطفالهم في القسم الداخلي، طالبة الموافقة على التعاقد معها نظراً للحاجة الاقتصادية الملحة التي يعاني منها المواطنون. وكان لهذه المؤسسات ما أرادت، خلافاً للسياسة الرعائية الرسمية.

وبالنسبة للمؤسسات التي تتلقى مبالغ إضافية من أهالي الأولاد المسعفين، وخصوصاً في فئة التعليم والتدريب المهني الخارجي، حصلت "المفكرة" على كتاب وجهه أحد وزراء الشؤون الاجتماعية إلى جميع مؤسسات الرعاية يطلب فيها الالتزام بتطبيق كامل مندرجات عقد اتفاق الرعاية، لا سيما المادة الرابعة منه، والتي تمنع استيفاء أية رسوم إضافية من المسعفين، تحت طائلة فسخ العقد. وأكدت فواز أنه لم يرد إلى المصلحة أي شكوى خطية من أي ولي أمر بهذا الخصوص خلال العام الدراسي الماضي. ولفتت إلى ورود بعض الاتصالات الشفهية وتمت متابعتها ليتبين أن المؤسسات تستوفي تسجيل وثمن كتب وقرطاسية وزي مدرسي وعدة ومواد للتعليم المهني. كما تبين، وفق فواز، أن المؤسسة تطلب استيفاء أقساط كانت مستحقة على الأهل قبل أن يكون ولدهم مسعفاً على نفقة الوزارة. لكن، ولدى التدقيق في المادة الرابعة من العقد الموقع بين المؤسسة والوزارة، نجد المادة الرابعة أنها تحظر بوضوح على المؤسسة مطالبة الأهل أو المسعف بأي بدل كلفة أو تأمين أي نوع من الخدمات والتجهيزات الضرورية للرعاية. فهل يقع التسجيل والكتب والقرطاسية والزي المدرسي ومواد التعليم المهني خارج التجهيزات الضرورية للرعاية، خصوصاً إذا ما كانت من فئة التعليم والتدريب المهني الخارجي؟ وتدفع وزارة الشؤون على فئة التعليم المهني الخارجي مليوناً و368ألفاً و750ليرة لبنانية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن العديد من مؤسسات الرعاية الاجتماعية تستفيد من الدولة عبر ثلاث وزارات هي الشؤون والصحة والتربية. تأخذ هذه المؤسسات بدل رعاية من وزارة الشؤون، ثم ترسل الأطفال إلى مدارس رسمية على نفقة وزارة التربية أو تتلقى على كل تلميذ منهم مساعدة الدعم التربوي التي تمنحها وزارة التربية للمدارس الخاصة المجانية (ومعظمها طائفي أيضاً) كما تطبب الأطفال على نفقة وزارة الصحة، سواء في مراكز الرعاية الصحية الأولية أو في المستشفيات.

وعلمت "المفكرة" أنه جرت محاولات لوقف هذه المزاريب، ولكن، وبضغط من "اللوبي" الطائفي الذي تنتمي إليه الغالبية الساحقة من هذه المؤسسات، دُفنت المحاولات في مهدها بذريعة أن الكلفة اليومية التي تدفعها وزارة الشؤون هي دون الكلفة الحقيقية المقدرة بموجب سعر لجنة تقدير الكلفة. وعليه، تُركت المؤسسات لتستفيد من الدولة عبر ثلاث وزارات، عدا التبرعات ونظم تكفل الأطفال المعتمدة، ومصادر التمويل التي تحصل عليها من جهات محلية وعربية ودولية.  

نشر في العدد الرابع عشر من مجلة المفكرة القانونية