سلامة الإنسان، مفهوم كان قد افتقده القانون اللبناني على أثر ما شهده من قضية "مؤمن" الذي دار به والده على أبواب المستشفيات في طرابلس قبل أن يفارق الحياة بعد رفضها استقباله، الى قضية منال عاصي التي قُتلت بعد تعنيف وحشي على مرأى عائلتها. إلا أنه بعد صدور قرارين عن قضاء الأمور المستعجلة، الأول بتاريخ 29/11/2013 عن محكمة التمييز والثاني بتاريخ 5/12/2013 عن قاضي الأمور المستعجلة في المتن، تحتل سلامة الإنسان مكانتها على رأس الهرمية القانونية بالنسبة الى العلاقات الزوجية والتعاقدية.
 
سلامة الإنسان بمواجهة العنف الأسري 
بتاريخ 8/5/2012، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في المتن رالف كركبي أمراً على عريضة[1] قرر بموجبه منع الزوج السابق لمستدعية الطلب من الدخول الى المنزل الذي تسكنه مع ابنتها بعد صدور قرار مبرم ببطلان زواجهما. وكانت مستدعية الطلب قد عرضت أنه على أثر الخلافات الزوجية، غادرت المنزل الزوجي لتستقل هي وابنتها في منزل في المنصورية، إلا أن زوجها السابق كان يقصد الشقة ويدخلها ويتهجم عليها وعلى الابنة ويتعرض لهما بالضرب، وقد برزت تقارير طبية وصور عن التحقيقات والشكاوى الجزائية العالقة بينها وبينه.
 
تبعاً لذلك، قدم الزوج السابق اعتراضاً على الأمر على عريضة طلب بموجبه وقف تنفيذه وبالنتيجة إبطاله، ألا أن قاضي الأمور المستعجلة في المتن في هيئتها الثانية أنطوان طعمة رد طلب وقف التنفيذ بتاريخ 24/5/2012 "بالنظر الى مجمل المعطيات المعروضة، ولا سيما وجود خلافات زوجية نتج منها حكم بإبطال الزواج، ووجود شكاوى جزائية تتعلق بالضرب والإيذاء".
 
فاستأنف الزوج السابق قرار رد طلب وقف التنفيذ أمام محكمة الاستئناف، مدلياً بأن ملكية الشقة موضوع النزاع تعود له بعدما نظمت له المستدعية عقد بيع بموجب وكالة غير قابلة للعزل كانت قد استحصلت عليها من والدتها. وبالرغم من الخطر الداهم على حياة الزوجة السابقة وحياة ابنتها وإدلائها بأن عقد البيع هذا كان صورياً، واحتجاجها بوكالة غير قابلة للعزل قد نظمها لها زوجها السابق في ما يتعلق بالشقة المذكورة ووجود دعاوى عقارية بينها وبينه في هذا الخصوص، أصدرت محكمة الاستئناف بتاريخ 23/9/2013 قراراً بقبول الاستئناف في الشكل وفي الأساس وبفسخ القرار المستأنف ووقف تنفيذ القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في المتن بتاريخ 8/5/2012 المعترض عليه لحين البت بالاعتراض أساساً.

فبعدما لحظت المحكمة تضارب حق كل من الفريقين"وفقاً للظاهر (...) بإشغال الشقة في وقت واحد"، عادت ورجحت حق الزوج السابق بعدما اعتبرت أن "حق المستأنف (أي الطليق) الذي يمتلك سند تمليك هذه الشقة، جدير أيضاً بالحماية انطلاقاً من مبدأ سيادة حرية المالك على ملكه، فإن منعه من الانتفاع بملكه يتعارض مع مبدأ حقوق الملكية المكرّس في الدستور والقوانين المختصة وإن وجود نزاع حول ثبوت الملكية لا يحول دون تمكين المالك الظاهر من الانتفاع بملكه".

والبارز في القرار استبعاده للخطر الداهم الذي يحدق بالزوجة السابقة، واصفاً إياه بـ"التذرع بأعمال وأفعال تعدّ من فريق على آخر داخل الشقة" الذي "لا يبرر منع أحدهما من الدخول اليها"، لا بل إن المحكمة ذهبت الى حد مناشدة "الفريق المتضرر مراجعة المراجع المختصة للحصول على الحماية أو الملاحقة في حال وقوع أي حادث". وقد بدت المحكمة بذلك وكأنها تناست أن لجوء المستدعية اليها هو من باب اللجوء الى "المرجع المختص للحصول على الحماية"، ما دام قضاء الأمور المستعجلة هو الوحيد صاحب الصلاحية بموجب المادة 589 أ.م.م. لاتخاذ "جميع التدابير المؤقتة والاحتياطية التي من شأنها حفظ الحقوق ومنع الضرر"، وأن لا اختصاص لأي مرجع قضائي آخر لمنع الزوج السابق من دخول الشقة والتعرض لعائلته، مع الإشارة في هذا الصدد الى أن المستدعية قد سبق لها أن توجهت الى المحاكم الروحية والعقارية والجزائية وأنها في معرض نزاعات قضائية طويلة بوجه هذا الأخير.
 
بالطبع، إن موقف محكمة الاستئناف شديد الخطورة، إذ إنه يقفل الأبواب لتدخل قضائي وقائي وتدبير حماية، فيفرض على المستدعية انتظار "وقوع حادث" لربما مقتلها قبل أن يتدخل القضاء لتسوية الوضع. ومن حسن حظ هذه الأخيرة، لم تشارك محكمة التمييز محكمة الاستئناف في تحليلها، فبادرت الى نقض القرار مذكرة من جهة بأن دور قضاء العجلة هو البت في مسألة أحقية الإشغال لاتخاذ القرار الملائم في ظل إعلان بطلان الزواج، ومن جهة أخرى على سبيل الاستفاضة "أن سلامة الإنسان تعلو كل اعتبار، وأن التعدي من فريق على آخر يبرر في المبدأ منع الاحتكاك المؤدي الى وقوع الضرر".
 
ولعل أبرز ما تعاني منه المرأة في ظل النزاعات الزوجية هو تشتتها بين عدة محاكم. فمع التعددية التشريعية والقضائية، يغيب المرجع الواحد الذي يمكن أن تلتجئ اليه المرأة لحمايتها على كل الصعد المعنوية والمادية، وهذه هي معضلة قوانين الأحوال الشخصية في لبنان، إذ إنه، حتى ولو نجحت الزوجة  في التحرر من الرابطة الزوجية أمام المحاكم الدينية، فهي تبقى رهينة لإرادة وسلطة الزوج نتيجة خضوعها لتبعية مالية ومادية في غياب أي نظام ملكية مشتركة يؤمن لها مسكناً آمناً ومستقلاً وموارد مالية لمعيشتها، لا بل عليها مراجعة المحاكم الجزائية في حال تعرضها للضرب والإيذاء والتي لا تعالج المسألة ولا تعاقب إلا بعد وقوع الضرر، والمحاكم العقارية إذا احتفظت بملكية أموال غير منقولة.      
وفي انتظار إقرار القانون لمواجهة العنف الأسري وإدراج آليات وقائية لحماية المرأة المعنفة، لا يسعنا إلا الترحيب بخطوات قضاء الأمور المستعجلة الذي يذكر بالبديهي: أن سلامة الإنسان هي فوق كل اعتبار.
 
سلامة الإنسان في مواجهة القوة الإلزامية للعقود 
بتاريخ 5/12/2013، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في المتن أنطوان طعمة حكماً قضى بإلزام شركة بإخلاء مركز غسيل الكلى الذي كانت تشغله لدى مستشفى بموجب عقد إدارة واستثمار، وذلك بعدما تحقق من المخاطر الناجمة عن إشغالها للمركز على سلامة المرضى، وهي مخاطر تبرر قيام المستشفى بإلغاء العقد بإرادته المنفردة. 

والبارز في الحكم المذكور إقراره حق متعاقد (المستشفى) بإلغاء العقد بإرادته المنفردة بغياب أي بند إلغاء حكمي، وذلك خلافاً لنص المادة /241/ من قانون موجبات وعقود الذي يوجب في هذه الحالة اللجوء الى القضاء لإلغاء العقود، تمكيناً للمدين من إثبات التزامه بموجباته التعاقدية. ومن هذه الزاوية، شكل هذا الحكم سابقة في المشهد القانوني اللبناني، مع التأكيد على وجوب حصر إعطاء هذا الحق بتوافر "الحالة الاستثنائية وضروراتها". وتجدر الإشارة الى أن القاضي انتهى الى انطباق شروط الحالة الاستثنائية على القضية المعروضة عليه، بعدما تحقق من خطورة الإخلال بالالتزامات التعاقدية مستنداً الى التقارير الطبية والتقنية المبرزة في الملف والتي تثبت تعطيل عدد من الآلات وسوء صيانتها، بالإضافة الى حادث تعرض له طفل مريض كاد أن يؤدي الى وفاته نتيجة عطل في الآلة. ففي ظل معطيات كهذه، يكون "الإلغاء بموجب الإرادة المنفردة من حيث الظاهر، مبرراً إن لم نقل واجباً، ويكون واقعاً في موقعه القانوني الصحيح، لا سيما أن سلامة الإنسان وحياته هما فوق كل اعتبار، وأن حجم الضرر المراد تلافيه من خلال الإلغاء من طرف واحد يبرر الخروج عن القاعدة القائلة بوجوب إلغاء العقد بحكم يصدر عن قاضي الأساس".
وبمراجعة القانون المقارن، يسجل أن المحاكم الفرنسية كرّست حق المتعاقد بإلغاء العقد بالإرادة المنفردة في حالات معينة، أولاها عقود العمل قبل التوسع الى حالات العجلة القصوى والضرورة الملحة ومن ثم وفي المرحلة الأخيرة الى جميع الحالات التي يتبين منها تصرف خطير ناجم عن الفريق المتعاقد[2]. وقد فسّر البعض في فرنسا على أن هذا التطور يعتمد على رؤية اقتصادية للقانون فيشجع النظرية المعتمدة في الأنظمة الأنغلو-ساكسونية من الفسخ المسبق والفعال للعقود لدواع اقتصادية بحتة، حيث إنها قد تحث البعض على اللجوء الى فسخ العقد ما قبل أوانه حين يتبين أن للفسخ منافع مادية تتعدى تنفيذه. واللافت هنا، أن يكون مدخل القضاء اللبناني الى تطبيق هذا الاجتهاد هو مبدأ سلامة الإنسان فوق كل اعتبار، وذلك بعد أيام من القرار الصادر عن محكمة التمييز في قضية عنف جندري والمشار اليه أعلاه، والآيل الى تكريس المبدأ نفسه.
 
  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا

نشر في العدد الرابع عشر من مجلة المفكرة القانونية 

[1]وهو أمر يصدره القاضي بناء على طلب المستدعي حماية للحقوق وقبل الاستماع الى خصمهويكون قابلا للاعتراض من قبل هذا الأخير أمام المرجع القضائي الذي أصدره (المحرر).
[2]عن هذا التطور والنقاش الفقهي في فرنسا:
Ch. Jamin, Les sanctions unilatérales de l'inexécution du contrat : trois idéologies en concurrence, in Ch. Jamin et D. Mazeaud, L'unilatéralisme et le droit des obligations : Economica 1999, p. 71. – L. Aynès, Ph. Delebecque et Ph. Stoffel-Munck, in Rupture unilatérale du contrat : vers un nouveau pouvoir : Dr. et patrimoine 2004, n° 126, p. 55. – S. Amrani-Mekki, La résiliation unilatérale des contrats à durée indéterminée : Defrénois 2003, p. 369. – Van Vai Do et Chang, La résolution unilatérale du contrat en droit français : vers une harmonisation au sein de la Cour de cassation : LPA 9 avr. 2004. – Ph. Chauviré, Quelle sanction pour la rupture unilatérale du contrat en l'absence de comportement grave ? : Rev. Lamy dr. civ. 2010/75, n° 3951. – D. Mazeaud, L'introduction de la résolution unilatérale pour inexécution – Rapport français : RDC 2010, n° 3 ; La rupture unilatérale du contrat pour inexécution : Rev. Lamy dr. aff. 2010, n° 51, 2985, p. 121