في 16/1/2014، وتحت عنوان "شعارات الثورة المستمرة لا تشكل جرماً على جدران بيروت: حرية الغرافيتي في حمى القضاء مجدداً"، علّقت المفكّرة القانونية،على موقعها الإلكتروني، على القرار الصادر في 19/12/2013 عن محكمة الاستئناف الجزائية في بيروت، الغرفة العاشرة، المؤلّفة من الرئيس طنوس مشلب والمستشارين فاتن عيسى وألبير قيومجي، في القضية المقامة من النيابة العامة ضد الناشطين علي فخري وخضر سلامة، بتهمة "تخريب الساحات والطرق العامة وتعييبها". وقد قضى القرار بفسخ قرار القاضي المنفرد الجزائي في بيروت، وبقبول دفع المدعى عليهما الشكلي والرامي إلى عدم السير بالدعوى المقامة بوجههما. وكان قد تم تحريك الدعوى بعد توقيفهما من قبل عناصر الجيش اللبناني تبعاً لقيامهما في شهر أيار من العام 2012 برش شعار "الثورة مستمرّة" على أحد الجدران.

ومن الاطلاع على قرار محكمة الاستئناف المشار إليه أعلاه، يتبدّى أن المحكمة المذكورة قد سندت موقفها على اعتبارين اثنين هما :1- أن النيابة العامة لم تعط وصفاً للجنحة المدعى بها، 2- أن الأفعال الثابتة في التحقيقات الأولية لا تنطبق على نص المادة 750 عقوبات المدعى بها. وبالنتيجة، انتهت الى رد الدعوى لكون الفعل المدعى به لا يشكّل جرماً معاقباً عليه في القانون. وانطلاقاً من الأهمية التي احتواها هذا القرار، سنعمد هنا الى تسليط الضوء على الحجج والأسانيد التي اعتمدها مع توضيح أبعاد العبارات والمفاهيم التي احتواها وما اعتراها من غموض.
 
حين لا تصف النيابة العامة الأفعال المدعى بها:
ورد في القرار موضوع التعليق ما حرفيته: "وحيث، من جهة أولى، إن النيابة العامة لم تعطِ وصفاً للجنحة المدعى بها كما توجبه المادة 152أ.م.ج"التي نصت على وجوب تضمين الادعاء "وصفاً للجنحة المدعى بها ولمكان ارتكابها". مع ضم "التحقيقات الأولية والشكوى وجميع الأوراق التي تبرّر الملاحقة...".  ويسجل هنا أن المحكمة صرحت بخلو الادعاء من الوصف من دون تحديد المقصود بـ"وصف الجنحة المدعى بها".

ولإدراك أهمية القرار، من المهم الرجوع إلى الممارسات العملية للنيابات العامة في حالة الادعاء أمام القاضي المنفرد الجزائي والبيانات التي تتضمنها ورقة الادعاء الصادرة عنها في تلك الحالة، ومقارنتها بما تعتمده في ورقة الطلب الصادرة عنها والتي تدّعي بمقتضاها أمام قاضي التحقيق الأوّل سنداً للمادة 62 من قانون أصول المحاكمات الجزائية[1] التي هي تفرض أيضاً على النائب العام وصف الجرم المدعى به.
ففيما تأتي ورقة الادعاء أمام القاضي المنفرد الجزائي مقتضبة على الشكل التالي: "حضرة القاضي المنفرد الجزائي في... المحترم، ندعي بحق (كامل هوية المدعى عليه).... سنداً للمادة.... من قانون...."، تأتي ورقة الطلب أمام قاضي التحقيق وفقاً للنموذج الآتي: "أنه في (مكان وقوع الجرم) وبتاريخ لم يمر عليه الزمن، أقدم (المدعى عليه) على القيام... (سرد الوقائع الأساسية التي تبين العناصر الرئيسية للجريمة)، الجرم المنصوص عنه في المادة.... من قانون... وبعد الاطلاع على المواد 26 و59 و62 من أصول المحاكمات الجزائية ندّعي ونطلب إلى حضرة قاضي التحقيق الأول إجراء التحقيقات بحق المذكور عن الجريمة المذكورة أعلاه و....".  وعليه، ورغم التطابق في موجب النيابة العامة في تضمين ادعائه وصفاً للجرم في الحالتين، يتبيّن أن الورقة الأولى تخلو بالمقارنة مع ورقة الطلب من سرد الوقائع الأساسية التي تبيّن العناصر الرئيسية للجريمة، وتكتفي بذكر رقم المادة المدعى بها دون إظهار دور المدعى عليه ومساهمته في إحداثها، وهذا هو المقصود بوصف الجريمة المدعى بها، والذي عُرّف بأنه "الترجمة المادية للأفعال موضوع الملاحقة"[2].

وفي الحقيقة، أن في هذا النهج التمييزي ما يثير الدهشة، خاصة أنه ليس هناك ما يبرّر هذا التمييز على الإطلاق في كيفية الادعاء أمام مرجعين قضائيين. وبالتالي، فإن ما جاء به قرار محكمة استئناف بيروت موضوع تعليقنا لجهة الاستناد إلى هذا النقص بغية قبول الدفع الشكلي هو من الأمور الهامة التي من شأنها أن توجّه رسالة واضحة في سبيل تصويب عمل النيابات العامة في التعامل مع قضاء الحكم الذي له القول الفصل في الإدانة من عدمها.

ومع تأييدنا لما توصّلت إليه محكمة الاستئناف الجزائية في هذا المجال، فإننا نرى أيضاً أن الحيثية ذاتها تصلح للاستجابة إلى دفع شكلي آخر وهو دفع الفقرة (3) من المادة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، أي "الدفع بعدم قبول الدعوى لسبب يحول دون سماعها أو السير بها قبل البحث في موضوعها". فقد رأى الاجتهاد، أن هذا الدفع يرمي إلى عدم قبول الدعوى لسبب يحول دون سماعها أو السير بها قبل البحث في موضوعها، وأن هذا الدفع يفسّر في كونه وسيلة قانونية يتوسّلها المدعى عليه توصلاً إلى رد الدعوى العامة المساقة بحقّه لسبب عدم توافر شرط أو أكثر من الشروط القانونية اللازمة لسماعها من دون أن يحصل تعرض أو مس لأساسها أو للحق المتعلّق بها ومدى صحّته وقانونيته لجهة تحقّق عناصره المادية والمعنوية، وبعبارة مختصرة، لسبب انتقاص أحد الشروط القانونية لصحّة الدعوى[3].

وما يسمح بهذه القراءة، هو أن الاجتهاد اعتبر وصف الجريمة في الدعوى العامة من شروطها الجوهرية والتي يوجب إغفالها الامتناع عن السير بها، عملاً بالمادة 64 من القانون نفسه التي تنص على أنه: "له (أي لقاضي التحقيق) أن يقرر الامتناع عن التحقيق لعلة هذا العيب. على النائب العام، إذا لم يصحح العيب أن يستأنف قرار قاضي التحقيق أمام الهيئة الاتهامية"[4]. ومن هنا تبدو الأهمية الأولى للقرار موضوع تعليقنا، بحيث لم تجد المحكمة، إزاء خلوّ الادعاء من وصف للجرم، حرجاً من الاسترشاد بالمادة 64 التي تتصل بقضاة التحقيق ولو مستتراً، لتخلص الى رد الدعوى لانتفاء الكيان القانوني للادعاء دونما أي إجراء آخر. وبالطبع، في هذه الحالة، لا يكون للنيابة العامة مجال لتصحيح ادعائها لعدم وجود نص قانوني يتيح لها ذلك في حال الادعاء أمام قضاء الحكم. 
 
حين لا تقع الأفعال محور التحقيق الأولي تحت أي نص جزائي:
في هذا المجال، وبعدما بيّن القرار أن "الأفعال الثابتة بمحاضر التحقيق الأولي هي قيام المستأنفين بطلاء بعض الشعارات على حيطان أبنية خاصة"، خلص الى القول بأن هذه الأفعال "لا تنطبق بأي وجه من الوجوه على نص المادة المدعى بها" أي المادة 750 التي تعاقب "تخريب الساحات والطرق العامة وتعييبها". وتمهيداً لرد الدعوى على أساس الدفع بأن الفعل المدعى به لا يشكّل جرماً، أورد القرار عبارة جد مقتضبة مفادها أن هذا الدفع ينطبق في حال "عدم وجود النص" أو "عندما تكون الوقائع بحسب ما يعرضها (أي الادعاء) لا تنطبق على نص يجرّمها".
ومن المعروف أن هذا الدفع، المنصوص عنه في الفقرة (4) من المادة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائية هو من أكثر الدفوع جدلية منذ إقرار قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديدة في العام 2001، وقد شهد نبذاً شبه تام من قبل المحاكم الجزائية الابتدائية والاستئنافية، الأمر الذي عطل مفعوله وجعله بدون أي طائل. وهذا ما دفع محكمة التمييز الجزائية، في غير قرار بليغ لها، إلى نقضه، موجّهة رسائل بليغة إلى سائر المراجع الجزائية من أجل إعماله.

ولمزيد من الإيضاح، نستعيد هنا ثلاثة قرارات صدرت عن محكمة التمييز الجزائية في هذا الصدد وهي تباعاً:
 
1-  قرار محكمة التمييز الجزائية، الصادر عن الغرفة الثالثة، المؤلفة من الرئيس عفيف شمس الدين والمستشارين الياس الخوري ومحمد مكي (مخالفاً)، في 16/5/2007. وقد أثار المدعى عليه في هذه القضية وجوب رد الدعوى المقامة ضده من والد زوجته بجرمي الخطف والاحتيال، لأن ابنة المدعي هي راشدة وقد تزوّجها المدعى عليه شرعاً وأصبحت زوجته[5]. وقد آل القرار الى نقض قرار الهيئة الاتهامية في جبل لبنان التي كانت قد ردت الدفع بعدما اعتبرت أنه ينطبق فقط في حال عدم ورود الفعل المدعى به في قانون العقوبات أو أي من القوانين الخاصة، وأنه خلافاً لذلك، فإن "جرمي الخطف والاحتيال (المدعى بهما في القضية المطروحة أمامها) هي جرائم معاقب عليها في حال توافر عناصرها".
وقد جاء في قرار محكمة التمييز "أن الفعل الذي لا يشكل جرماً ..هو الفعل المنسوب إلى المدعى عليه والذي يكون واضحاً وساطعاً من خلال الوقائع والمستندات المبرزة في الدعوى والأقوال الواردة في الشكوى أنه لا يقع تحت طائلة التجريم، سواء لكونه لا ينم عن عمل جرمي أم لكون النزاع يتسم بالطابع المدني..، وحيث إن تفسير هذا الدفع تفسيراً مغايراً، واعتبار كل ادعاء بمواد قانونية نص عليها قانون العقوبات، سواء ورد من المدعي الشخصي أو من النيابة العامة يجعل الفعل المنسوب إلى المدعى عليه يقع تحت طائلة التجريم من شأنه أن يعطل مفعول المادة 63 أ.ج ويلغي مضمون الفقرة 4 من المادة 73 أ.ج ويجعل قاضي التحقيق مقيداً بما يدعيه المدعي في شكواه والذي قد ينسب إلى المدعى عليه أفعالاً يلبسها الطابع الجزائي للنيل منه دون وجه حق وإلزامه بحضور جلسات التحقيق وما يتبعها من إجراءات حتى صدور القرار الظني، بينما تكون الأفعال المدعى بها خارجة عن نطاق التجريم، وحيث إنه ليس ما يمنع قاضي التحقيق، أو الهيئة الاتهامية من بعده، للتثبت من كون الفعل المدعى به لا يشكل جرماً جزائياً سنداً للمادة 63 أ.ج المذكورة أعلاه، من تفحص الأوراق والمستندات وأقوال المستمعين في التحقيق الأولي الذي تجريه الضابطة العدلية والتدقيق فيها، حتى إذا تبين من خلال الوقائع المعروضة أن الأفعال المدعى بها لا تشكل جرماً جزائياً يصار إلى وقف السير بالدعوى العامة ما دامت المعطيات واضحة ولا تحتاج إلى أي تحقيق".
 
2-  قرار محكمة التمييز الجزائية، الصادر عن الغرفة الثالثة، المؤلفة من الرئيس عفيف شمس الدين والمستشارين الياس الخوري ونبيل صاري، بتاريخ 13/2/2008[6]، والذي جاء بصورة مقتضبة إذ ورد فيه: "وحيث إنه وإن كان الدفع بأن الفعل المدعى به لا يشكل جرماً معاقباً عليه في القانون، يدخل، من حيث المبدأ، في أساس النزاع ويستدعي تحقيقاً لمعرفة ما إذا كان هذا الفعل لا يشكل ما يعاقب عليه القانون، إلا أنه عندما يدلي المدعى عليه بمدنية النزاع وتكون الوقائع الثابتة والأوراق المبرزة تحيط بكامل تفاصيل ودقائق النزاع وتظهر بوضوح وجلاء أن العلاقة هي بالفعل علاقة مدنية تخضع للقانون المدني، فليس ما يمنع من الأخذ بهذا الوضوح الساطع للقول بأن سند الدعوى لا يجعل منها نزاعاً جزائياً ما دام المدعي يستند إلى الوقائع والمستندات الواضحة ليدعي أمام المرجع الجزائي".
 
3-  قرار محكمة التمييز الجزائية، الصادر عن الغرفة الثالثة، الهيئة المؤلفة من الرئيس المنتدب الياس الخوري والمستشارين تيريز علاوي ونبيل صاري (مخالفاً) بتاريخ 26/11/2008[7]، ومن الملاحظ في هذا القرار هو استنساخه لما ورد في القرار الأول تاريخ 16/5/2007 واستناده صراحة إليه.
 
ولدى قراءة هذه القرارات، نلحظ أن ما خلصت إليه محكمة الاستئناف في قرارنا الراهن ينسجم كلياً مع قرارات محكمة التمييز في هذا المجال ويهيئ لسريان هذا التفسير على سائر المحاكم الجزائية.
 
وبذلك، شكل هذا القرار رغم صغر حجمه قراراً بليغاً من شأنه أن يصوّب عمل النيابات العامة التي غالباً ما تدّعي من دون أن تتكلف عناء وصف ما تدعي به، وأيضاً عمل العديد من المحاكم الجزائية التي تستمر في ملاحقة أفعال لا تقع بداهة تحت أي نص جزائي.

 نشر في العدد الرابع عشر من مجلة المفكرة القانونية 


[1]"على النائب العام أن يبيّن في ادعائه أمام قاضي التحقيق الأول وصف الجريمة وهوية كل من المساهمين في ارتكابها وأن يعين مكان وقوع الفعل الجرمي وزمانه وأن يحدّد طلباته ... على النائب العام أن يشفع ادعاءه بالأوراق والمحاضر والمستندات التي تؤيّده".
[2]د.نبيل شديد الفاضل رعد، الدفوع الشكلية في قانون أصول المحاكمات الجزائية (دراسة مقارنة)،الجزء الأول، الطبعة الثانية،بيروت 2009-2010،ص:473.
[3]محكمة التمييز الجزائية، الغرفة الثالثة، تاريخ 5/1/2003 ومحكمة التمييز الجزائية، الغرفة الثالثة، تاريخ 22/9/2005، المرجع كاسندر،9،2005،صفحة 1647-1648.
[4]د. نبيل شديد الفاضل رعد، الدفوع الشكلية في قانون أصول المحاكمات الجزائية، مرجع سابق،ص: 470-472؛ والجزء الثاني،ص. 938 هامش رقم (3).
[5]مجلة العدل، العدد 1، 2008، ص:401-402.
[6]مجلة العدل،العدد 2،2008،ص:874-875.
[7]مجلة العدل، العدد 3، 2009،ص:1299-1300