برزت مؤخرا مبادرات واقتراحات عدة ترمي الى توسيع دائرة التمييز الديني او المذهبي. واللافت ان هذه المبادرات تخرج هذه المرة من اطرها التقليدية (الطائفية السياسية او الإدارية، طائفية الأحوال الشخصية) لتطال ابرز القطاعات الإقتصادية حيوية، وعلى رأسها المصارف والإستثمارات العقارية والشركات. وإذا كانت بعض هذه المبادرات (مشروع الوزير بطرس حرب بشأن منع بيع العقارات المبنية وغير المبنية بين ابناء طوائف مختلفة غير منتمية إلى دين واحد) قد حظيت بتغطية اعلامية واسعة واكتسبت رمزية كبيرة، فإن بعضها الآخر قد تم تمريره او الإعلان عنه كبديل عن مبادرة حرب او كمخرج لها، من دون ان يتلقى اي انتقاد. وهذا ما يحاول المقال عرضه (المقدمة للمحرر).

بروتوكول القروض المصرفية على أساس طائفي:
تم توقيع هذا البروتوكول في شهر تشرين الثاني 2010، بين الهيئة التنفيذية للمجلس الأعلى لطائفة الروم الكاثوليك وثلاثة مصارف لبنانية تمنح بموجبه هذه الأخيرة قروضا لتغطية الأقساط الجامعية للطلاب "الكاثوليكيين" خلال فترة دراستهم على ان يتكفل المجلس الأعلى للطائفة بدفع الفوائد المترتبة عليها. ويلتزم المستفيد بتسديد هذه القروض بعد سنة من تخرجه. وتقتضي الإشارة الى ان تقديم الطلبات يتم مباشرة الى راعي الأبرشية حيث يقيم الطالب المعني او بواسطة لجنة التربية والثقافة في مركز المجلس الأعلى[1].
وبالطبع، يطرح هذا البروتوكول علامات استفهام حول مستقبل العمل المصرفي إزاء بوادر إدخال عنصر التمييز الطائفي إليه. فعدا عن ان المصارف الموقعة عليه ستعرض بنتيجته خدمات مخصصة لأبناء مذهب دون سواهم، فإن من شأنه ان يحفز طوائف اخرى على التعاقد مع مصارف مقربة منها للحصول على تسهيلات وخدمات مميزة لصالح أتباعها، وبوجه خاص الشباب، في مجالات التعليم او السكن او اي مجال حيوي آخر. ومن المعلوم ان اي تطور مشابه قد يشكل وسيلة اضافية لتأطير الشباب اللبناني ضمن النظام الطائفي وربما لتعزيز الزبائنية الطائفية، واللذين اثبتت تجربة ما بعد الحرب بوجه خاص سلبياتهما على مختلف الأصعدة.
 
من مشروع حرب الى مطالب بتوسيع اطار الشفعة:
أما المبادرة الثانية والأشهر، فهي مشروع القانون الذي تقدم به وزير العمل السابق بطرس حرب الى رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 29 كانون الأول 2010، والذي يرمي الى منع بيع العقارات المبنية وغير المبنية الكائنة في لبنان بين ابناء طوائف مختلفة وذلك لمدة خمسة عشرة سنة. ويشمل هذا المنع اشخاص الطوائف المعنوية والأشخاص المعنويين التابعين لهذه الطوائف، وأيضا الشركات العقارية التي تكون أسهمها اسمية "بحيث لا يجوز التفرغ عن اكثرية هذه الأسهم لمالكين من غير طائفة مالكيها" (المادة الثانية). بالمقابل، لا يشمل المنع الأجانب ولا ينطبق عند اختلاف المذهب بل فقط عند اختلاف الدين. وينص المشروع على مراعاة احكام قوانين الإرث للطوائف (المادة الأولى) التي تؤدي أصلا، من حيث النتيجة العملية وبشكل عام، إلى منع التوارث عند اختلاف الدين، ولو بين ابناء العائلة نفسها. ومن اهم الأسباب الموجبة التي تضمّنها المشروع "الحؤول دون ضرب صيغة العيش المشترك والوحدة الوطنية (...) والمحافظة على حق جميع اللبنانيين بالإقامة في ظل سيادة القانون، وفي مناخ عيش مشترك، ومنع التهجير والهجرة التي تفرغ لبنان من قواه الإنتاجية الشابة الذي هو بأشد الحاجة اليها، ومنع الفرز الطائفي والجغرافي والإجتماعي والسياسي والإقتصادي". كما يضيف النص اسبابا موجبة اخرى كالحؤول دون تشويه صورة لبنان التعددي ودون تقليص الإختلاط السكاني بين الطوائف ومناقضة ميثاق العيش المشترك وضرب التعددية، والقضاء على الحريات العامة، وتهديد وحدة الأرض ووحدة لبنان.
وهذا المشروع -الذي يؤدي هو الآخر الى تعزيز التمييز الطائفي- لقي انتقادات واسعة، بين معارض ومؤيد. ومن ابرز هذه الإنتقادات، الرأي الصادر عن هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل بتاريخ 10 شباط 2011[2] والذي آل الى اعلان عدم دستوريته. ولهذه الغاية، استندت الهيئة بشكل خاص الى مبدأ المساواة المكرس في المادة السابعة من الدستور وأيضا في عدد من المواثيق الدولية التي باتت تشكل جزءا لا يتجزأ من الدستور. وفيما تجاهلت الهيئة عددا كبيرا من الأسناد الدستورية الأخرى خصوصاً البندين (أ) المتعلق بوحدة الأرض والشعب و(و) بشأن النظام الليبرالي الحر والواردين في مقدمة الدستور، حرصت على التأكيد بأنه لا يجوز استخدام الشق الأخير من البند (ط) من هذه المقدمة والتي تنص على وحدة الأرض والشعب لتعليل المشروع، "لأن هذه القاعدة الدستورية تحكم القرارات السياسية والحكومية ولا تتناول نتائج التصرف بالحقوق الشخصية والإقتصادية للمواطنين"..
واصرار الهيئة على هذا الوجه بالغ الأهمية فهو يؤشر الى توجه نحو الحد من المحاولات الرامية إلى توسيع رقعة المجالات التي يتم اقحام الطائفية فيها. (وكان يستحسن ربما لو ابدت الهيئة ملاحظة مماثلة بشأن استناد المشروع الى الفقرة (ي) من مقدمة الدستور التي جاء فيها ان "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"). والواقع ان موقف الهيئة في هذا المجال يستدعي التوقف مليا: فكأنما اعتراضها يحذر ان من شأن تمرير مشروع قانون مماثل بحجة الحفاظ على وحدة الشعب، ان يؤسس لفئة جديدة من النصوص الطائفية والتي تكرس ما يمكن تسميته "الطائفية العقارية" مع ما يستتبع ذلك من تكريس للطائفية في السجلات العقارية وأقلامها (ولدى القيمين والمشرفين عليها) في حين ان الدستور يدعو الى ضرورة العمل والسعي الى تخطي الطائفية تدريجيا على مختلف الأصعدة. وما يزيد من اهمية هذا التحذير، هو ان مشروع القانون لا ينحصر في المجال العقاري، انما يمتد في اتجاه تأسيس طائفية مماثلة على مستوى الشركات والسجلات التجارية، طالما انه يمنع بالنسبة الى الشركات العقارية التي تكون اسهمها اسمية من التفرغ عن اكثرية اسهمها لمالكين من غير طائفة مالكيها كما اسلفنا، مما يوجب بحثا دؤوبا عن طائفة المساهمين فيها لمعرفة امكانية تملكها لعقارات او امكانية التفرغ عن اسهمها. كما يمنع الشركات غير العقارية من شراء الأملاك غير المنقولة ولو لحاجاتها الخاصة.   
كما رأت الهيئة ان تقييد حق الملكية العقارية[3] "يجب ان يتماشى ومتطلبات الصالح العام الذي لم يثبت حاضرا"، وذلك بخلاف تقييد اكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية والذي يستمد مشروعيته من مقتضيات المنفعة العامة ومن دون ان يصل بأية حال الى حد المنع. ويسطر هنا تشديد الهيئة مرتين على التوالي على خلو الأسباب الموجبة لمشروع القانون من مقتضيات الصالح العام او المنفعة العامة، او اقله تركيزها على عدم التناسب بين تقييد حق الملكية والغاية المرجوة منه.
ولربما هذه هي القاعدة التي حاول الزعماء الموارنة اظهار تقيدهم بها خلال اجتماعهم في بكركي مؤخرا[4]، من دون اعتماد آليات المنع. فقد سعوا، حسب صحيفة النهار، الى وضع ضوابط لبيوعات ذات طابع سياسي او طائفي في حال اختلاف الدين و/او سجل النفوس بين البائع والشاري، سواء لعقارات مبنية او غير مبنية، من خلال توسيع دائرة الحالات التي يطبق فيها حق الشفعة[5] الوارد في قانون الملكية العقارية[6] كما والأشخاص او الجهات التي يمنح لها. فتجوز ممارسة الحق المذكور لكل من المجلس البلدي المعني والمواطنين المسجلين في قيود البلدة من دين البائع و"الهيئات والأشخاص المعنويين من الدين نفسه" ومالكي الحصص من الدين عينه في "الشركات مالكة العقارات". وبطبيعة الحال لا يمكن التوسع في التعليق على الطرح الذي بحث في اجتماع بكركي في هذه المرحلة[7]، الا ان مجرد الإعلان عنه يشير الى ان المخاوف وراء مشروع حرب لم تطو مع هذا الأخير، بل هي ماضية في الحث على استشراف التشريعات التي يؤمل ان تخلو من اية شائبة قانونية او دستورية لا سيما لجهة التمييز الطائفي او المذهبي. ويلاحظ في هذا السياق ان الزعماء الموارنة هم الذين يقترحون اليوم توسيع اطار الشفعة الذي استمده القانون العثماني تاريخيا من المذهب الحنفي[8].

نشر هذا المقال في العدد الاول من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.

[1] راجع جريدة "النهار"، عدد 19-11-2010، صفحة "اقتصاد، مال، اعمال".
[2] كانت رئاسة مجلس الوزراء قد ارتأت بتاريخ 3 كانون الثاني 2011 احالة مشروع القانون على هيئة التشريع والإستشارات للنظر فيه وإبداء الرأي ليصار بعد ذلك إلى عرضه على مجلس الوزراء. ولقد نشرت جريدة "النهار" رأي الهيئة في 23 شباط 2011، ص.13
[3] المنصوص عليه في المادة 11 من القرار الرقم 3339 تاريخ 12-11-1930 (قانون الملكية العقارية)
[4] "النهار"، 6/6/2011، ص. "محليات".
[5] تم ذكر حق الشفعة في الأسباب الموجبة لمشروع بطرس حرب بإعتباره إحدى الوسائل التي تلجأ من خلالها بعض القوانين الوضعية للحد من "حرية التصرف المطلقة حماية للمصلحة العامة، او الإستقرار"، إلى جانب الإستملاك لمنفعة عامة (الذي لجأ إليه مؤخرا مجلس بلدية الحدت-سبنيه-حارة البطم عبر اتخاذه القرار رقم 153 م.ب. تاريخ 23 آب 2010 والقاضي باستملاك العقارات التي تشكل تلة مار مطانيوس الإستراتيجية "من اجل تنفيذ مشاريع بلدية ذات منفعة عامة" (بعيد بيع تلك العقارات والذي "يمكن ان يحدث فارقا نهائيا وتحولا ديموغرافيا وجغرافيا لمرة واحدة ونهائية") ("النهار"، 6 نيسان 2011، ص.4)
[6] الصادر بموجب القرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930 المعدل. وتحديدا المواد 238 إلى 240، و242 و244 و247 و254.
[7] سيما وأن مضمون الإقتراح وبعض العبارات القانونية المنقولة اعلاميا بشأنه ما زالوا غير دقيقين
[8] "الملكية العقارية"، د. مهاب نجا،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993، ص. 169