احال وزير العمل السابق بطرس حرب مشروع قانون العمل الاخير الى امانة سرّ مجلس الوزراء خلال شهر آذار 2011. لكنّه سرعان ما استعادها وزير العمل الحالي شربل نحاس لاعادة النظر فيه. ويعتبر مشروع حرب (المعرّف به فيما بعد بـ"المشروع") الحلقة الاخيرة من سلسلة مشاريع اعدّت في عهود الحكومات المتتالية على مدى العشر سنوات السابقة. وهنا لا بدّ من ذكر القاضي الراحل محمّد الشخيبي الذي كان الرائد في وضع اول مشروع لقانون عمل اعتمدته المشاريع المتتالية كمنطلق لها. وقد استحدث المشروع تحسينات اكيدة بالنسبة الى قانون العمل الحالي التي اضحت احكامه القديمة العهد غير متناسبة في اغلبها مع مستلزمات الحياة العصرية والاتفاقيات الدولية والعربية التي صادق لبنان على عدد كبير منها. اضافة الى ان قانون العمل لم يعرف سوى تعديلات طفيفة نسبيا منذ عام 1946. غير انّه ولو كانت تطلعات المشروع طموحة الابعاد، الّا انه جاء خجولا او مبهما واحيانا ناقصا لناحية العديد من التعديلات التي استحدثها. واتبع نهجا محافظا في عدد من المسائل الاساسية اضافة الى انه لم يتعمق بما فيه الكفاية في عدد من المبادئ العامة والمفاهيم الاساسية التي كرسها من دون ان يوجد لها اطار عملي فعال (1). كما انه توجه نحو توسيع صلاحيات السلطة الاجرائية ووزير العمل بشكل خاص من الناحية التنظيمية وصلاحيات وزارة العمل بان خولها سلطة رقابة واسعة على اصحاب العمل وخولها حق البت بالاعتراض على بعض القرارات وذلك على حساب السلطتين التشريعية والقضائية معا (2). اخيرا، ولو انه ادخل بعض التعديلات على صعيد النقابات والعقود الجماعية، الا انه لم يكرّس الحرية النقابية بشكل يتفّق مع الاتفاقيات الدولية وتوصيات منظمة العمل الدولية في هذا المجال (3).
1- لم يعالج المشروع العدد من المسائل الاساسية والمبادئ العامة بشكل كافٍ:
لقد ادخل المشروع مفاهيم وتعديلات جديدة تتماشى مع متطلبات الحياة العصرية انصبت لمصلحة الاجير بشكل عام.فوسع نطاق الاجازات وحدد طريقة احتسابها، وخفض عدد الاجراء الى عشرة بالنسبة الى الزامية وضع نظام داخلي كما حدّد دقائق مضمونه، حصر العقوبات المسلكية كما ضبط شروط واصول تنزيلها وبطلانها. وقد خصَ النساء العاملات بعدد من التعديلات حيث اطال اجازة الامومة من سبعة الى عشرة اسابيع (على ان تكون الثلاثة اسابيع الاخيرة مدفوعة بنسبة الثلثين)،واحدث فترات رضاعة تدخل ضمن اوقات العمل الفعليولحظ دورا للحضانة في المؤسسات التي تستخدم عددا من النساء (من دون تحديد هذا العدد)، حظر الساعات الاضافية خلال الحمل ولفترة ستة اشهر بعد الوضع.. وقد راح ابعد من ذلك بان اعطى الرجل حقوقا تساويه بالنساء في بعض المسائل كاستحقاق تعويض نهاية خدمة كاملا للرجل الذي يترك العمل بسبب الزواج، ومنحه اجازة ابوّة مدتها ثلاثة ايام مدفوعة الاجر،...الا انّ المشروع لم يعالج بالمقابل عددا من المسائل التي لا تقل حيوية.
المشروع كان خجولا او ناقصا او مبهما في عدد من مواده  
لم يحدّد المشروع مفاهيم قانون العمل الاساسية بشكل دقيق ينسجم مع التعريفات التي اوجدها الاجتهاد اللبناني المستقر والمستمر في هذا المجال (كعقد العمل والاجر وصاحب العمل والاجير). كما انه عالج بعض الامور بشكل غير كاف كأن يتناول بند عدم المنافسة بشكل عام من دون اعتماد الشروط التي اقرّها الاجتهاد كي يعتبر مباحا (كان يعيّن مدة قصوى للمنع بالاضافة الى انّه يقتضي ان تبرره المصالح المشروعة لمؤسسة صاحب العمل وان لا يحرم الاجير من امكانية مزاولة العمل المؤهل له). وبخصوص حقوق المعوقين، فقد اكتفى بالاحالة بشكل عرضي الى احكام القانون رقم 220 تاريخ 29/5/2000 المتعلّق بها.
اما لجهة العمل بدوام جزئي، فقد عرّفه المشروع بانه العمل الذي تكون ساعاته اقلّ من ساعات العمل العادية المحددة قانونًا. واعتماد هذا المعيار هو غير مناسب فساعات العمل المحددة قانونا (حاليا بـ48 ساعة اسبوعيا) وضعت كحدّ اقصى لا يمكن لصاحب العمل تجاوزها، وهو يتجاوز في غالب الاحيان دوام العمل المتّبع لدى المؤسسة او الشركة (40 ساعة عموما). وقد كان من الانسب ان يتم اعتماد معيار آخر في هذا المجال كان يعد العمل بدوام جزئي اذا كانت ساعات العمل اقل من ساعات الدوام المعتمد في المؤسسة كما هي الحال في فرنسا او اقل من عدد ساعات عمل معيّن (36 ساعة مثلا) وهو المعيار المعتمد من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حاليا.
ولقد نظّم المشروع الامراض المهنية وهو امر منتظر منذ صدور قانون الضمان الاجتماعي عام 1963، الا انه حصر الامراض المهنية بتلك المدرجة في الجدول المرفق بالقانون دون ايجاد معيار آخر يسمح باعتماد امراض قد لا تكون ملحوظة فيه. كما ترك امر تحديد التعويضات النّاتجة عن الامراض المهنيّة لتقرير طبّي يصدر عن طبيب مختصّ يحدّد مقدار العجز الجزئي او الكلّي الذي اصاب الاجير، مما يشكل تعديّا على صلاحية القضاء الذي يفترض ان يتولى هو مهمة البت بالتعويضات.
كما توسع القانون ليشمل فئات جديدة من العاملين: وهكذا، شمل الجمعيات بمختلف فروعها وانواعها، الوطنية والاجنبية، بصرف النظر عن طبيعة نشاطها واهدافها، والمؤسسات الحرفية والزراعية التي لها الصفة الصناعية او التجارية كما شمل العاملين على متن السفن البحرية التجارية المسجلة في لبنان. الا انه استثنى من دون مبرر مقنع فئات عدة لا تستفيد من احكامه كالعاملين في الخدمة المنزلية (ومن في حكمهم) الذين يقيمون في بيوت مخدوميهم، الاجراء الموسميين او المؤقتين الذين يعملون في مؤسسات زراعية ليس لها الصفة التجارية او الصناعية، والمؤسسات التي لا يعمل فيها الا اعضاء العائلة تحت ادارة الاب او الام او الوصي. مع العلم ان الاجراء الخاضعين لقانون العمل يشكلون حاليا نسبة تقلّ عن 35% من العاملين.
المشروع اعتمد نهجا محافظا
من المؤسف ان المشروع لم يحدث تعديلات لجهة عدد من المسائل الهامة في مجال العمل. فهو لم يخفف من الاعباء الملقاة على عاتق صاحب العمل (التعويضات العائدة الى اجازة الامومة، اجازة الابوة، الاجازة المرضية، الامراض المهنية، طوارئ العمل...) وكان يقتضي ان تقترن عملية تحديث قانون العمل بتعديل احكام قانون الضمان الاجتماعي لهذه الجهة. كما انّه ابقى على 48 ساعة كحد اقصى لعدد ساعات العمل الاسبوعية. وكان من المستحسن برأينا تخفيض هذا الحدّ اقلّه الى 45، او على الاقل احتساب ساعة الراحة اليومية ضمن ساعات العمل. كما انّه لم يحدّد حدا ادنى لاجازات الاعياد التي اضافها الى عيدي العمل والاستقلال، بل ترك تحديدها لتقدير صاحب العمل او لعقد العمل الجماعي اوالاعراف. وهذا يعتبر بمثابة تمييز بالنسبة الى موظفي الدولة الذين يتمتعون حاليا بثمانية عشر يوما محددة بمرسوم. اما لجهة الصرف التعسفي، فلقد رفع المشروع مهلة اقامة الدعوى بداعي الصرف التعسفي من شهر الى شهرين من تاريخ ابلاغ الاجير الفسخ خطيًّا او من تاريخ الفصل في الشكوى المقدّمة الى وزارة العمل او المراجعة المتعلقة بالصرف بسبب القوة القاهرة او لاسباب اقتصادية او فنية.وكان يقتضي ان يذهب المشروع ابعد من ذلك في حماية الاجير بوضعه ضوابط صارمة تحدّ من حالات الصرف التعسفي بان يرفع مثلا الحد الاقصى للتعويض الى 20 شهر بدلا من 12 شهر. كما ان المشروع وان ادخل تعديلات على عمل الاحداث، انما لم ينظّم عمل المتدربين الا بشكل عرضي واكتفى بالاحالة الى القوانين النافذة التي ترعى التدريب ولكنها بقيت حبرا على ورق. وكان من المستحب ان يولي المشروع المتدربين عناية خاصة بشكل يضمن حقوقهم ويسهل دخولهم الى سوق العمل، فلا يترك شأن تنظيم اصول التدريب وشروطه للنّصوص القانونية النّافذة. كما كان مفترضا ان يحدد مدته.
ولم يضع المشروع اطارا عمليا لعدد من المبادئ العامة التي اقرها
لقد اقر المشروع عددا من المبادئ العامة الاساسية التي ترعى علاقات العمل بهدف التماشي مع اتفاقيات العمل الدولية والعربية المبرمة من قبل لبنان وانسجاما مع توصيات منظمة العمل الدولية. فقد كرّس المشروع مبدأ المساواة بشكل عام وبين الرجل والمرأة بشكل خاص، كما اقرّ مبدأ عدم التمييز في الاجر بين النساء والرجال. لكنه اتى على ذكر هذه المبادئ بدون ان يتعمّق في مفهومها وبدون ان ينظّم اطارا عمليا لتطبيقها كأن يضع قواعد خاصة بها وعقوبات تترتب على عدم احترامها. اضافة الى ذلك، اشار المشروع الى التحرش الجنسي بشكل عرضي وذلك على سبيل المثال في معرض تعداده لاسباب ترك العمل من دون انذار مسبق (من دون ذكر التحرش المعنوي). وكان يقتضي ان يخصّص المشروع فصلا لهذا الموضوع يحدّد فيه مفهوم التحرش (بمعنييه الجنسي والمعنوي) وشروطه ويرتب عقوبات مدنية و/او جزائية على مرتكبيه، على غرار ما فعلته دول عدة وانسجاما مع اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 111المتعلقة بالتمييز في العمل. 
2-    توسيع صلاحيات وزير العمل ووزارة العمل على حساب السلطتين التشريعية والقضائية:
لقد وسع المشروع صلاحيات السلطة الاجرائية ووزير العمل بشكل خاص من الناحية التنظيمية. ومن المؤسف انه لم يتعمق في تحديد مسائل عديدة او في دقائق تطبيقها بحيث يتوقف العمل بالمواد التي ترعاها على مراسيم تطبيقية او قرارات لاحقة يتخذها الوزير (كتحديد الاعمال المتشابهة او الاعمال المشتركة في انتاج واحدبالنسبة الى تعيين معيار النقابة الواحدة، تحديد دقائق تطبيق العمل بدوام جزئي، تعيين الوسطاء لدى وزارة العمل بموجب لائحة تصدر بقرار من وزير العمل، تحديد الاعمال الخفيفة او الخطرة فيما يتعلق بعمل الاحداث، تحديد شروط انشاء دور الحضانة ومواصفاتها ونظامها...). ومن المعروف ان معظم المراسيم والقرارات التطبيقية لا ترى النور فيما بعد، او تأتي جد متأخرة، وقد كان تاليا من الانسب معالجتها في متن المشروع. كما وسع سلطة الرقابة التي تمارسها وزارة العمل، فخولها حق الفصل بالاعتراض ضد العقوبات المسلكية وايضا بالاعتراض المقدم اليها من عضو ضد قرار فصله من نقابة، وهي امور تدخل في صلب صلاحيات مجلس العمل التحكيمي. ولربما الغاية من ذلك تفادي البطء الذي يشهده العمل القضائي بشكل عام في بعض المسائل، الا انّه من الافضل في هذه الحالة اعادة تنظيم مجالس العمل وتسهيل الاصول المتبعة لديها بشكل يؤمن السرعة والفعالية في البت في خلافات العمل (كأن تستحدث اصول مبسطة للخلافات التي تقل قيمتها عن خمسة ملايين ليرة مثلا) بدل الافتئات من صلاحيات القضاء.
3-    الحذر ازاء  الحرية النقابية:
يضمن الدستور اللبناني الحرية النقابية بشكل غير مباشر عبر اقراره حرية الاجتماع وتأليف الجمعيات بشكل عام. غير ان لبنان لم يصادق لغاية اليوم على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 التي تنظم الحريّة النقابية والتي تعتبر مبدأ اساسيا على صعيد الحريات العامة. فالمادة الثانية من هذه الاتفاقية تنص على انّه من حق الاجراء واصحاب العمل ان يؤسسوا، من دون اذن مسبق، المنظمات التي يختارونها، كما يحق لهم الانتساب اليها شرط احترام انظمتها. كما ان المادة الثالثة-فقرة 2 من الاتفاقية تنصّ على انّه يجب على السلطات العامة ان تمتنع عن اي تدخل بشؤون المنظّمات من شأنه ان يحدّ من حقهم في تأسيسها وادارة شؤونها او يؤثر على ممارستهم لهذا الحق. غير ان المشروع لم يراع احكام هذه الاتفاقية ولا توصيات منظمة العمل الدولية في هذا الخصوص. فبقي تأسيس النقابات خاضعا لترخيص مسبق يصدر بقرار من وزير العمل. الا ان المشروع احرز تقدما بان اعطى صلاحية حلّ النقابات الى الجمعية العمومية للنقابة. كما وزّع النقابات على ستة قطاعات كبيرة(بدلا من الفئات الاربع حاليا) ووسع نطاق النقابات بحيث يمكن انشاؤها من اشخاص يمارسون عملا واحدا او اعمالا متشابهة او اعمالا مشتركة في انتاج واحد. كما انه لم يشر من قريب او بعيد الى قطاع موظفي الدولة الذي يحظّر عليهم القانون الاداري التجمع ضمن نقابات كما يحظر عليهم الاضراب عملا بمبدا استمرارية المرفق العام. وقد احرز المشروع تراجعا ايضا على صعيد الحق بالاضراب بان حصره بخمسة ايام بدلا من خمسة عشر يوما مما يتعارض مع احكام المرسوم 17386 المتعلق بعقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم. وهنا تجدر الاشارة الى ان المشروع، على غرار المرسوم 17386، لم يلحظ مصطلح "الاضراب" الا بشكل عرضي في مادة واحدة وقد استعمل تعبير "التوقف الجماعي عن العمل" في معرض معالجته لنزاعات العمل الجماعية بدون التعمق في مفهومه.
كما انَه كان من المحبذ ان يوسع المشروع صلاحيات النقابات بان يعطيها مثلا الحق في اقامة الدعاوى باسماء اعضائها المتضررين وبموافقتهم (خارج نطاق النزاع الجماعي) على غرار ما هي الحال عليه في العديد من البلدان الغربية.
في الخلاصة، يمكننا ان نستنتج بان مشروع قانون العمل الاخير، وعلى الرغم من انّه احدث تقدما اكيدا على صعيد تحديث قانون العمل وتطويره، الا انه قد تخلله العديد من الشوائب والثغرات تستلزم اعادة النظر في عدد من التعديلات التي استحدثها والتعمق في مفاهيم اساسية ادخلها على قانون العمل ووضع اطر عملية لها كما وتكريس الحرية النقابية بشكل مطلق. اضافةً الى ذلك، يقتضي ان تدخل عملية تعديله في حملة تحديث شاملة تطال سائر القوانين التي ترعى علاقات العمل والعمال.

نشر هذا المقال في العدد الثالث من مجلة المفكرة القانونية.