في اثر الحكم الصادر في قضية رنده يقظان ضدّ جريدة الأخبار ومحمد نزال في 24-2-2014، بادرت الوسيلة الإعلامية المحكوم عليها (جريدة الأخبار) الى انتقاد المحكمة وصولا الى الطعن بمشروعيتها في النظر في دعاويها الأخرى العالقة أمامها. وقد بدت الوسيلة من خلال ذلك وكأنها تقلب الأدوار وتحوّل محاكمتها من قبل المحكمة الى ما يشبه محاكمة لهذه الأخيرة.

واللافت أن انتفاضة الجريدة جاءت في اثر سلسلة من المواقف النقدية لأعمال قضائية، أبرزها القرار الظني الصادر في قضية رلى يعقوب. لا بل أن بعض هذه الانتقادات أخذت طابع المساءلة الشعبية، أحيانا بدفع من منظمات حقوقية كتظاهرة ناشطي جمعية نسوية الحاصلة في 1-7-2013 في أعقاب اعتداء مرافقي نديم الجميل على عدد من هؤلاء. وقد ولّدت هذه الانتقادات المتزايدة من حيث حدتها ووتيرتها شعورا عاما، وخصوصا لدى القضاة باحتمال حصول تحول في البيئة التي يعملون فيها في اتجاه تزايد الاهتمام الإعلامي بالمساحة القضائية. وفيما يؤمل أن يمهد هذا الواقع المستجد لتعزيز العلاقة بين الاعلام والقضاء على أساس أنهما يشتركان في أداء وظيفة المساءلة، فان مقاربته تؤول في الغالب على العكس من ذلك تماما الى حجب أي تفكير حول فوائد هذا التعاون أو أبعاده. وهي تضع بالمقابل وبشكل متكرر في الواجهة عددا من الأفكار النمطية التي تلتقي على تصوير العلاقة بين القضاء والاعلام على أنها علاقة مضرة بالقضاء وسلبية بالضرورة.

وبالطبع، من شأن هذه الأفكار النمطية ليس فقط أن تحول دون تطور مبادرات اصلاحية بين العاملين في هذين الجسمين المهنيين، انما أيضا، وهذا الأهم، أن تمنع مقاربة الهواجس المتكونة هنا وهنالك بشكل عقلاني مما يؤدي الى مفاقمة الأفكار النمطية والتخفيف من حظوظ تجاوزها.
ومن هنا، رأينا من الضروري أن نتساءل عن كيفية كسر هذه الحالة منعا لآثارها السلبية. وما يحفزنا في هذا الاتجاه، هو عدد من المواقف المشجعة التي برزت خلال التبادل الإعلامي الحاصل بين مجلس القضاء الأعلى[1] واعلاميين[2] مؤخرا، على نحو يجعل هذا الاستحقاق أكثر قابلية للتحقيق. 
 
العلاقة النمطية:
في بيانه الصادر في 4-3-2014 تعليقا على المقالات التي تناولت محكمة المطبوعات، بدا مجلس القضاء الأعلى وكأنه يضع في وثيقة واحدة مجموعة من منطلقاته الفكرية. وهذه المنطلقات تشكل بالواقع استعادة لأبرز مكونات النظرة النمطية القضائية التي تؤول الى نزع المشروعية عن التعرض الإعلامي للقضاء الذي يقتضي المحافظة على هيبته. ومن أبرز هذه المنطلقات الآتية:

أولا، أن اصلاح الخلل القضائي لا يتم من خلال الاعلام انما من خلال الهيئات القضائية الرسمية. وهو يتم من خلال مجلس القضاء الأعلى الذي لا يدخر جهدا بما يتصل بتنظيم القضاء، أو من خلال اتباع طرق المراجعة القضائية بالنسبة الى الأحكام. وتاليا، وعلى فرض وجود خلل في التنظيم القضائي أو في أحكامه، فانه ليس للاعلام أي دور في اصلاحه أو في تنوير الرأي العام بشأنه،

ثانيا، أنه يقتضي صون هيبة القضاء وكرامة القضاة، وأن دور الاعلام كغيره من فعاليات المجتمع يكمن في المحافظة على هذه الهيبة،
وثالثا، وهذا قد يكون أهم مرتكزات النمطية، هو المسارعة الى تصوير الانتقاد الاعلامي الموجه الى محكمة  المطبوعات على أنه انتقاد يتناول القضاء على العموم. وهذا الموقف انما يعكس حساسية مضخمة وميلا تقليديا للمؤسسات القضائية في الباس أي انتقاد أو اتهام يطال عملا قضائيا لباس التعميم. وهذا ما كان ذهب اليه الحكم الصادر عن محكمة المطبوعات في قضية القاضية رنده يقظان، حيث جاء فيه بأن المقال موضوع المحاكمة والذي تحدث عن تورط قاضيين في الافراج عن عدد من كبار تجار المخدرات، انما طال القضاء برمته. وهذا الميل الى تجريد أي انتقاد من وقائعه الخاصة من خلال تحويله الى انتقاد عام، انما يستحضر الحس النقابي للقضاة ويحرر المؤسسات القضائية من عبء تقديم أجوبة على المسائل الخاصة المطروحة، فضلا عن أنه يصور الاعلام على أنه يستغل الأخطاء المرتكبة هنا وهنالك للانقضاض والتهجم على القضاء، بمنأى عن أي نية إصلاحية. وهو أمر يستدعي حكما الإدانة. وبكلمة أخرى، تصور انتقادات الاعلام بأحسن الأحوال على أنها كلام حق (ينطلق من خطأ قاض) يراد به باطل (تهشيم القضاء).

وبالطبع، ما كان لهذه النمطية أن تستمر في شكلها المذكور لولا وجود ميل مقابل ومواز لدى عدد مهم من الإعلاميين بوضع القضاة في سلة واحدة، عن كسل أو جهل أو تسرع في الحكم، بحيث تتلاشى القدرة على التمييز الى حد الاضمحلال. ومن المؤشرات على ذلك، مقاربة السلطة القضائية على أنها سلطة عضوية تنحصر في جهاز معين (مجلس القضاء الأعلى) أو على أنها سلطة متماسكة موحدة فيما أنها في الواقع سلطة مبعثرة على مئات القضاة العاملين في محاكم مختلفة يفترض بها أن تحكم باستقلالية من دون أي تدخل من أي كان، بما فيهم مجلس القضاء الأعلى. وانطلاقا من ذلك، قلما يبذل الاعلاميون جهدا لدحض اتهامهم بالتعميم من خلال التركيز على خلل معين مع تجنّب أي تعميم مهما كان محدودا وثانويا بالنسبة الى المواضيع التي يطرحونها.

وبذلك، تظهر النمطية القضائية وكأنها تتغذى من النمطية الإعلامية التي تعود فتغذيها في تفاعل سلبي يؤدي عموما وغالبا الى اعلاء مزيد من الحواجز بين القضاء والاعلام. واللافت أن لهذه النمطية قوة تسمح لها بالرجوع الى الواجهة، حتى في حال اعلان تعهدات رسمية وغير رسمية سابقة بوجوب تجاوزها. وهذا الأمر يؤشر الى مدى هيمنتها على وعي الجسمين الإعلامي والقضائي في مقابل ضعف الاعتبارات الأخرى كمبدأ الشفافية أو مبدأ استقلال القضاء أو أهمية تحفيز الدور الريادي للقضاة. ولعل خير دليل على غلبة هذه النمطية هو اعلان المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى بعدم جواز التداول إعلاميا في قضايا ما تزال مطروحة امام القضاء في بيانه الصادر 31-1-2014 في قضية رلى يعقوب فيما أن هذا المكتب نشأ أصلا كأداة لتنظيم الرد على الاعلام تعزيزا للشفافية ونزولا عند مقتضياتها[3].

سلبيات العلاقة النمطية
وعليه، وبفعل هذه النمطية، يهيمن التأزم بين جسمي القضاء والاعلام على النقاش العام، الأمر الذي يتجلى في سلبيات عدة أهمها:
الأول، طمس مجمل الفوائد الممكنة للتداول الإعلامي في شؤون القضاء أو تهميشها، على أساس أن الأضرار الناتجة عن ادخال دب الاعلام الى كرم القضاء تبقى أكبر من أي فائدة قد تتأتى عنه.

وعليه، يبقى الخطاب الرسمي القائل بأن الخلل القضائي يصحح من ضمن الآليات القانونية (التفتيش القضائي) سائدا على الرغم من شلل هذه الآليات بشكل شبه كامل في العقدين الأخيرين، فيما غالبا ما ينسى دور الاعلام في فضح الفساد القضائي. ومن المنطلق نفسه، يتم تضخيم الأضرار الناتجة عن الاعلام في موازاة استصغار الأضرار الناتجة عن العوامل الأخرى التي تشكل عقلانيا أمورا أكثر خطورة كتدخلات السلطات السياسية مثلا التي تحدق بالقضاء وتتعرض لاستقلاليته والتي ينتهي ابعاد الاعلام عنها حكما الى ابقائها قيد الكتمان. فكأنما التدخل الوحيد الذي يخشى منه القضاء هو تدخل الاعلام في شؤونه، فيما تبقى سائر التدخلات خارج الخطاب العام وكأنها أمور ثانوية وغير مهمة.

وفي السياق نفسه، تطمس في الذاكرة القضائية أشكال التعاون السابقة الحاصلة بين قضاة واعلاميين والتي من شأنها أن تناقض هذه النمطية. وهكذا، طمست الى حد كبير ذاكرة التحركات القضائية التي أنشأت منابر إعلامية متخصصة كحلقة الدراسات القضائية (1969-1972) أو استعملت منابر الاعلام كاللجنة القضائية المؤقتة (1980 و1982) كوسيلة للدفاع عن مصالح القضاء المادية والمعنوية. كما طمست ذاكرة لجوء عدد من القضاة الى نشر كتب، بعضها كتب استقالة، في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات لتحذير الرأي العام ازاء مخاطر تدني رواتب القضاة على استقلاليتهم[4]. كما طمست ذاكرة المحطات التي شارك فيها الإعلام بقوة للضغط على السلطات العامة لتنفيذ أحكام قضائية، أبرزها الأحكام التي أصدرها عدد من قضاة الأمور المستعجلة في محاكم عدة (سينتيا قصارجي، زلفا الحسن، ميراي حداد) لصالح لاجئين عراقيين بهدف وقف ممارسات ظالمة فادحة كالتوقيف التعسفي لدى المديرية العامة للأمن العام في 2009 و2010[5]، أو أيضا الأحكام الآيلة الى انصاف فئات اجتماعية معرضة لغبن قانوني وأو اجتماعي مزمن والتي من شأنها طبعا أن تعزز المكانة الاجتماعية للقضاء ومرجعيته بالنسبة الى المرجعيات السياسية، أقله بالنسبة لهذه الفئات.

أما الأمر الثاني والذي لا يقل خطورة، فهو حصر التفكير بين أحقية الاعلام أو عدم أحقيته في التداول في الشؤون الإعلامية وفق معادلة هيبة القضاء أو حرية الاعلام (أسود أو أبيض) مع حجب سائر الأسئلة الأخرى والتي تتصل بتنظيم القضاء وتقاليده أو بأخلاقيات الاعلام في هذا المجال أو أيضا بكيفية مساهمته في تكوين رأي عام مؤيد لاصلاح القضاء أو كيفية التعامل إيجابا وبمسؤولية مع الهواجس القضائية المحقة إزاء احتماله تعسفه أو انزلاقه في هذا الشأن. وتزيد هذه الهواجس بالواقع بفعل شعور غالبية القضاة بضعف القضاء الحالي وبغياب الضوابط إزاء سوء استخدام الاعلام في انتقادهم وأيضا بضعف ثقتهم عموما بنوايا الوسائل الإعلامية المرتبطة بقوى سياسية نافذة وخلفياتها.

وكسرا لهذه النمطية، سنعمد هنا الى عرض هذه الهواجس في سياق تحليلها تمهيدا لاستكشاف إمكانيات التخفيف منها. وبالطبع، الموقف من الاعلام لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار حسناته كما سيئاته، وأن الرد على السيئات يكون عموما في وضع ضوابط أكثر مما يكون في انتهاج المنع أو الرفض، وهو بأية حال أمر مستحيل من النواحي العملية والقانونية كما المبدئية عملا بمبادئ الديمقراطية.

كيف نكسر العلاقة النمطية من الناحية القضائية؟
كسر العلاقة النمطية من الناحية القضائية يستدعي قراءة جديدة لمقومات هذه العلاقة أكثر تواؤما مع الواقع ومقتضيات المصلحة العامة. وهذا الأمر يفرض بالضرورة الابتعاد عن اللغو والمبالغة في تقدير مخاطر الاعلام، كما الابتعاد عن استصغار الدور الذي بامكانه أن يؤديه في تحصين استقلالية القضاء في مواجهة القوى النافذة. وللوصول الى ذلك، قد يكون من الضروري استذكار المحطات الإيجابية في التعاون بين الاعلام والقضاء والتي أشرنا الى بعضها أعلاه فضلا عن تجاوز عدد من المسلمات التي يرتدي بعضها طابعا تقليديا موروثا:

الأولى، إعادة النظر في مفهوم الهيبة. فعدا عن أن هذا المفهوم هو في تعارض تام مع فكرة العدالة بما فيها من مهابة وخوف، فان كرامة القضاء تتحقق من خلال اصلاح عيوبه والاعتراف بها وبشكل خاص الدفاع عن استقلاليته إزاء من يتدخل في هذه الأعمال وليس في التعامي عن هذه الأخطاء أو هذا التدخل. هذا فضلا عن أن ثقة الناس بالقضاء لا تكتسب بفعل لزوم الصمت ازاء طرح علامات استفهام كبرى انما في إعطاء أجوبة واضحة ومقنعة في هذا الصدد، بحيث تزداد الثقة بالقضاء بقدر ما تزداد الشفافية في أعماله.  

الثانية، إعادة النظر في احتكار مجلس القضاء الأعلى للسلطة لمهام اصلاح القضاء. فخلافا لما يصرح به المجلس، يثبت الواقع أنه أعجز من القيام بهذه المهمة منفردا، ولا سيما أن صلاحياته تبقى محدودة وأعضاؤه غير محصنين. فماذا فعلت مجالس القضاء إزاء تعنت السياسيين فيما يخص التشكيلات القضائية؟ ولا يعني ذلك بالضرورة انتقاصا من قدره أو من قوة ارادته أو تشكيكا في نواياه، انما مرده هو تقدير واقعي وموضوعي لحجم المهمة التي تتطلب جهودا اجتماعية جمة تشكل قدرة كافية لجبه قوى النفوذ الجاثمة على صدر القضاء. وهنا، من اللافت أن يطالب المجلس القوى الاجتماعية بدعمه للمحافظة على هيبة القضاء، في موازاة انكار أي دور لها في اصلاح الخلل القضائي. كأنما الجهود الاجتماعية المطلوبة هي تلك التي تنجح في إخفاء الحقائق وليس في صناعة حقيقة أفضل.  

الثالثة، إعادة النظر في مفهوم التدخل في القضاء. فغالبا ما تضع المؤسسات القضائية الانتقادات الإعلامية للقضاء في خانة التشويش على أعمال القضاء والتدخل فيها[6]. والواقع أن هذا الهاجس على أهميته، يرشح عن نظرة ضيقة ومجتزأة للأمور. فالثقافة السائدة قضائيا كما سبق بيانه ليست ثقافة استقلال القضاء فيأتي الاعلام ليعكرها، انما على العكس تماما، هي أقرب ما تكون الى ثقافة تدخل في القضاء، بحيث يستبيح كل ذي نفوذ لنفسه مباشرة أو من خلال وسطاء قضائيين التدخل في القضاء (وهو جرم جزائي) من دون أن يستتبع ذلك أي ملاحقة قضائية. وأمام واقع كهذا، تصبح الانتقادات الموجهة الى القضاء بالدرجة الأولى انتقادات لفضح هذه التدخلات أو على الأقل لإحداث توازن معين في واقع غير متوازن. هذا مع العلم أن "التدخل" الإعلامي يحصل علنا ويبين أسبابه ويكون قابلا مبدئيا للرد والمناقشة ومعرضا للملاحقة في حال التعسف، فيما أن "التدخل" غير الإعلامي يحصل سرا ويستخدم وسائل غالبها غير مشروع، من ترغيب وترهيب، وهو بطبيعته غير قابل للرد أو المناقشة وتشكل سريته مانعا من بين موانع عدة أمام ملاحقته. ومن هنا، يكون جد معبر أن يبقى مجلس القضاء الأعلى والنيابات العامة على اختلاف درجاتها ومجمع القضاة صامتين إزاء التدخلات السياسية والقضائية في أعمال القضاء فلا يعترضون عليها علنا، فيما تعلو الصرخة كلما تناول الاعلام موضوعا قضائيا.    

الرابعة، إعادة النظر في مفهومي موجب التحفظ والتقاليد القضائية. وفي هذا المجال، غالبا ما يبرر الخطاب القضائي الرسمي وجوب ابعاد الاعلام عن القضاء لعدم جواز انغماسه في سجالات إعلامية عملا بموجبي الحيادية والتحفظ[7]. وإذ شكل انشاء مكتب اعلامي لمجلس القضاء الأعلى مدخلا هاما في هذا الخصوص في اتجاه تنظيم حق الرد والتوضيح على ما يتصل بالقضاء، فان مراقبة أعماله أظهرت بالمقابل عددا من الشوائب: فقد بدا المجلس من خلال بياناته وكأنه يمنح ثقته الكاملة للقضاة الذين يتم التعرض لهم، مع  تجنب الإجابة على التساؤلات المطروحة إعلاميا بطريقة أو بأخرى. وهو بذلك بدا وكأنه يقول إن للقاضي موضوع النقد من يدعمه من دون أن يبيّن فيما إذا كانت أعمال القاضي تستحق الدعم أم لا. الا أنه ورغم هذه الشوائب، ما تزال تجربة المجلس في أولها، ويؤمل تطورها مع تراكم الخبرة في هذا المجال.  
الخامسة، إعادة النظر في الميل المقصود أو غير المقصود الى اتهام الاعلام بالتعميم في موازاة إعادة النظر في انعكاسات هذا الاتهام. فكما سبق بيانه، قد يكون مرد اتهام انتقاد معين بالتعميم هو حساسية منتفخة أو رغبة في تجنب الرد على مضمون الانتقاد أكثر مما هو هذا المضمون بحد ذاته والذي يتناول في حالات كثيرة وقائع محددة بدرجة أو بأخرى. وبأية حال، ومهما بلغ حجم التعميم، فمن الأنسب من الناحية القضائية اعتماد مقاربة مختلفة قوامها افتراض حسن الينة لدى الإعلاميين حتى ثبوت العكس. فلا يمنع التعميم النظر في مدى صوابية الانتقاد والتفاعل معه، وعلى أن يتم التعامل معه أقله في  حال صوابية الخبر ليس على أنه استعداء للقضاء وسعي الى تحطيمه، بل على أنه تعبير عن شعور عام بتراجع الثقة العامة بالقضاء، وبمثابة دعوة للمؤسسات القضائية بالقيام بما يلزم من خلال اصلاح مواضع الخلل لاعادة هذه الثقة اليه.  
 
وكيف نكسر العلاقة النمطية من وجهة نظر إعلامية؟
في هذا الصدد، سنتناول إمكانات كسر هذه العلاقة النمطية من الناحية الإعلامية. وقد يكون من المفيد جدا أن تعمد الوسائل الإعلامية، منفردة أو مجتمعة، الى صياغة سياسات تحريرية واضحة في كيفية التعامل مع الشؤون القضائية، وذلك ضمن الرؤية التي تراها مناسبة لوظيفة القضاء الاجتماعية. ومن أهم المسائل التي يمكن للسياسة التحريرية أن تشملها، المسائل الآتية:

- إعادة النظر في الدور النمطي للاعلام في المجال القضائي: فالاعلام معني بالقضاء من جوانب عدة، تتجاوز بكثير ما تفرضه العلاقة النمطية التي تريد أن تحصر دوره في انتقاد القضاء ومساءلته. فمن دون التقليل من أهمية هذا الدور، تترتب على الوسائل الاعلامية مسؤوليات أخرى فائقة الأهمية. من أبرزها، تغطية القضايا القضائية ذات الأبعاد الاجتماعية على نحو يخرجها من طابعها الخاص ليسبغ عليها الطابع العام، مع ما يستتبع ذلك من تعزيز لمكانة القضاء اجتماعيا. كما من أدواره، ابراز المبادرات الإيجابية للقضاة والتي أحيانا تسد ثغرات مزمنة في عمل المؤسسات والسلطات الأخرى. ولا بأس هنا من التذكير في معرض ممارسة هذا الدور بتجارب سابقة أدى فيها قضاة واعلاميون أدوارا تكاملية في مساءلة السلطات العامة كما هي حالات الضغط الإعلامي لضمان تنفيذ أحكام معينة في مواجهة السلطات السياسية أو الأمنية كما حصل مع قضايا اللاجئين العراقيين مثلا. فضلا عن ذلك، وهذا ربما هو الأهم، من أدوار الاعلام الاساسية السهر على حسن تطبيق مبدأ فصل السلطات، وفضح التدخلات في القضاء وابراز المبادرات التي يقوم بها قضاة دفاعا عن استقلاليتهم، وبشكل أعم تخصيص حيز هام لابراز إشكاليات استقلالية القضاء في الخطاب العام. وبالطبع، قلب الدور النمطي للاعلام في المجال القضائي لا يتأتى عن أداء هذه الأدوار جميعا، انما عن أدائها بشكل متوازن وضمن رؤية متكاملة. ومن أهم الأمثلة على ذلك، أن يتزامن أي اندفاع اعلامي لنقد العمل القضائي مع اندفاع متساو في الدفاع عن القضاء ضد من يتدخل في أعماله أو يعكر استقلاله، فلا تمهد المساءلة للاستباحة؛ أو أن يترافق أي انتقاد لقاض رضخ لتدخلات مع انتقاد متساو أو أقوى للجهة التي استساغت التدخل في عمله، فلا تصبح المساءلة في عمقها استضعافا للقضاء. كما من أهم انعكاسات ذلك أن يربط انتقاد الواقع الحالي برؤية ما يفترض بالقضاء أن يكون عليه مستقبلا. ومن شأن هذه الأمور أن تخفف الهواجس لدى القضاة، بحيث يظهر الاعلام وسيلة لابراز مكانة القضاء وتعزيزها مستقبلا وليس وسيلة بيد المتنفذين ضد القضاء، وفق ما تفرضه التصورات النمطية المشار اليها أعلاه.   
   
- الخروج من الفهم النمطي للقضاء ولدوره في النظام السياسي والاجتماعي اللبناني. فمن الخطأ النظر الى القضاء على أنه جسم موحد، يعمل فيه أشخاص لهم توجهات وتقاليد ومواقف موحدة. فأهم ما في القضاء ربما بالنسبة الى السلطات الأخرى، أنه سلطة مبعثرة على مئات القضاة، الأمر الذي يسمح بتعددية كبيرة في الرؤى والاجتهادات والمواقف، وذلك خلافا لما هي عليه حال السلطتين التشريعية والتنفيذية اللتين يكون فيهما القرار بالضرورة موحدا. وعليه، ثمة اختلافات حتمية بين القضاة، من حيث درجة قربهم من مراكز النفوذ واستقلاليتهم، أو من حيث انفتاحهم على الاعلام أو استعدادهم لتطوير الاجتهاد القضائي أو التفاعل مع قضايا المجتمع، ومن الطبيعي اذ ذاك أن تختلف مصالح القضاة إزاء تزايد الاهتمام الإعلامي بالشؤون القضائية: ففيما يميل المستفيدون من الصمت الى رفض الاعلام النقدي بالمطلق، قد يرى آخرون (وهم في غالبيتهم الأقل شهرة والأكثر ابتعادا عن المناصب القضائية العليا) في هذا الاعلام وما يستتبعه من تغير في بيئة القضاء فرصة لاعادة الاعتبار اليهم وعونا لهم في معاركهم المسكوت عنها في مواجهة مواقع النفوذ على اختلافها. ومن المهم تاليا أن يعي الاعلام هذه الاختلافات، وأن يصيغ استراتيجياته على ضوئها وأن يعكسها في أعماله بمنأى عن التنميط والتعميم.

- الانفتاح الواسع على آليات تنظيم الرد والاعتراض والمساءلة من قبل القضاء كما هي حال التجربة الجديدة المتمثلة في المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى، مع اخضاع هذه الآليات نفسها للمراجعة والنقد توصلا الى تطوير أدائها. فمشروعية الاعلام في مراقبة أعمال القضاة تتعزز من خلال ضمان حقوقهم في الرد عليه ومساءلته، من دون أي استغياب أو استقواء أو استضعاف. كما تتعزز في حال استعداده للاعتراف بالخطأ عند حصوله من دون مكابرة.

- إعتماد معايير مهنية عالية في اختيار الأشخاص العاملين في المجال القضائي، بحيث تتوفر فيهم مستويات مقبولة من التخصص والموضوعية، فضلا عن تمتعهم بمستوى عال من النزاهة. فهذه الصفات تخفف طبعا من الأخطاء أو المنزلقات الإعلامية وتضمن فهما أكثر دقة عن التنظيم القضائي ومكوناته فضلا عن فهم أوسع لآليات عمل القضاء. وبالطبع، تشكل في هذا المضمار المفكرة القانونية نموذجا هاما قادرا على الاضاءة على بعض النقاشات الدائرة إعلاميا بشأن القضاء وعقلنتها. ومن أهم نتائج التخصص والموضوعية ليس فقط تجنب الذم بالقضاء جزافا بل أيضا تجنب مدح ما أو من لا يستحق. 

- تجنب المبالغة في الاثارة الإعلامية في القضايا القضائية أو في الاسراف في مجاملة مشاعر شعبوية من خلال اعلان التضامن غير المشروط مع فئات اجتماعية معينة بمعزل عن أحقية قضاياها.

- اعتماد النسبية في التعاطي مع الأخطاء القضائية: الأخطاء الكبرى والأخطاء الصغرى. فلا يجوز مثلا محاسبة قاض على خطأ صغير بالطريقة نفسها التي يحاسب فيها قاض على رشوة أو سمسرة أو صرف نفوذ، ولا سيما في البيئة الحاضرة التي تكثر فيها عوامل الخلل.

هذه هي بعض الأفكار لتجاوز النمطية في العلاقة بين القضاء والاعلام، من قبل كلا الجسمين. فكرامة القضاء تقوى بشفافيته، بقدر ما يقوى اشعاع حرية الإعلام بتوسيع الآفاق المعرفية والمواطنية لهذه الحرية. وتبقى طبعا التجربة خير مختبر لانضاج هذه الأفكار وتعميقها وتصويبها.

  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا

نشر في العدد الخامس عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1] بيان 4-3-2014.
[2] إبراهيم الأمين، الى مجلس القضاء الأعلى، الأخبار 6-3-2014.
[3] نزار صاغية وبيرلا شويري، "المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى من خلال بياناته، قضاة لبنان الذين يتباهى بهم العالم"، المفكرة عدد 14، شباط. 
[4] سامر غمرون ونزار صاغية، التحركات القضائية في لبنان، في حين تجمع القضاة، منشورات حقوقية صادر، 2009، لبنان.
[5] سارة ونسا، قضية يسرى العامري: أو حين دافع إعلاميون عن قوة أحكام قضائية، العدد نفسه.
[6] مثال على ذلك، البيانان الصادران في قضية رلى يعقوب في 27 و31/1/2014.
[7] نرمين السباعي، استراتيجية منع التداول الإعلامي في شؤون القضاء، منشور في هذا العدد.