في 4-3-2014، أصدر مجلس شورى الدولة اللبناني[1] قراراً تاريخياً أعلن فيه حق ذوي المفقودين بمعرفة مصائرهم وتالياً بالاستحصال على نسخة كاملة من ملف التحقيقات التي قامت بها لجنة التحقيق الرسمية للاستقصاء عن مصير هؤلاء في العام 2000. وكانت "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان" و"جمعية دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين – سوليد"، قد تقدمتا في كانون الأول 2009 بصفتيهما الجمعيتين الأكثر تمثيلاً لذوي المفقودين، بدعوى لإبطال رفض الحكومة بتسليمهما هذا الملف وإلزامها بذلك عملاً بحق المعرفة. ويتميز هذا القرار ليس فقط بأنه ينصف باجتهاده ذوي المفقودين بغياب أي نص، بل أيضاً بأنه أوّل قرار للمجلس بتكريس حق أساسي على أساس مفهوم "الحق الطبيعي". وتشكل هاتان الميزتان بارقة أمل على احتمال أن يستعيد القضاء الإداري دوره في حماية الحقوق الأساسية وكرامة الإنسان بوجه تعسف الإدارات العامة، بعدما كان قد سجل مؤخراً عدداً من المواقف المناهضة لهذه الحقوق.[2]

 وقد اعتبر المجلس أن هناك معطيات جدية من شأنها أن تسمح لذوي المفقودين بمعرفة مصائر بعض المخطوفين والمفقودين والمعتقلين إذا استحصلوا على تحقيقات اللجنة الرسمية، فألزم الإدارة بتسليمها لهم. وقد توصل المجلس الى هذه النتيجة بعدما أعلن حقاً أساسياً جديداً هو حق ذوي المفقودين بمعرفة مصائرهم كما سبقت الإشارة اليه.  

مصادر الحق بالمعرفة
اللافت هنا أن المجلس قام في ظل غياب أي نص قانوني في لبنان باستنباط هذا الحق من مجموعة من الحقوق المدنية التي كرّستها المواثيق الدولية وأقرها لبنان من خلال المصادقة عليها، متبنياً بذلك التحليل القانوني الذي تقدمت به الجهة المستدعية في هذا الخصوص. وقد اعتبر أن الحق بالمعرفة ضمانة لحماية ذوي المفقودين من التعذيب النفسي الذي يعانون منه ومرتكز أساسي لضمان الحق بالحياة الأسرية وحق الطفل بالرعاية الأسرية والعاطفية والحياة المستقرة. كما أنه مرتبط بالحق بالحياة والحياة الكريمة لإبعاد الخطر الداهم الذي يتعرّض له الشخص المفقود، وبالحق في الانتصاف القضائي السريع والفعال لكل شخص انتُهكت حقوقه، والذي من شأنه أن يؤسس لدولة القانون وأن يؤمّن شفافية النظام. وهو حاجة أساسية لذوي المفقودين يؤدي الى السماح لهم بالقيام بمراسم الدفن والحداد بشكل لائق إذا كانوا متوفين، وبمعرفة مكان احتجازهم والعمل على الإفراج عنهم إذا كانوا على قيد الحياة.[3]

وإضافة الى المواثيق الدولية التي تكرّس هذه الحقوق المدنية، استند المجلس في تحليله الى عدد من الاجتهادات الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والى قرارات وتقارير هيئات الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي. ويسجل بالمقابل عدم إشارة المجلس الى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري التي وقّع عليها لبنان في العام 2007 دون أن ينضم إليها بعد. هذه الاتفاقية التي دخلت حيّز التنفيذ في العام 2010 وكرّست صراحة الحق بمعرفة مصائر المفقودين في ديباجتها وفي المادة 24 منها.

طبيعة الحق بالمعرفة
أكّد المجلس أن الحق بمعرفة مصير المفقودين هو حق طبيعي لذويهم، وتالياً حق ملازم لكل إنسان يستمد من طبيعته الإنسانية؛ وهو حق سابق لأي اعتراف قانوني وليس مشروطاً بأي تدخل أو نص. وتعتبر الحقوق الطبيعية مؤسسة لجميع الحقوق الأخرى وتسمو على جميع القوانين الوضعية. ويأتي قرار المجلس في هذا المجال متوافقاً مع توجه الفقه القانوني الحديث الذي اعتبر أن حق المعرفة قد ارتقى الى مستوى المبدأ العام أو العرف في القانون الدولي، وذلك نظراً لترجمته في قوانين وممارسات العديد من الدول التي شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بسبب نزاع مسلح أو نظام سياسي قمعي كالأرجنتين والبوسنة والهرسك.[4]

كذلك يدخل هذا القرار ضمن توجه قضائي في لبنان لاستنباط مجموعة من الحقوق التي تعلو على جميع القوانين والاعتبارات عبر مفهوم الحق الطبيعي. وقد تجلّى هذا التوجه بوضوح في السنوات الأخيرة في عدد من القضايا كاللجوءالى بلد آمن[5]وحرية المعتقد[6]وسلامة الإنسان.[7] ومن شأن هذا التوجه أن يوسع هامش الاجتهاد لدى القضاة لحماية الحقوق الأساسية، خاصة في ظل تقاعس المشرّع عن وضع قوانين، وخصوصاً بما يتصل بحقوق المواطنين الأساسية.[8]

حدود الحق بالمعرفة
ونتيجة الاعتراف به كحق طبيعي، ترتب على المجلس أن يرفض تقييد الحق بالمعرفة في غياب نص صريح، حيث أكد "أن هذا الحق لا يقبل أي تقييد أو انتقاص أو استثناء إلا بموجب نص صريح، الأمر غير المتوفر في القضية الحاضرة". وهو بالتالي اعترف ضمناً بأن الكشف عن مصير المفقودين لا يدخل ضمن سلطة الإدارة الاستنسابية، وذلك على غرار محكمة شمال بنغازيالتي ألزمت الدولة الليبية بالكشف عن مصير المفقودين في سجن أبو سليم.[9] وكان تقرير المستشارة المقررة للمجلس قد أوصى برفض طلب الجهة المستدعية على أساس أن الاطلاع على ملف التحقيقات يدخل ضمن السلطة الاستنسابية لمجلس الوزراء ويؤدي الى "انعكاسات سلبية على صعيد السلم الأهلي واستقرار الأوضاع الأمنية وطي صفحة الحرب الأهلية". وقد أيد مفوض الحكومة في مطالعته هذا التقرير. إلا أن المجلس تجاوز في قراره النهائي هذه الاعتبارات ورفض تقييد الحق بالمعرفة، مما يرشح عن اعتراف ضمني بعدم إمكانية طي صفحة الحرب الأهلية من دون الكشف عن مصائر المفقودين. ويسجل أن المجلس كان سابقاً قد رفض الاعتراف بمبدأ عدم جواز تقييد الحقوق الأساسية دون نص صريح وذلك في قرارات له في قضايا تمس بحريات دستورية كحرية المعتقد[10]وحرية التعبير.[11]

تعزيز مفهوم العدالة الانتقالية ومشروعية مطالب ذوي المفقودين
صدر هذا القرار قبل أيام قليلة من الاحتفال باليوم العالمي"للحق في معرفة الحقيقة في ما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ولاحترام كرامة الضحايا" في 25 آذار/مارس.[12] وعليه، فإنه يعزز موقف لبنان ضمن هذا التوجه العالمي الذي يشكل إحدى ركائز العدالة الانتقالية لتخطي آثار النزاعات المسلحة كالحرب الأهلية اللبنانية. وتشكل قضية الكشف عن مصير المفقودين أحد أهم محاور العدالة الانتقالية على أساس أن ذوي المفقودين يتميزون بأنهم من فئة الضحايا المستمرة معاناتهم ولا تتوقف معاناتهم إلا من خلال الكشف عن مصائرهم.

وكان حراك ذوي المفقودين قد قرر اللجوء الى القضاءبهدف الكشف عن مصائرهم بعدما فشلت جميع المساعي السياسية واللجان الحكومية ومجلس النواب في إنجاز أي تقدم في هذا المجال.[13] كما تقاعس مجلس النواب حتى اليوم من البحث في اقتراح قانونالأشخاص المفقودين والمخفيين قسراً الذي تقدمت به الجمعيتان في العام 2012.[14] وقد استندت الدعاوى القضائية المقدمة من ذوي المفقودين للمطالبة بحماية المقابر الجماعية واستخراج الرفات البشرية المدفونة الى الحق الطبيعي بمعرفة مصير المفقودين. وصدر فيها عدد من القرارات الإعدادية (تعيين خبراء..) كرّست حق المعرفة ضمناً من دون أن تصل الى حد تكريسه صراحة كما جاء في قرار مجلس شورى الدولة. بالتالي، يأتي هذا الحكم ليؤكد مشروعية مطالب ذوي المفقودين وليتوّج رهانهم على القضاء لإنصافهم بعد أكثر من 15 عاماً على إطلاقهم حملة "من حقنا أن نعرف".
محامية متدرجة وباحثة في القانون

  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا

نشر في العدد الخامس عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1] صدر القرار عن الغرفة الأولى المؤلفة من الرئيس شكري صادر والمستشارتين ميريه عماطوري وفاطمة عويدات.
[2]غيدة فرنجية، شورى الدولة يضحي بحريات أساسية على مذبح "النظام"، المفكرة القانونية، العدد 9، أيار 2013، وشورى الدولة يواصل التضحية بالحريات الدستورية: قضية "بيروت في الليل" نموذجاً، المفكرة القانونية، العدد 10، تموز 2013.
[3]للمزيد عن مصادر حق المعرفة، راجع دراسة نزار صاغية، ذوي المفقودين ازاء سياسات الصمت والانكار، أي أبواب لنقل مطالبهم الى حلبات القضاء؟ 2012، ومنشور على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية في 20-8-2012.
 
[4] Juan MENDEZ, An Emerging right to Truth:‟Latin-American Contributions in Legal Institutions and Collective Memories, Suzanne Karstedt, ed., Oxford: Hart Publishing, 2009
[5]القرار الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت (يحيى غبورة)، تاريخ 10-9-2009 ورد في نزار صاغية، أجمل الأحكام 2009، القاضي رائدا في مجتمعه، الأخبار،17-1-2010.
والقرار الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في طرابلس (نازك الخطيب)، تاريخ 28-5-2012 ورد في غيدة فرنجية، حكم قضائي يقلب "الأفكار المسبقة" في قضية لاجئ سوري: "ممارسة حق اللجوء من دون تجاوز ليس جرماَ"، المفكرة القانونية، عدد 5، تموز 2012.
[6]القرار الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في طرابلس (نازك الخطيب)، تاريخ 19-1-2012، ورد في نزار صاغية، "القاضية الخطيب وحزب التحرير والمادة 9 من الدستور: لمن اراد ان يؤمن بالخلافة او ان لا يؤمن"، المفكرة القانونية، عدد 3، كانون الثاني 2012.
[7]يمنى مخلوف، جدل أمام قاضي الأمور المستعجلة في لبنان: سلامة الانسان فوق كل اعتبار، المفكرة القانونية ، عدد 14، شباط 2014.
[8]لمى كرامة، ماذا أنجز المجلس النيابي في 2012؟ العسكر والمباراة المحصورة وقضاء من دون استقلال، المفكرة القانونية، ملحق 2012 مع العدد 7، كانون الثاني 2013.
[9]الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية في شمال بنغازي في 8-6-2008، ورد في "مجزرة سجن أبو سليم في ليبيا: حين تحول القانون سلاحا في أيادي ذوي المفقودين"، المفكرة القانونية، عدد 5، تموز 2012.
[10]غيدة فرنجية، شورى الدولة يضحي بحريات أساسية على مذبح "النظام"، مذكور أعلاه.
[11]غيدة فرنجية، شورى الدولة يواصل التضحية بالحريات الدستورية: قضية "بيروت في الليل" نموذجاً، مذكور أعلاه.
[12]للمزيد من المعلومات حول هذا اليوم العاملي، راجع http://www.un.org/ar/events/righttotruthday/
[13]راجع دراسة نزار صاغية، ذوي المفقودين ازاء سياسات الصمت والانكار، أي أبواب لنقل مطالبهم الى حلبات القضاء؟ مذكور أعلاه.
[14]مشروع قانون الأشخاص المفقودين والمخفيين قسراً، كانون الثاني 2012، متوفر على الدليل المدنيعلى الرابط التالي: http://daleel-madani.org/petition/kidnapped-petition.