سلامة الإنسان فوق كل اعتبار، مبدأ يواصل قضاء الأمور المستعجلة في المتن لإرسائه انطلاقاً من قرارات لمحكمة التمييز والتوسع به مع تحديد نطاقه ومداه، وعلى نحو يجعل منه مبدأً عاماً هو في أعلى هرم المنظومة القانونية في لبنان. فيبدو قاضي الأمور المستعجلة في المتن من خلال ذلك وكأنه كاتب روائي يستكمل العمل القانوني المباشر من قبل القضاة السابقين لاستخراج مبادئ عامة قانونية مفادها معالجة الحالات الصعبة التي تُطرح أمامه، وذلك عملاً بمبدأ وحدة القانون[1].

بتاريخ 20/2/2014، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في المتن أنطوان طعمة حكماً قضى برد الاعتراض المقدم طعناً في القرار الصادر عن محكمة قضاء الأمور المستعجلة في المتن بتاريخ 8/5/2012 بمنع الزوج السابق لمستدعية الطلب من الدخول الى المنزل الذي تسكنه مع ابنتها. وكانت المستدعية قد عرضت أنه على أثر الخلافات الزوجية، غادرت المنزل الزوجي لتستقل هي وابنتها في منزل في المنصورية، إلا أن زوجها السابق كان يقصد الشقة ويدخلها ويتهجم عليها وعلى الابنة ويتعرض لهما بالضرب، وقد أبرزت تقارير طبية وصوراً عن التحقيقات والشكاوى الجزائية العالقة بينها وبينهتبعاً لذلك، قدم الزوج السابق اعتراضاً على الأمر على عريضة طلب بموجبه وقف تنفيذه وبالنتيجة إبطاله.

اذ ذاك، شهدت القضية مرحلتين: مرحلة أولى بت خلالها القاضي بطلب وقف التفيذ، وانتهت بصدور قرار عن محكمة التمييز أيدت فيه قاضي البداية مؤكدة على أن "سلامة الانسان فوق كل اعتبار"، وهذا ما علقنا عليه في العدد السابق للمفكرة[2]. ومرحلة ثانية، عاود فيهاقاضي الامور المستعجلة أنطوان طعمة البت في أساس الاعتراض، ليصدر حكما" برد الاعتراض في الاساس مستكملا" ما كانت محكمة التمييز قد باشرت في بنائهلاستخراج مبدأ عام في القانون. وهذا ما نتولى التعبيق عليه في هذا المقال.

ومن البارز في الحكم موضوع التعليق اعتماده مبدأ سلامة الإنسان فوق كل اعتبار والتوسع به كسند لإصدار أوامر على عريضة بمنع زوج سابق معنف من دخول منزل محل إقامة زوجته السابقة مبرراً الطبيعة الاستثنائية من جهة للأصول المتبعة في هذه الحالة، ومن جهة أخرى لتدابير الحماية المحكوم بها وهي تدابير من شأنها الحد من حق الملكية.
 
مبدأ سلامة الإنسان، مبدأ عام في القانون اللبناني على رأس الهرمية القانونية
مبدأ سلامة الإنسان فوق كل اعتبار قد سبق لمحكمة التمييز أن اعترفت به وأكدت عليه في قرارت سابقة[3] إلا أن هذه القرارات كانت تبدو وكأنها محصورة بحيثيات الحالات المعروضة أمامها الى أن طرحت القضية الراهنة، ليحتل هذا المبدأ أهمية بالغة في النظام القانوني اللبناني.
فالحكم موضوع التعليق يذهب أبعد من قرارات قضاة محكمة التمييز للجزم بأن "سلامة الإنسان تعلو كل اعتبار وترتقي في مرتبة أعلى من حق الملكية المتنازع عليها أصلاً بصورة جدية في الدعوى الراهنة".

بموجب هذا الحكم، يحتل إذاً هذا المبدأ المرتبة الأولى في الهرمية القانونية، ويشكل قلب الحقوق ومحورها لما "لنفس الإنسان من أهمية مطلقة وكونها هي محور الحقوق التي تقررها القوانين والتشريعات حماية على سلامتها وحفاظاً على كرامتها". وهذه الحيثية إنما تجعل من هذا المبدأ حجراً أساسياً في استخراج نظام عام حمائي للأفراد في القانون اللبناني[4]، لا يمكن التعرض له، حتى من أجل إعطاء الفعالية لحقوق لطالما قد ثابر القانون اللبناني على التقيد بها. ففي حال تعارض هذه الحقوق مع سلامة الإنسان، يقتضي ترجيح هذه الأخيرة لتعلقها بـ"نفس الإنسان". وإشارة الحكم الى "نفس الإنسان" تقود الى التساؤل عن مدى إمكانية نشوء مفاهيم جديدة وترسيخ حقوق أساسية للأفراد أوّلها كرامة الإنسان.
 
مبدأ سلامة الإنسان، سند لتدابير استثنائية 
يبرّر مبدأ سلامة الإنسان اتباع أصول واتخاذ تدابير استثنائية تخرج عن القواعد العامة. فمن جهة أولى، يبدو أنه في حال ثبوت الخطر على الإنسان، يجوز اتخاذ قرارات بصيغة الأمر على عريضة بناءً للمواد /604/ الى / 612/ من قانون أصول المحاكمات المدنية، أي بدون دعوة الخصم وسماعه، وذلك بغض النظر عن توافر عنصر المباغتة. وإن الحد من مبدأ الوجاهية وحق الدفاع هذا، تبرره حالة العجلة القصوى "التي لا تحتمل الانتظار" أو "عند وجود خطر على السلامة (...) إو عندما تكون حياة الإنسان مهددة بالخطر".

وبالطبع، إن فتح الباب أمام اتخاذ التدابير اللازمة درءاً لحماية الإنسان بناءً على أوامر على عريضة هو أساسي في حماية المرأة مما قد تتعرض له من عنف جسدي ومعنوي، إذ إن معضلة العنف ضد المرأة هي غياب الآليات السريعة الضرورية والفعالة بوجه آفة لا يمكن الاكتفاء بمعاقبة ظواهرها، بل يجب محاربتها بصورة وقائية.

ومن جهة ثانية، يسمح مبدأ سلامة الإنسان بتجاوز الاحتجاج بحق الملكية فيخلع هذا الأخير عن عرشه الذهبي للسماح للقاضي باتخاذ قرارات بمنع مالك من دخول ملكه إذا تسبب ذلك بخطر على أحد الشاغلين.

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، هو مدى استعداد القاضي للتقيد بكل ما يفرضه مبدأ سلامة الإنسان وأوله أخذ تدبير بإخراج أي زوج معنف من المنزل الزوجي حتى في حال استمرار الرابطة الزوجية وما تقضيه من موجب مساكنة. فما تشير اليه عبارة "أن سلامة الإنسان هي فوق كل اعتبار وتعلو على حق الملكية" إنما تسمح بتوقع إمكانية التوسع في التدابير التي يتخذها القاضي في حالات العنف الأسري، ولا سيما إذا بدا إخراج الزوج العنيف من المنزل الزوجي ضرورياً للسماح للزوجة من التحرر من قبضة معنفها تمهيداً لها للانفصال عنه.
 
وختاماً، تجدر الإشارة الى القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في جديدة المتن رالف كركبي في 18-3-2014 بمنع شخص عن نشر صور زوجته تحت طائلة تسديد غرامة تكديرية قدرها 20 ألف دولار أميركي عن كل صورة تنشر لها أو تسرب لأي جهة كانت وبأي وسيلة، وذلك على أساس وجوب حماية المرأة إزاء العنف الزوجي المعنوي. فللقضاء حسبما جاء في هذا القرار "سد الفراغ التشريعي في أي موضوع كان، وتحديداً في موضوع العنف ضد المرأة، فيخلق لها الحماية المعنوية والجسدية المناسبة الى حين صدور قانون بهذا الشأن"[5]. على وقع كلمات كهذه، يبدو القضاء المستعجل في المتن وكأنه يعلن موقفاً والتزاماً بتطوير مزيد من الآليات القانونية ضماناً لحماية المرأة، فسلامة الإنسان (المرأة) فوق كل اعتبار.

للإطلاع على نص الحكم كاملا الرجاء الضغط على الرابط أدناه
 
نشر في العدد الخامس عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]Ronald Dworkin, « La chaîne du droit »dans« Droit et Société », 1985, n.1, p. 51 et s.
[2]يمنى مخلوف، "جدل امام قضاء الامور المستعجلة في لبنان، سلامة الانسان فوق كل اعتبار، المفكرة القانونية"، المفكرة القانونية، 2014، عدد 14، ص. 9
[3]محكمة التمييز، تاريخ 23/2/2006، المنشور على المصنف الالكتروني ومحكمة التمييز، تاريخ 24/5/2012 رقم 57/2012، المنشور في العدل 2013، ص. 208
[4]نزار صاغية، "الطفل في حال الخطر، القضاء يكرس نظاما ملزما للطوائفالأخبار، 13 آب 2009
[5]نزار صاغية، "للمرة الأولى، قرار قضائي لحماية المرأة ضد العنف المعنوي في لبنان"، نشر على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية في 20-3-2014.