تم تسجيل نحو 844000 لاجئ سوري لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (المفوضية)في لبنان بحلول شهر كانون الثاني 2014، إلا أن العدد الفعلي يقدّر بأكثر من مليون إذا ما تم احتساب العدد الكبير من اللاجئين غير المسجلين لدى المفوضية. وتشكّل الرعاية الصحية (بما في ذلك الرعاية الصحية الأولية والنفسية) بالطبع إحدى الركائز الأساسية في أي استجابة إنسانية في حالات الطوارئ.
 
قدرة اللاجئين السوريين على الوصول إلى الرعاية الصحية في لبنان: التحديات والثغرات
بالنسبة إلى أي لاجئ سوري، سواء كان مسجلاً أم لا لدى المفوضية، يشكل الحصول على أي نوع من المساعدة تحدياً وأمراً معقداً. هنالك بالتأكيد العديد من العوامل التي تؤثر على الاستجابة الإنسانية وكفاءتها، وهذه العوامل المعقدة تتصل أيضاً بالحكومة والوزارات اللبنانية وليست رهناً فقط بالمفوضية. وتفادياً للتعميم، سأسند التعليقات التالية إلى تجربتي الشخصية في العمل الميداني، فضلاً عن إفادات اللاجئين الذين التقيت بهم ومجموعة من البحوث المنشورة، بما في ذلك تقرير منظمة أطباء بلا حدود للعام 2013 والتقرير التقييمي لقطاع الصحة الصادر عن العاملين في مجال الصحة العامة.

حتى في أوساط اللاجئين السوريين المسجلين، كشفت الدراسة التي قامت بها منظمة أطباء بلا حدود والمذكورة أعلاه عن شكاوى عديدة. فقد أفاد لاجئ من كل أربعة تقريباً عن عدم تلقيه أي مساعدة، فيما أعلن 65% منهم أنهم لم يتلقوا إلا مساعدة جزئية بقيت قاصرة عن تغطية احتياجات أسرهم. وتبدو تبرعات الجهات المانحة المقدمة من الحكومات الأجنبية إما غير كافية أو غير موزعة على نحو ملائم، خاصة في القطاع الصحي. كما كشفت الدراسة أن العديد من اللاجئين يعيشون في ظلّ فقر مدقع وفي مواقع مكتظة وظروف غير صحية. ولهذا السبب، يشهد وضعهم الصحي تدهوراً سريعاً مع ارتفاع معدلات الإصابة بمرض السل والأمراض الجلدية (الجرب والالتهابات الجلدية) والتهاب الكبد وأمراض الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والأمراض المعدية الأخرى، على حدّ إفادات بعض الأطباء اللبنانيين العاملين في العيادات المتنقلة التي أنشأتها المنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية. وفي ظل هذه المعطيات، تبقى الموارد المتاحة لتأمين العلاج المناسب للحالات المزمنة (ارتفاع ضغط الدم، السكري، أمراض القلب والأوعية الدموية، الصرع) أو لتوفير الرعاية أثناء الحمل أو بعد الولادة غير كافية. أما بالنسبة إلى الأشخاص المصابين بأمراض السرطان، فلا وجود لخدمات أو لعلاجات إطلاقاً. بالإضافة إلى ذلك، يفتقر معظم الأطفال إلى اللقاحات الأساسية، كما أنهم معرّضون بنسبة كبيرة للإصابة بسوء التغذية الحاد والتأخير في النمو. وعلى الرغم من عدم وجود تقارير رسمية حول هذا الموضوع، إلا أننا نعلم من جرّاء عملنا في الميدان أن العديد من الأطفال قد لقوا حتفهم بسبب سوء التغذية والبرد، خاصة خلال العاصفة التي اجتاحت البلاد في فصل الشتاء. ومن القضايا الأخرى المسجلة، تصاعد العنف القائم على نوع الجنس، لا سيما حالات اغتصاب النساء، وذلك من دون قدرة الوصول إلى العلاجات المنقذة للحياة، مثل الوقاية الطارئة من فيروس نقص المناعة البشرية وغيرها من الفيروسات التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي.

تتولى المفوضية تنسيق الدعم مع الوزارات المعنية والمنظمات غير الحكومية ذات الصلة، إلا أن هذه الخدمات تبقى متواضعة بالمقارنة مع احتياجات مجموع السكان اللاجئين السوريين. ويبدو أن إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية هي من أبرز الشواغل بالنسبة إلى اللاجئين السوريين في لبنان، خاصة أن المفوضية قد عمدت إلى تقليص التغطية التي تؤمنها لقطاعي الرعاية الصحية والإيواء نظراً إلى النقص في التمويل. وغالباً ما تفتقر المستشفيات التي تستقبل اللاجئين السوريين إلى المعدات الأساسية، كما يبدو الفريق الطبي مستنزفاً من جرّاء تدفق المرضى اليه واضطرارهم إلى معالجة حالات طبية غير مألوفة بالنسبة إليهم أو لم يتم تدريبهم على التعامل معها.
 
الصحة النفسية في حالات الطوارئ: جدلية الخدمات التي تركز على الصدمة
في إطار الصحة النفسية، يتزايد تقديم البرامج القائمة على الخدمات التي تركز على الصدمات وفحص وإدارة اضطرابات ما بعد الصدمة[1] من قبل الجهات المانحة الأجنبية. غير أن هذه البرامج قد كانت محطّ جدل، إذ ينظر بعض الخبراء إلى فئة اضطرابات ما بعد الصدمة على أنها وصفة غربية لا تمت بصلة للمجتمعات غير الغربية؛ فيما يرى آخرون أن إنكار أهمية الصدمة خطأ مهني.

ولهذا النقاش انعكاسات أساسية: فقد باتت النظرة إلى اللاجئين عامة، واللاجئين السوريين خاصة، على أنهم "مرضى" يعانون من اضطراب سريري من الوسائل الرئيسية لتمكين أي منهم من اللجوء وإعادة الاستيطان في بلد ثالث من خلال المفوضية. فتقرير الطبيب النفسي الذي يشير إلى أن "المريض يعاني من اضطراب شديد ما بعد الصدمة جرّاء تعرضه لأحداث مؤلمة، ما يمنعه من ممارسة حياته اليومية" غالباً ما يكون أفضل الطرق لتزويد اللاجئ بنوع من المساعدة الاجتماعية والموارد المادية أو طلب اللجوء إلى أوروبا أو أميركا الشمالية. فكما أشار كلاينمان في دراسته لبيئات ثقافية أخرى للاجئين، "للتمكن من الوصول إلى المساعدات العامة وإعادة التوطين، يجدر باللاجئ أولاً أن يتحوّل إلى "ضحية" سلبية وبريئة، غير قادرة على تمثيل نفسها - وبالتالي متاحة ليُصار إلى تمثيلها". في وقت لاحق، يتم تصنيف هذا اللاجئ على أنه "مريض"، فيتحول بالتالي من شخص تعرّض لصدمة إلى شخص مريض.

والواقع أن تصنيف المعاناة الإنسانية والخسارة جرّاء الحرب بواسطة مصطلحات طبية على أنها "أعراض اضطرابية" وإضفاء صفة المرض على ردود الأفعال الإنسانية للانتهاكات السياسية الجماعية والمحن الاجتماعية قد يؤدي إلى وصم اللاجئين. فذلك قد يعزز في نهاية المطاف شعور اللاجئ بالعجز والغربة وتجريده من إنسانيته. وهذا ما عبّر عنه العديد من الأشخاص الذين عاينتهم بكلماتهم الخاصة:
"لا أفهم لماذا يجب عليّ تناول دواء. هل أكون مريضاً إذا كنت حزيناً في حدادي على فقدان ابني الذي رأيته يموت في الشارع تحت دوي القنابل؟"
"أنا أعيش تحت السلّم في أحد المباني المهجورة بعدما فقدت كل ما أملك. أشعر وكأنني لم أعد إنساناً. كيف ستتمكنين من شفاء ذلك كله؟ ألا يمكنك الاكتفاء بمساعدتي على العثور على مأوى؟"

"لم يكن بإمكاني الحصول على طلب إعادة توطين إلا من خلال تقديم تقرير يفيد بأنني قد أصبت بخلل نفسي وعقلي حاد جرّاء كل ما شهدته إبّان الحرب وربما أكون قد تماديت في ذلك.. لكن الآن، حتى ولو تمكنت من السفر، فمن سيقبل بتوظيف لاجئ يعاني من مشاكل عقلية؟"
ما هذه سوى عيّنة صغيرة من الاقتباسات التي سمعتها في معرض روايات شخصية ومعقدة. وبذلك، بات وضع اللاجئ حالة طبية سريرية قبل أن يكون حالة إنسانية تعيشها جماعة معينة، على الأقل بالنسبة إلى المموّلين من الجهات المانحة الدولية. لا شك بأن هؤلاء الأشخاص يحتاجون إلى الدعم النفسي وأن العديد من المرضى يستفيدون من العلاج السريري، خاصة أولئك الذين يعانون في الأصل من اضطرابات نفسية. غير أن هذا التركيز على رد الفعل الفردي هذا حيال الضائقة الاجتماعية على أنه تشخيص لمرض نفسي (اكتئاب، اضطراب ما بعد الصدمة وغير ذلك) يميل إلى التقليل من أهمية معالجة الأسباب الرئيسية لهذه الضائقة: النقص في الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية الأساسية وانتهاكات حقوق الإنسان وانعدام الأمن والتمييز. ففي نهاية المطاف، هذه الظروف الصحية النفسية هي طريقة التعبير عن معاناة اجتماعية جماعية وإحدى عواقبها، وهذه المعاناة تحديداً هي التي تستوجب المعالجة الطارئة.

لقد حاول مؤخراً تجمّع خبراء من منظمة الصحة العالمية تسليط الضوء على عدم وجود دليل يبرهن فعالية التدخلات التي تركز على الصدمة (العلاج النفسي الفردي والأدوية) في حالات الطوارئ. بدلاً من ذلك، شددوا على أهمية قيام نهج صحة عامة على نطاق المنظومة ككل، يأخذ بعين الاعتبار الموارد البشرية والمجتمعية الموجودة، فضلاً عن التدخلات الاجتماعية. بعبارة أخرى، يبدو أن الخبراء قد اتفقوا أخيراً على أن أفضل علاج فوري للاضطرابات الناجمة عن الحرب والصدمات إنما يتم من خلال التدخلات الاجتماعية بدلاً من تلك السريرية.

وانطلاقا من ذلك، لا بد من إعادة النظر في نموذج "الاضطراب" الحالي الكامن وراء خدمات الصحة النفسية التي يجري تمويلها، وذلك من خلال تطوير نهج صحي أكثر عالمية وعمومية. ويمكن التوصل إلى ذلك من قبل مجموعات التركيز الصحية العاملة داخل المفوضية من أجل إدماج التدخلات والخدمات العملية في سياسة الصحة النفسية بهدف تحسين نوعية الحياة وحماية حقوق الإنسان والأمن البشري الأساسي: فانعدام هذه العناصر هو في الواقع أحد الأسباب الرئيسية للعديد من الحالات النفسية المسجلة بين اللاجئين السوريين.
 
نشر في العدد الخامس عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1] اضطراب ما بعد الصدمة: اضطراب نفسي قد يصيب الشخص بعد معاينة أو الخضوع لتجربة مؤلمة؛ وهو يشمل تجنب أي تذكير بالصدمة وإعادة عيش الحدث المسبب للصدمة من خلال كوابيس أو ومضات من الذاكرة والإصابة بحالة مزمنة من التيقظ المفرط.