من بين الاستراتيجيات القضائية الثلاث في التعامل مع التداول الإعلامي في شؤون القضاء، تشكل استراتيجية المنع العقابية بالطبع الاستراتيجية الأكثر تشدداً. وقد تمثلت هذه الاستراتيجية في عامي 1998 و2008 في مشروعي قانون وضعتهما السلطة بحجّة تحصين "هيبة القضاء" من دون أن يتم إقرارهما. وتعكس نصوص "المنع العقابية" ما ترتئيه الطبقة السياسية مناسباً لكلتا المهنتين وكيفية التفاعل بينهما، طبعاً تحت حجة الحرص على سير أعمال الجسم القضائي في مواجهة النزعات المفترضة للإعلام الى الإثارة والتعميم والتطرف. فتجمع نظرة الطبقة السياسية مباشرة أو بواسطة من اختارته لترؤس أعلى هرمية القضاء، بين تمنياتها بأن يرتكز القضاء مثل الجيش، على منطق "الوهرة" والتخويف، وتبرمها من "الفلتان" المفترض عند الإعلام. وكان من الطبيعي أن تولد هذه المشاريع عند مناقشتها مخاوف مشروعة إزاء تحويل القضاء والإعلام الى أذرعة تحركها السلطة وتحدد أدوارها، في وجه من يتم حجب مصالحه واهتماماته في هذه المشاريع، أي في وجه مصلحة سواد المواطنين (المحرر).

نعود في ما يلي الى نصوص مشروعي القانون، وقد استمد مشروع 2008 معظم مواده من مشروع العام 1998 مع بعض الفروقات المهمة، ملقين الضوء على مضمونهما ومبادئهما وظروف وضعهما، فضلاً عن المبررات التي أثيرت آنذاك لتبريرهما.

هيبة القضاء أم هيبة من يتدخل في أعماله؟
بالعودة الى مواقف السلطة في العهود السابقة، يتبين لنا أن محاولات تحصين المؤسسة القضائية مؤسساتياً إزاء الانتقادات الإعلامية، بلغت ذروتها في عهد وزير العدل بهيج طبارة، حيث عمل الأخير على إعداد مشروع قانون عام 1998 "يتعلق ببعض الجرائم التي تمس سلطة القضاء والأعمال والقرارات الصادرة عنه". ولقد رمى مشروع القانون هذا الى حماية ما سماه "هيبة القضاء" من خلال إيجاد جرم جديد يعاقب من "يزعزع الثقة" بالأعمال والقرارات القضائية ويمس بـ"كرامة" القضاء و"استقلاليته"، فضلاً عن تشديده عقوبة استعطاف القاضي شفاهة أو كتابة. ولقد استثنى هذا المشروع التعليقات ذات الطابع التقني والأعمال التي ترمي الى تعديل القرار القضائي أو نقضه أو إعادة النظر فيه. ويستذكر المحامي وليد النقيب، الذي شارك في وضع المشروع بصفته مستشاراً للوزير طبارة، الظروف التي أوجبت وضعه قائلاً إن التهجم الإعلامي على القضاء كان شديداً في تلك الحقبة، فكان على وزارة العدل "أن تحصن القضاء بالنصوص" ليس لأن القضاء معصوم عن الخطأ بل لأن التصحيح يجب أن يكون من داخل السلطة القضائية. ومن ناحية أخرى، اعتبرت الأسباب الموجبة لمشروع القانون أنه يجب الحفاظ على كرامة القضاء وسمعته لأن ذلك يعزز استقلالية السلطة القضائية ويدعم النظام الديمقراطي، داعية الى وجوب وضع نصوص تحمي هيبة القضاء المشابهة للنصوص التي تحمي هيبة الجيش وتمنع أي تطرق لما يخصه. وكان من اللافت أن هذا المشروع قد لقي آنذاك انتقاداً هاماً من أحد أبرز القضاة السابقين الراحل عبد الباسط غندور الذي ذكر بأن تعزيز استقلال القضاء والثقة به لا يُفرض فرضاً من خلال إنشاء عقوبات جديدة بل يتحقق من خلال تعزيز مقوّمات  صدقيته التي بدورها تطمئن الناس الى قراراته[1]. كذلك استندت الأسباب الموجبة لمشروع القانون أساساً الى مواقف المجلس الأعلى في ذاك الحين، لا سيما بيانه الصادر بتاريخ 19/2/1998 والذي أشار فيه الى "كثرة التداول في الشأن القضائي" والى أن سلامة العمل القضائي يستتبع عدم التدخل فيه عندما يرمي هذا التدخل الى زعزعة الثقة بالقضاء. وفيما يجد "النقيب" أن النص الذي يعاقب زعزعة القضاء لا يحدّ من حرية التعبير وهو نص منقول عن القانون الفرنسي ومعمول به حالياً دون أية إشكاليات، سجلت رئيسة تحرير حقوق الناس (ملحق كان يصدر مع جريدة النهار في 1998)[2] أمل مكارم أن المنطق يوجب معاقبة انتقاد التدخلات السياسية والفساد الذي يطال المؤسسة القضائية ما دامت زعزعة الثقة بالقضاء تأتي من التدخلات نفسها وليس من الكلام عنها أو فضحها. ويستوقفنا هذا الانحراف في الأهداف، فبدلاً من أن يكون العلاج في تعزيز الشفافية والمحاسبة والكشف عن صرف النفوذ وأفعال الترغيب، يكرّس مشروع القانون التستر على عيوب القضاء والتي تقتصر معالجتها ضمن الهيئات القضائية. ورغم أن مشروع القانون اقترن بموافقة مجلس القضاء الأعلى ونال، بحسب الأستاذ النقيب، إجماعاً لدى مناقشته في لجنة تحديث القوانين، إلا أنه لم يُقرّ بعد تغيير الحكومة تبعاً لانتخاب رئيس الجمهورية اميل لحود.

تلميع صورة القضاء على حساب حرية الرأي والإعلام
 في مرحلة ثانية، في العام 2008، شهد لبنان تجاذباً مماثلاً بين الإعلام والقضاء، أخذ أبعاداً أكثر ضراوة، حيث أعيد طرح مشروع قانون عام 1998 ولكن مع تشديد طال مجمل مواده. ويستذكر وزير العدل السابق إبراهيم نجار معنا هذه الفترة بقوله إنها كانت عصيبة جداً على القضاء، لا سيما أن التشكيلات القضائية كانت موضع عرقلة وتأخرت لسنوات طويلة. ويضيف أن مجلس القضاء الأعلى كان "على وشك الاضمحلال والسقوط نتيجة استقالات وتقاعدات، مما كان يحول دون توفير النصاب القانوني لاجتماعاته". كمايوضح أنه بموازاة ذلك كان ثمة إعلام يتناول القضاء تناولاً مركّزاً وهادفاً من خلال برامج تلفزيونية. وفي هذه الأجواء، وعلى خلفية حلقات لبرنامج "الفساد" طالت عدداً من القضاة (من إعداد غادة عيد، يبث على قناة "الجديد")، أصدر مجلس القضاء الأعلى والجمعية العمومية للقضاة بيانين في 14 و17/7/2008 طالبين من النيابة العامة التمييزية إقامة الملاحقات الفورية بحق كل من تسوّل له نفسه تناول القضاء سلطة وأفراداً[3]، فضلاً عن دعوتهماالى تجاوز حصانات الإعلاميين والمحامين والنواب في حالات التعرض للقضاة. بل وصل الأمر بالمجلس المذكور الى المطالبة بتفعيل التوقيف الاحتياطي بحق جرائم المطبوعات من خلال تعديل القانون الذي يحكمها، مشيراً الى أن حظر التوقيف الاحتياطي للإعلاميين مشروط بعدم تجنيهم عند استعمالهم حرية القول على حرمات المواطنين عامة والقضاة خاصة[4].

ويسجل المحامي نزار صاغية[5] أن هذين البيانين يعكسان "نفساً عقابياً" يتجلى في الإجراءات الرادعة والفورية (احتجاز احتياطي) التي ناديا بوجوب إنزالها بحق كل من يتناول السلطة القضائية، مستبقين بذلك النتائج التي قد تسفر عنها المحاكمة. وفي إثر هذه البيانات، استُعيد مشروع قانون 1998 ووجّه وزير العدل آنذاك إبراهيم نجار طلباً بتاريخ 9-9-2008 الى هيئة التشريع والاستشارات  للإفادة عما إذا كانت النصوص المقترحة في مشروع قانون 1998 ما زال من الـ"ممكن اقتراحها بعد انقضاء عشر سنوات على صياغتها أو إذا كان يمكن تطويرها". وقد ارتأت هيئة التشريع والاستشارات على ضوء البيانين القضائيين المشار اليهما أعلاه إدخال بعض التعديلات على المشروع بعدما وصفتها بالضرورية لملاءمة المشروع مع الواقع. وعليه، وضعت صيغة 2008 لمشروع قانون جرائم المس بهيبة القضاء بعدما تم تشديد عدد من مواده.  فقد رفع الحدين الأدنى والأعلى للعقوبة في ما يتعلق بجرم زعزعة الثقة بالقضاء وصولاً الى ثلاث سنوات حبساً، وزاد قدر الغرامة المنصوص عليها الى أكثر من ضعف ما كانت عليه، فضلاً عن تطويله مدة مرور الزمن على الحق العام من 3 أشهر الى 6 أشهر. وبلغ "هوس الهيبة" أوجه حين تبنى المشروع المعدل توصيات مجلس القضاء الأعلى بخصوص التوقيف الاحتياطي فأجازها في جرائم المطبوعات التي تقع على السلطة القضائية أو على القاضي، مميزاً إياها بذلك عن سائر جرائم المطبوعات. إلا أن النهج التكميمي لحرية التعبير استند الى مبررات جديدة هذه المرة أبرزها "موجب التحفظ". فقد علل مجلس القضاء الأعلى مطالبته بتفعيل التوقيف الاحتياطي بأن موجب التحفظ الذي يلتزم به القضاة يمنعهم من ممارسة حق الرد دفاعاً عن أنفسهم في حال تعرضهم لتهجم أو نقد إعلامي، ما يوجب على الإعلام الصمت تيمناً بالقضاة.[6] إلا أن مشروع القانون هذا، كسابقه، لم يبصر النور لعدم حصول توافق بين السلطات المعنية حول بنوده. وأكد الوزير السابق نجار للمفكرة أنه رغم إيمانه بأن عليه، من خلال منصبه، أن يحمي القضاء ويحرره من الضغوط السياسية والإعلامية، إلا أنه تحفظ حينها على بند التوقيف الاحتياطي تحديداً واقترح إذ ذاك حذفالمشروع من جدول أعمال الحكومة. ويبدو أن الظروف التي توالت بعد ذلك ساهمت في سحب مشروع القانون من التداول دون أية صدامات، حيث أفادنا نجار بأن ذلك يعود الى تمرير التشكيلات القضائية في عهده واقتراحه رفع رواتب القضاة وزيادة صندوق تعاضد القضاة من 4 مليارات الى 10 مليارات ليرة لبنانية.
 
  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا

 نشر في العدد الخامس عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1] تعليق عبد الباسط غندور على مشروع القانون، ملحق حقوق الناس، جريدة النهار، تاريخ 15/4/1998
[2] المرجع نفسه.
[3] نزار صاغية، مجلس القضاء الاعلى يلبس وشاحاً جديداً: الترفع، جريدة الاخبار، تاريخ 23/9/2009.
[4] نزار صاغية ، التشهير بالفساد حق لانه واجب، جريدة الاخبار، تاريخ 9 نيسان 2010.
[5] نزار صاغية، مجلس القضاء الاعلى يلبس...، مذكور أعلاه.
[6] مرجع نفسه.