دشنت "المفكرة القانونية" خلال شهر آذار من العام 2013، مرصداً لقضايا العاملات في الخدمة المنزلية أمام القضاء. وقد تركز العمل البحثي على توثيق الأحكام الصادرة عن القضاء الجزائي ممثلاً بالقاضي المنفرد الجزائي في كل من بيروت، بعبدا وجديدة المتن، بالإضافة الى الملفات العالقة أمام مجالس العمل التحكيمية، في محافظتي بيروت وبعبدا، خلال عام 2013. وفيما رصدنا أكثر من 400 حكم صادر عن القضاة المنفردين في قضايا ادُّعيَ على العاملات فيها في اثنين منها، لم نرصد أي حكم صادر حتى نهاية 2013 عن مجالس العمل التحكيمية على الرغم من وجود 48 دعوى قدمتها كلها العاملات أمام هذه المجالس. وسنتوقف في مقالنا هذا عند هذه الظاهرة في محاولة لعرض أسباب تلكؤ مجالس العمل عن إصدار أحكام في قضايا العاملات، لا سيما أن هذه المجالس ملزمة بالنظر في القضايا المعروضة أمامها بالطريقة المستعجلة.

لا بد بادئ ذي بدء، من الإشارة الى مسألة بالغة في الخطورة رُصدت عبر دراسة بعض الأحكام والملفات القضائية ذات الصلة الصادرة عن القضاة المنفردين الجزائيين، تتمثل بصناعة محاكمة غيابية للعاملة إثر قيام قضاء الادعاء ممثلاً بالنيابات العامة بإعطاء الأمن العام الأولوية في النظر والبت في مصير العاملة – الذي غالباً ما ينتهي الى ترحيلها - قبل إحالتها الى قضاء الحكم. وأبرز ما ينتج من هذه الممارسة هو تغييب العاملة عن قضيتها، وعرقلة وصولها أمام القضاء وحقها في الحصول على محاكمة عادلة وممارسة حقها في الدفاع، وبالتالي تغييب قصتها عن آذان المحكمة. هذا فضلاً عن تهميش دور قضاة الحكم الذي يصبح ثانوياً ودون أي تأثير على واقع العاملة التي سبق وقام الأمن العام بتوقيفها وترحيلها.

وتغييب العاملة على هذا الوجه لا ينحصر في القضايا الجزائية، بل ينسحب أيضاً على القضايا العالقة أمام مجالس العمل التحكيمية،  حيث أثبتت لنا محاضر التحقيقات المرفقة، في37 ملفاً من الملفات الـ48 (12 ملفاً في بيروت و36 ملفاً في بعبدا) التي بحوزتنا، إصرار النيابة العامة على إعطاء الأمن العام صلاحية اتخاذ القرار في بقاء العاملة في البلاد، وذلك على الرغم من توثيق محاضر التحقيقات، لانتهاكات عدة تعرضت لها العاملة، أبرزها تمنّع أصحاب العمل عن تسديد أجورها المستحقة لفترات طويلة.

ولا بد من الإشارة هنا الى أن التمنع عن دفع الأجور المستحقة في سياق كهذا قد يؤشر الى توافر مفهوم العمل القسري، الذي هو شكل من أشكال الاتجار بالبشر كما عرفته الفقرة الأولى من المادة 586 من قانون العقوبات المعدلة عام 2011. 

ولا يمكن حصر سبب تلكؤ مجالس العمل التحكيمية بالمهل القانونية للبت بالدعاوى بواقع ترحيل العاملة، بل تضاف اليه أسباب أخرى عديدة، منها على سبيل المثال، أن مجالس العمل التحكيمية في لبنان بقيت معطلة طوال سنة كاملة (عام 2011-2012) بسبب خلاف المراجع الوزارية المعنية على تعيين ممثلي العمال وأصحاب العمل، ما ثنى كثيراً من الأجراء عن تقديم دعاوى في هذا المجال. وهذا الأمر يشكل أيضاً أحد أسباب تأخير البت بالدعاوى، تضاف اليه أسباب أخرى، منها إشكالية التبليغات التي تظهر في معظم الملفات، إضافة الى إشكالية عدم حضور أحد أطراف الدعوى (سواء المدعية أو المدعى عليها). فتظهر الملفات الـ22 التي عُيّن موعد جلسة فيها ولم يصر الى العمل على إبلاغ الدعوى الى الطرف المدعى عليه (صاحب/ة العمل) أنه قد تم تأجيل الجلسات في تسعة ملفات لعدم إبلاغ المدعى عليه. لا بل يسجل شطب دعوى منها من جدول الجلسات لغياب الفرقاء المتكرر (غاب وكيل المدعية في أكثر من 5 جلسات)، وأخرى شُطبت خلال عام 2011 بسبب غياب وكيل المدعية المتكرر وأعيد تسجيلها خلال عام 2012 على الجدول.كما نلحظ أن الملفات الـ26 التي بحوزتنا والتي قُدّمت خلال عام 2013 خالية من أي إشارة الى تعيين موعد جلسة، كما أنها لا تتضمن أي تبليغ أو لائحة جوابية من الطرف المدعى عليه. وعليه، أمام هذا الواقع، يصبح من المشروع التساؤل عن فعالية اللجوء الى مجالس العمل التحكيمية لتكريس حقوق العاملة في الخدمة المنزلية ولحمايتها من تسلط بعض أرباب العمل واستغلاهم، حين تأخذ الدعوى سنوات على أقل تقدير قبل البتّ بها في ظل غياب العاملة.
 
نشر في العدد الخامس عشر من مجلة المفكرة القانونية