لم تفِ لجنة حقوق الانسان النيابية بالوعد الذي سبق لها ان قطعته لجهة عزمها على الاعلان رسميا عن الخطة الوطنية لحقوق الانسان في العاشر من كانون الاول 2011 بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الانسان... علما ان اللجنة المذكورة كانت قد اتخذت القرار بانشاء الخطة في المناسبة ذاتها عام 2005 اي منذ ستة اعوام.  
يشار بادئ ذي بدء الى ان فكرة الخطة الوطنية نشأت ابان المؤتمر العالمي الثاني لحقوق الانسان المنعقد بمدينة فيينا بالنمسا عام 1993، وذلك بهدف ترسيخ حقوق الانسان وحرياته الاساسية وحمايتها داخل كل دولة وفق استراتيجية وطنية محددة، وهو ما انجزته قرابة ستين دولة حتى الآن.
ويقتضي ايضا التشديد على الطابع الرسمي لهذا المشروع باعتباره خطة استراتيجية للدولة اللبنانية بكل سلطاتها مجتمعة وعلى أمد خمس سنوات، يتولى مجلس النواب وتحديدا لجنة حقوق الانسان النيابية وضعها بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة الانمائي ومكتب المفوض السامي لحقوق الانسان. ولقد رفع المسودة الأولى لهذه الخطة- والتي اطلق عليها اسم "المسودة رقم صفر"[1]- السيد امين مكي مدني بصفته خبيرا دوليا، وذلك في ضوء الدراسات الخلفية التي اعدها خبراء وطنيون- غالبيتهم حقوقيون- بخصوص 23 مجالا. وازاء الانتقادات التي وجهت للمسودة، عادت اللجنة النيابية المذكورة وطلبت من المحامي بول مرقص وفريق عملهمن مؤسسة جوستيسيا للإنماء وحقوق الإنسان JUSTICIAإعادة صياغة الخطة، فوُضع مشروع جديد[2] تم إرساله الى هيئات ناشطة في المجتمع المدني والى جهات رسمية للتعليق عليه.  
وفيما ان لجنة حقوق الانسان اعتمدت اسلوبا تشاركيا الى حد ما في مناقشة بنود مسودة مدني والورقة الخلفية الخاصة في هذا الشأن والتي اعد مسودتها الأولى المحامي ميشال خديج[3]، فان المهلة التي أعطيت مؤخراً للجهات المشار اليها للتعليق على الصيغة الأخيرة لا تتجاوز الأسبوعين وهي تنتهي في 16 كانون الثاني 2012،الأمر الذي يطرح علامات استفهام بشأن مدى جدية السياسة التشاركية في هذا المجال.
وما يريده هذا المقال هو اجراء قراءة نقدية للاشكاليات التي تناولتها هذه الخطة تحديدا في ما يتعلق بالحق في العمل وفي الضمان الاجتماعي، وذلك في مختلف مراحلها في ضوء الورقة الخلفية في هذا الشأن، فضلا عن المسودتين اللاحقتين المشار اليهما اعلاه.
فبمعزل عما تقدم وعن الحلول التي قدمتها او لم تقدمها هذه الوثائق، ما هي الاشكاليات التي تناولها او لم يتناولها كل منها من خلال التوصيات النهائية التي رفعها في خاتمته تحديداً؟ ما هي الاشكاليات التي ابرزتها او اتفقت عليها او حجبتها او غيبتها؟
هذا ما ساحاول تبيانه من خلال الجدول المقارن اعلاه (علما ان العلامة (+) تعني الايجاب، بعكس علامة (–) التي تؤشر الى غياب الاشكالية عن التوصيات):
وفي ضوء مقارنة التوصيات أعلاه، امكن تدوين الآتي:
-         في شؤون العمل، اجمع الخبراء على الامور الآتية: (1) ضرورة تدوين النصوص و(2) وجوب تفعيل المؤسسة الوطنية للإستخدام (دون الإشارة الى ماهية وكيفية تحقيق هذا الهدف لا سيما بالنسبة الى الموارد الضرورية لتفعيلها)، و(3) ضرورة تفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش في وزارة العمل (دون تشخيص مكامن الخلل فيها او اوجه الحل).                                                                             وقد دعا مدني ومرقص وحدهما الى انضمام لبنان الى بعض اتفاقيات منظمة العمل الدولية ومن أبرزها الاتفاقية الخاصة بحرية العمل النقابي. في حين أشار كل من خديج ومرقص إلى وجوب تكييف النصوص الداخلية مع الإتفاقيات الدولية (علما ان مرقص انفرد بالإشارة في هذا السياق الى وجوب حماية الكرامة الإنسانية للعاملين، ومكافحة الإتجار بالبشر والأطفال)، بالإضافة الى مطلب تنظيم سوق العمل بموجب قوانين منسجمة ودون تفاوت غير مبرر في الحقوق والموجبات بين مختلف القطاعات، واكتفيا بإعطاء مثلين عن التفاوت المقصود (دوام العمل ومدة الإجازات) دون ذكر اي تفصيل من شأنه توضيح هذه التوصية. كما لفتا الى ضرورة توجيه الطلاب في التخصص (وقد حصر مرقص هذه التوصية بالتعليم الجامعيدون اي اشارة الى التعليم المهني والتقني).
-         في شؤون الحق بالضمان الاجتماعي، أجمع الخبراء على مسألتين: أولا تطبيق جميع الفروع الملحوظة في قانون الضمان الإجتماعي (وهذا يعني بشكل خاص تفعيل طوارئ العمل)، وثانياً ضرورة استبدال نظام تعويض نهاية الخدمة بأنظمة تقاعد عصرية، علما ان مرقص احال هنا الى النظام الخاص بضمان الشيخوخة.وقد اشار خديج ومرقص الى اهمية توحيد أنظمة التغطية قدر الإمكان وإخضاع جميع المواطنين لقانون الضمان الإجتماعي. وفيما ايد مرقص مدني في ضرورة إصلاح التوازن المالي في صندوق الضمان، فانه اقترح اللجوء الى خدمات مؤسسة دراسات عالمية لمراجعة حساباته واقتراح الحلول لهذا الملف، مما يؤشر الى اتكالية دولية يصعب فهمها في سياق خطة وطنية.
بالمقابل، فقد غابت عن التوصيات الختامية لكل من الوثائق الثلاث، الاشكاليات الآتية التي لا تقل حيوية: استثناء اعمال من حماية قانون العمل (فيما خلا مسألة خدم البيوت والتي اشار اليها مرقص)، وامكانية فرض اعادة الاجراء المصروفين الى العمل في حالات معينة  او مسألة الحد الاقصى لتعويض الصرف التعسفي وتنظيم الصرف لاسباب اقتصادية وآثاره، وحماية خصوصية الاجير ازاء التجسس وحقه بالدفاع عن نفسه وحمايته من التحرش الجنسي والنفسي، ضمان المساواة بين الاجراء وحماية الفئات الاضعف، تخفيض المدة القصوى لدوام العمل، واشكاليات زيادة الحد الأدنى للأجور وبدل النقل والمنح المدرسية في ضوء الجدل الحاصل اخيرا، ووضع معايير للهيئات الاكثر تمثيلا لارباب العمل والاجراء، وحق الاضراب والحق بتأسيس نقابات من دون ترخيص مسبق او تنظيم حقها بالمشاركة وتلقي هبات مالية، وتحديد دور الدولة في تنظيم العلاقة بين الاجير وصاحب العمل وطبيعة النظام السائد، وتحفيز العمل الأول للشباب للحد من الهجرة، وتفعيل مجالس العمل التحكيمية وتقريبها، ومدة اجازة الامومة، وتفعيل حق ذوي الاحتياجات الخاصة بالعمل الخ... فاي خطة بشأن جميع هذه المسائل؟
وما يزيد هذا النقص فداحة هو ان الخطة في مجمل مراحل اعدادها اقتصرت غالباً على المقاربة الحقوقية وذلك في ظل غياب أي قائمة مخصصة لعرض الاولويات، لا بل بمعزل عن اي دراسات اجتماعية او اقتصادية، مما جعلها خالية من الواقعية المطلوبة، واشبه بمجموعة تمنيات او باحسن الاحوال باوراق تقويمية لمدى احترام حقوق الإنسان أكثر منها خطة وطنية! فكيف يمكن ان تندرج التوصية بتغطية صحية شاملة او بتفعيل جميع فروع الضمان او وضع انظمة تقاعد بدلا عن تعويض نهاية الخدمة ضمن خطة يراد لها ان تنفذ خلال خمس سنوات من دون القيام باي جهد لتحديد الموارد المالية اللازمة وكيفية تأمينها؟ ولعل خير اثبات على فداحة هذا النقص هو الاختلاف في وجهات النظر التي ابداها كل من خديج ومرقص في تقويم الكلفة الاقتصادية لانفاذ توصياتهما، فرأى خديج انها من من الصعوبات الأكبر، فيما رأى مرقص أنها "أقل الصعوبات التي تواجهها الدولة" في مجال الحقوق الإجتماعية! وهذا التفاوت في التقدير يكفي وحده للدلالة على فداحة وضع خطة مماثلة من دون اللجوء الى خبراء اقتصاديين واجتماعيين، والذي هو بالمناسبة عيب ينسحب على سائر المجالات التي شملتها الخطة. 
وبالاضافة الى ذلك، وحتى ولو تجاوزنا هذا الاعتبار، فان الوثائق أعلاه قد جاءت غالبا عمومية بدرجات تجردها احيانا من اي معنى عملي. وهكذا، اكتفت الدراسة الخلفية مثلا بتعداد "اهم الثغرات التي لا تزال موجودة في القوانين" دون اعطاء اي حل لها. فيما ان مدني اشار الى "بعض نواقص ينبغي اتخاذ الاجراءات اللازمة التشريعية لمعالجتها" دون ان يكلّف نفسه حتى عناء تحديد ماهية تلك "النواقص".
وتبعا لذلك، واذا ثبت ان الوثائق لا تعدو كونها تعبيرا عن امنيات عامة ومجتزأة، يبقى السؤال: من الذي عبّر الخبراء عن امنياته؟  
 

نشر هذا المقال في العدد الثالث من مجلة المفكرة القانونية.


[1] "مسودة رقم صفر: الخطة الوطنية لحقوق الإنسان 2011-2015"، نشرت سابقاً على الموقع الإلكتروني الخاص بمجلس النواب اللبناني (http://lp.gov.lb/).
[2] "مشروع الخطة الوطنية لحقوق الإنسان: 2012-2017"، المحامي بول مرقص (تنسيق)، والباحثة الحقوقية ميريام يونس والمحامية المتدرجة نانسي نحولي (إعداد)، منشور في الموقع الإلكتروني الخاص بمجلس النواب والمشار إليه أعلاه.
[3] ميشال خديج، "الخطة الوطنية لحقوق الانسان: الحق في العمل والضمان الاجتماعي"، سلسلة الدراسات الخلفية، مجلس النواب-لجنة حقوق الانسان النيابية وبرنامج الامم المتحدة الانمائي، 2008.