في البداية كان أحد فتيان القرية الذي تقطن عائلته على مقربة من الكنيسة، وكان عمره اثني عشرة سنة. استدعاه الكاهن المقرب الى أهله إلى غرفته للاعتراف، وأقنعه بأنه تلبيةً لهذا الهدف عليه أن يدهن جسمه بالزيت[1]. فبدأ الكاهن بالدهن وهو يُعلّق حركة يده بين الحين والآخر للَحس وتقبيل بشرة الفتى. فكان أن تصدى له الفتى، وهو الذي "يقرف" أصلاً من الزيت، فما باله وهو يحسّ بوقع اللسان على صدره وحلماته العارية؟حاول الكاهن جرّ الفتى إلى لُعبته في مناسبتين، وكان تصدي الفتى له أقوى في المرة الثانية، إذ صرخ بوجه الكاهن بدل الهروب، وقام بدفشه. كان ذلك كافياً لحثّ الكاهن على وَقف محاولاته وإزاحة اهتمامه عن الفتى المختار. بعد سنوات، جاء دور فتى ثان هو ابن عم الأول ويقطن في القرية نفسها، وكان أن بلغ هو الآخر الاثني عشر سنة، وهو العمر المفضل لدى الكاهن. وهذا الطفل لم يحالفه الحظ، إذ كان من أعضاء جوقة الكنيسة، فكان الكاهن  ينفرد به ويُخصص له بين الأطفال الحاضرين وباقي أعضاء الرّعية اهتماماً خاصاً. هكذا على جلسات عدة، أخذ وقته بالتحرّش بالفتى.

الفارق بين ما ناله الفتيان لم يكن كمياً وحسب، أتاحته سِعة الوقت، من حيث الاعتداء على "حرمة الجسد". ما حصل هو وضع الطفل تحت تصرّف أهواء شخصٍ آخر على مدى ساعات كان يخسر خلالها في كل ساعة حريته وسيطرته على ذاته. كان على الفتى خلالها أن يتكيّف وكأنه وُضع فجأةً في الفضاء، أن يقرأ ما يحصل وأن يجدد قراءته للأمور، ولو مؤقتاً، ليتمالك نفسه ويبتعد عن ردات الفعل الطائشة التي تعلّم وغيره من الأطفال على كبحها، من بكاء وصراخ، وذلك على وقع التلميحات الغليظة والإشارات والطلبات والإصرار وضغوط الكاهن الكاهن الخارجة عن المألوف والكاسرة لهدوء جسمه. كانت لا شك الدقائق ساعات، في هذه الخلوات، والساعات أياماً، وكلّها عُمر سيحفظه الفتى مدى حياته كما يحفظ المرء طفولته.

كان لا شك للموقف وقع مضاعف من الإرهاق والصدمة على فتى، إذ لم يأت مغتصبه هذا من العدم ومجرداً من المعاني التي يرتكز عليها المرء عادةً ليُكوّن توازنه الخاص. لا يكتشف المرء أهمية بعض الأشخاص في محيطه إلا عند وفاتهم، وأبرز هؤلاء الأشخاص هم عادةً الأهل، أي الحلقة الأولى التي يتكوّن فيها استقرار المرء وفهمه للأمور. والمعتديهذا كان كاهن القرية، القريب من الأهل ومن العائلة. هذا الذي سَهرت معه العائلة مراراً في جو من الأنس والضحك والمحبة، واستضافته في منزلها. وكان اهل الطفل يكادون يأخذون وضعية الأطفال في جواره. "الراعي" يسمّونه، وأي راعٍ. ذاك الذي تأخذه طيبته إلى النزول إلى مستوى الناس، وصديق الأطفال.
 
صوت الطفل الخافت
تنطبع مرحلة الطفولة وعملية التنشئة بتعقيداتها بهذه الحاجة التي يبرزها الأطفال لإثارة إعجاب أهلهم. والموضوع جسدي بقدر ما هو نفسي، إذ تصبح مهمة رسم ابتسامة على وجوه الأهل حاجة للاستقرار النفسي للطفل، وترافقه هذه المعضلة مدى الحياة، إذ يبقى وجه الأهل مَحط اهتمام للأبناء والبنات الراشدين. عند الأطفال، صديق الأهل يكسب مركزاً مهماً في قلوبهم، ويبدو الكبار، ممن يَحتكّون بأهلهم، جميعهم محل اندهاش وكأنهم وجوه إضافية تضاف إلى وجوه الوالدين وينبغي إضحاكها وكسب إعجابها. فكيف بالطفل وهو يجد نفسه في مكان يُحتم عليه أن يقول لأهله إن هذا الاستقرار وهذه الصورة الجميلة التي بُنيت عليها العائلة وذكرياتها، ودون مبالغة، عقدها مع ذاتها، أن هذا كله يجب أن توضع عليه علامة استفهام؟ أن الصديق ليس صديقاً، وأن الماضي والملجأ كان خدعة. تتنوع الحالات بحسب الأطفال والعائلات. في الحالات التي قمنا بمقابلة بعض أركانها، اختار الأطفال أن يتركوا الأمر لأنفسهم، غير إن الواقعة لم تؤثر بالأول بقدر ما أثّرت بالثاني. فالاول بالكاد تذكرها، وقد غابت عن باله سنوات عدة إلى أن أعادها إلى ذهنه مشاهدته نقاشاً عن التحرش بالأطفال، وقد تخطى عامه العشرين. أما في حالة الطفل الثاني، فلم تسلم علاقته مع أهله من تأثير الواقعة المتكررة عليه، إذ بدت عليه علامات التذمّر والتصدّي لطلبات أهله، بدءًا برفضه التحدّث إلى الكاهن على الهاتف، أو الذهاب إلى الكنيسة التي اعتاد الانشاد فيها، دون إعطاء أي تفسير، إلى غيرها من الأمور التي لا يربطها شيء بالواقعة بالضرورة. كان يعلو صراخه على والدته قائلاً لها "حلّوا عني" و"كله بسببك"، ومع ذلك، لم تفهم الوالدة قصده في حينه. في علاقة الأهل مع أطفالهم عند دخول هؤلاء سن المراهقة، قد يبدو للأهل أن أي تعكير لمزاج المراهق "مسؤول" عن شيء ما بنظر المراهق ومحط انتقاد من قبله ومدعاة للوم. "لم أستطع أن أتحدث مع صاحبي كما أردت على الهاتف، كان عليك أن تدخلي الغرفة وأن تقاطعيني! أنت السبب!" تقول مراهقات لأمهاتهن في لحظات بالكاد يستوعبها الأهل كما المراهق. وهي اللحظات التي يصطدم فيها إدراك الأهل، الناتج والمُتكون من تعاطيهم مع طفل قبل "سن البلوغ"، مع إدراك وسلوكيات طفلهم، إذ دخل الأخير طوراً بيولوجياً واجتماعياً جديداً يتطلب منه تكيّفاً خاصاً وصياغة مختلفة لإدراكه.

في هذه المعادلة، ولكي "تستمر الحياة" ويتابع الأهل يومهم الموَزع بين الواجبات المنزلية والواجبات المهنية، يستند استقرار الإدراك عند الأهل على مجموعة من المعتقدات والأحاسيس، الشائعة والمُمأسسة، والتي تقول "بطبيعة متمردة" للمراهقين مثلاً، ومنحى "للتطرف"، أو "للخجل". وهي معتقدات، حتى عندما تكون مصيبة، لا تأتي بتفسير ومعرفة وفهم لسلوك المراهقين، إنما تتوقف على شكل سلوكهم وتأخذ الشكل على أنه تفسير. كما قد تُذوِّب أشكالاً متعددة في كنية مصطلحية محدودة وبسيطة. فـ"التمرد" قد يعني الوقوف بوجه أستاذ مدرسة، كما قد يعني الامتناع عن تذوّق طبخة أعدّتها له والدته، كما غياب الطفل عن "واجباته الدينية"، أو رفضه أن تنظف له والدته أنفه وقد لاحظت عليه بعض المخاط العالق. ومظهر الخجل عند المراهق، الذي يُفسر على أنه تَمنّع منه عن البوح بشيء لكي لا يأتيه البوح بسخرية، قد يكون أحياناً تكتُماً عن البوح بشيء يعرف جيداً أنه لن يضحك أحد، بل سينتج منه "مشكل كبير"، فارتأى أن يحمل وحده عبء تجنيب الجميع تبعات سرّه. هذا الإدراك التبسيطي عند الأهل للمراهقين وللأطفال عامة، والذي قد يوصف أحياناً بالتمرد أو الخجل، وهو لا يحتاج دائماً إلى التوصيفات، هو تحديداً ما يمنع صوت الطفل واعتراضه المشروع من أن يصل إلى غيره وإلى من هم أوصياء على أحواله. 

لكن هناك المزيد. إذ كان الفتى الأكبر الوحيد القادر على قراءة سلوكيات ابن عمه. وحده أحسن القراءة، وكان أن شارك ابنة عمه شقيقة الطفل المعتدى عليه بالأمر، وقررا التكتم وعدم إخبار الأهل مباشرةً، والاكتفاء بالتلميح. هكذا هي الطفولة وتركيبة العائلة: توازنٌ عاطفي قوامه بسمات الأهل، قد يمتد مدى الحياة. في حالة الطفلين الراشدين، قد يبدو لهما أن نظرتهما إلى الأهل وعلاقتهما بهم قد انقلبت، وأنهما الآن في دور الحريصين على مصلحة الاهل "السُذج"، وكأن الأهل هم الأطفال. لكن وراء ذلك، ما زال المنحى الذي تَكَرّس داخل العائلة منذ صغرهما هو نفسه، أنهما كأطفال تربّيا على "قدسية" معينة بالعلاقة مع بعض التوازنات ومع توزيع للأدوار انبثق عنها، قد تتجسد القدسية هذه بتماسك العائلة، وتكاتف أعضائها، وبعادات مثل الاجتماع حول طاولة العشاء، وبتوزيع متطور للأدوار، مثل لعب الوالدة دور الوساطة بين الابن والأب، ولعب الخال دور الوالد في غياب الاخير، وغيرها من "الوساطات" ومن الأدوار العقلية والعاطفية والجسدية، على أن يستقيم ويبقي ثباته التوازن الذي أرسيت عليه شخصيات الجميع وصيغت عليه حاجتهم لبعضهم البعض. طبعاً، التوازن قد يتخطى مجال العائلة إلى "عائلات اجتماعية" أخرى، قوامها الحارة، أو مؤسسة تربوية (وهناك من يبكي على تدمير منازل قديمة، أو شجرة). وتُفهم القدسية هنا ليس بالمعنى الديني، ولو أن الخطاب الديني بنى كلامه على حدودها، بدءًا بحدود العائلة الزوجية، بل بكون التوازن الذي نصفه يَفرض نفسه على شخصيات الأفراد المُتحوّلة والمُتطورة والمُتفاعلة مع مسارها الاجتماعي، مثل اللَازِمة، أو مثل "صورةٍ جميلة"، إذ تتمسك بجزئياته النفس في لحظات وعيها ومن خارج وعيها. رضى الأهل، والحؤول دون زعلهم: فكان أن أسكتت قضية الطفل المعتدى عليه لمدة إضافية بينما هو في حاجة إلى اهتمام خاص من الأهل تحديداً. وهناك حالات يسكت فيها الطفل مدى الحياة، ولن يفهم أهله سبب بكائه عند بلوغه سن الأربعين.
 
تشييء الأطفال والتحرّش بهم
هذا الوضع الساكت للأطفال وللمراهقين يعود كما أشرنا إلى انشغال الأهل بحياتهم اليومية، هذا في حدود "سوء التفاهم" الذي قد يبرز بين الطفل وأهله. لكن سكوت الأطفال لا يستمد مقوّماته من العلاقة بالأهل فقط، فقد يعترض مثلاً بعض الأهل على التوصيف الآنف بالتأكيد على أنهم لا يتركون يوماً يمر دون أن يسألوا أطفالهم "هل كل شيء على ما يرام؟". والواقع الذي يجب التذكير به هو أن الأطفال عامة يخضعون لنظام اجتماعي فيه أكثر من نقطة تعمل على جرّهم للتسليم بما قرّره غيرهم نيابةً عنهم.

وهو ما ينتج منه لا محال، إسكات لصوتهم وتأجيل "لزعلهم"، ووضعهم في موقف "الشيء". يقال إن الأطفال مثل "العجينة"، بمعنى أنهم سريعو التأقلم مع ما يتعلمونه، وقد يكون التشبيه مُبرراً من وجهة نظر بيولوجية، وذلك خارج عن اختصاصنا، لكن الأكيد أن "الراشدين" حَرصوا على وضع الأطفال في موقف العجينة باستمرار، أي في موقف عليهم أن يتقبلوا فيه تدخل الآخرين الراشدين بحياتهم أكثر من أي مادة بشرية (اجتماعية) أخرى. قد يَتعرّف بعض النساء على وضعهم الخاص وراء هذا التشخيص، وهم في صراع يومي مع متطلبات نظرة الناس إلى مستحضراتهم ولباسهم ووزنهم. كذلك بعض الموظفين الأجراء، ممن "يتطاول" عليهم مديرهم ويطلب منهم أكثر مما تجيزه أصول المهنة وقانون تنظيم العمل وقد اعترفوا لأصدقائهم بعجزهم أمام هذا الواقع، فجاءهم الرد بأن "هكذا تجري الأمور مع المدراء، شو بدك تعمل". لكن الأطفال ليسوا في هذا المصاف، وحتى نصيحة الأصدقاء بالصبر ومناقشة الأمر ليست بمتناول يدهم، فالأصدقاء عندهم ممن هم من عمرهم لم يستقيموا بعد على هذا الصنف من الاحتكاك ومن الآداب. وما يضع الأطفال في عزلة، وفي موقع التشييء بدرجة إضافية لا يصل إليها وضع الراشدين أبداً، يختصره جيداً نزوع الراشدين إلى ملامسة شعر رأس طفلٍ غريبٍ فقط لأنهم يجدونه "مهضوم" و"طيّوب"، وضِحكهم لمشهد طفلٍ يبكي لأنه "طيّوب عندما يبكي".
 
الطفل إذاً خافت الصوت، وهو كالشيء صامت وعرضة لأن يتناوله أي مارّ مثلما يتناول حجراً على الأرض، عرضةً للتشييء. وهو تحديداً ما يفعله المتحرش أو المغتصب بالأطفال، آخذاً تشييء الطفل إلى درجة إضافية والى مناحٍ جديدة ومختلفة قد تتكون منها شخصيته دائماً. والتشييء الناتج من الاغتصاب أو التحرش قد يتطور بأشكال مختلفة، قد يولد ردات فعل، متسلسلة أو موجهة، قد تبدأ بانقلاب الطفل قرفاً أو رفضاً لتوازنه الأول ومقومات هذا التوازن، صورة العائلة وطفولته في وسطها، فتظهر عنده نزعات إما الى الغضب السريع أو المتشدد، وإما الى اليأس المبكّر. وهنا ينبغي التوضيح، أن التشييء كعملية إخضاع للطفل تحصل في بيئة حاضنة ومشجعة لها، مهما كانت آثارها كارثية على نفسية الطفل قد توهم الأهل والناس بأن الفعل المجرم حصل على غفلة وخديعة، أكان جناية يعاقب عليها القانون مثل البيدوفيليا أم لا. وليست صدفة بالتالي أن معظم حالات التحرش الجنسي تحصل إحصائياً في إطار المساحة العائلية نفسها، أي حيث الطفل قابل لتسليم نفسه لمشيئة الراشدين بأعلى درجة. إذ تشير إحصاءات دراسة أعدّتها مجموعة باحثين في العام 2008 على عيّنة مؤلفة من 1025 طفلاً، الى حصول 55% من حالات التحرش في المنزل، ثم 6% منها في المدرسة، ثم 5,5% في منزل الجيران، ثم 5% في منزل أحد الأقرباء[2]. وهي جميعها، باستثناء المدرسة، أماكن معشر عائلي وأليف. من هؤلاء الأطفال، نصفهم فقط (54%) أخبروا شخصاً ما في محيطهم بأنهم تعرضوا لتحرش (66,7% من هؤلاء أخبروا أحد الوالدين). أما الذين استمعوا إلى الأطفال المتحرّش بهم، ففقط 42،9% من العينة أبدوا تفهماً وتجاوباً معهم. أما باقي المستمعين، فقد توزعت ردات فعلهم بين التقليل من أهمية الواقعة (14,3%)، أو طلب كتمان الأمر (14,3%)، أو حتى التوبيخ (6,3%).

لكي يتحقق التشييء الذي أراده المتحرش، دون أن يعلو صراخ الطفل ويفضحه، كان عليه أن يضمن البيئة المرحّبة أو المهيئة له، حيث يصبح فعل تحرشه مجرد تكملة تقنية لما قد يطلبه أي إنسان آخر من محيط الطفل. هكذا مثلاً كان الكاهن  المُتحرش على اتصال دائم بضحيته عبر الهاتف، يسأل أهله عن صحة طفلهم ويطلب منهم التحدث معه. أما حوارهما على الهاتف، فكان يدور حول مدى اهتمام الطفل بوزنه، وبصحته، بما ظن الأهل أنه من طباع الكاهن اللطيفة والرقيقة، وهي من الصِفات المستحبة عند الناس في نظرهم لهذه المهنة. هكذا أيضاً كان الطفل، عند خروجه من الكنيسة أو من بيت الكاهن، يلتقي بباقي أبناء الرعية من أطفال ورهبان يُهنّئونه على حظوته عند "الأبونا". وربما يحسده باقي الأولاد لجهلهم بما يحصل في الخفاء.  
 
تشييء الأطفال وتزويجهم
كذلك هي أيضاً حال زيجات القاصرات، التي تأخذ تشييء الطفل إلى مستوى الترحيب إن لم يكن التشجيع، مضيفةً إلى التشييء صفاتٍ مُعزِزة. هكذا على سبيل المثال، في موضوع الفتاة إيفا (13 عاماً) التي خُطفت وزُوجت لابن خاطفها (27 عاماً) والتي أفرد لها الإعلام حيزاً هاماً. فقد كانت علاقة قائمة بين والد الفتاة والرجل الذي خطفها وابنه قبل وقوع الحادثة، وهو ما يمكن أن يفسر ما اعتبره البعض حباً تكنّه الفتاة "لخاطفها"، بينما قد تكون الفتاة لم تقس بعد ما اشترك الراشدون على اعتباره خلافاً و"خناقاً" بين العائلتين. ونحن لا نعرف إذا كان والدها قد سبق و"أبلَس" الخاطف قبل حصول الخطف أم أنه اكتفى بترك ابنته "بعيدة عن المشاكل" كما يفعل عادةً كثيرون من الأهل مع أولادهم. أي أن الفتاة، برضاها بالشاب عريساً قد تكون بمنطق إدراكها تُعرب عن تجديدها عهد الألفة والاختلاط الذي عرفته العائلتان قبل وقوع المشكلة. وهي حتماً ليست مُنقلبة ضد مشيئة أهلها أو "مهبولة" كما قد تَجر إلى استنتاجه السردية الناتجة من صراع قنوات التلفزيون ومنطق المحاكم الشرعية و"مصيرية" القرار بالزواج. لم تَقم الفتاة إلا بالتمسك بالتوازن العاطفي - العائلي الذي تَربت عليه وبَلغت أول سنين مراهقتها في ظله.

والصفة المعززة لتشييء الفتاة في هذه الحال، والتي أدت الى أن يتصرف رجل بفتاةٍ حسبها ملك رجل آخر (وليس مُلك نفسها) له في ذمته دين، طبعاً ضمن موافقة الشرع، هي صفة "السلعة" وقيام الفتاة مكان المبلغ المستحق من الدين. وبقدر ما تبدو قصة الفتاة إيفا خارجة عن المألوف بقدر ما تَتفق في منطقها الاجتماعي، وفي التشييء تحديداً، مع الكثير من الحالات التي يتم فيها عقد زواج قاصرات من قبل القضاة الشرعيين. إذ يكتسب عقد الزواج في حال إيفا وفي غيرها من الحالات صفة اقتصادية متينة، وهو ما أكده مثلاً أحد القضاة الشرعيين الذين قابلتهم "المفكرة القانونية"[3] ، إذ إن زيجات أطفال ما دون سن الثامنة عشرة غالباً ما تحصل بالاتفاق بين عائلات من الأغنياء أرادت أن تجمع بين رساميلها وتضمن تطوّر هذه الرساميل على المدى البعيد. فأُقحِم الأطفال، وفي معظم الأحيان الفتيات، في خيارٍ حياتي قد لا تنتهي عجلته قبل مماتها. والمفارقة في حال الفتاة إيفا، هي جَرّها كطفلة، في بيئة مهيَّأة ومؤسسات إسلامية مُشجّعة لتبنّيها دورها السلعي بنفسها. والأغلب أن كثيراً من الزيجات "المرتبة" تحصل كذلك، بدفع الأهل لأطفالهم إلى لبس الدور الذي اختاروه لهم بينما يقتصر إدراك الأطفال على قراءة الدور على أنه لباس جميل. وهو المنحى الذي تذهب اليه أيضاً كثير من الزيجات "العفوية"، إذ تعرف كل فتاة أنه لا يمكنها أن ترتبط جدياً بشاب يعكّر مزاج والدها. النظام الاجتماعي بأكمله، المحيط بإيفا، هو الذي جرّها إلى القبول بعريسها الأكبر سناً وابن خاطفها، و"طيشها" المفترض لا قيمة له إلا في الميلودراما التي ينتجها التلفزيون.
 
 
لمسة رجال الدين
قد تكتسب واقعات التحرش بالأطفل أو تزويج فتيات قاصرات عند القارئ أو المشاهد صفة "الاستثنائية"، فتبدو بعيدة وغير واردة حدوثها في جوارهم القريب (وهو ما قد يفترضه الكثيرون بموضوع حصول الجنايات)، لكن التحقيق في هذه الوقائع والإحصاءات تدل على أنها، على استثنائية العنف الذي تحتويه، سهلٌ جداً حدوثها، فهي لا تحتاج لظروف استثنائية لكي تحصل، وهي عندما تحصل، تبقى في نصف الحالات طيّ الكتمان المطلق، وفي معظمها دون عقاب أو إصلاح. وهنا يدخل دور المؤسسات الدينية، والتلفزيون وأي مؤسسة من شأنها أن تعمّم على الرأي العام سردية حول الواقعة تغيّب تفاصيل التشييء الذي يعاني منه الطفل، وتزيح الأنظار عنه. مع الإشارة الى أن المؤسسات الدينية في لبنان هي الوصية الأولى على الأطفال خارج مساحة العائلة، إذ تُحسب معظم المدارس الخاصة لها، وهي الوصية أيضاً على العائلة. كما أن لكلمتها وخطابها في المجتمع شأناً يوازي الثروات التي تراكمت لديها على مدى القرون. 

في حالة الجسم الإسلامي، يعتمد هذا الجسم بتعدد مراجعه الفقهية، ما عدا بعض الاستثناءات غير الملزمة، مفهوماً للزواج يكرّس تشييء الطفلة على مستويات عدة. فإجراءات الزواج مستمدة من مجموعة من القواعد التي من شأنها أن تبدد أي اهتمام بمشيئة الطفلة لتهتم برأي الأب وحساباته (الاقتصادية غالباً) وتشييئه لطفلته، فاتحةً المجال للأب أن يقرر عن ابنته أن تتزوج أيضاً. ومنعاً لأي التباس، تجيز قواعد الزواج الشرعي نوعاً خاصاً من الزيجات، زيجات السترة، مبدأُها المعلن هو حفظ العرض وإعادة الهدوء الى العالم الاجتماعي ولو قسرياً وعلى حساب البحث الدقيق والتدقيق الواجب في قرار الزواج والذي يدّعي الجسم الديني تحقيقه بطلب موافقة الوالدفي الظروف العادية. ولا نتكلم عن صفات التشييء الأخرى التي يحملها الزواج الشرعي، باسم "الحقوق والواجبات"، والتي يسوق لها الجسم الديني في العديد من  مؤسساته.

نتيجة نظام اجتماعي كهذا يجب ألا تفاجأ، فمع تغييب تفاصيل واقعات الاستغلال للفتيات والفتيان التي تضع ظروف تشييئهم العادية جداً تحت المساءلة، والتي يعيش الناس ضمن منطقها، يصعب تكوين إدراك مُركّز أو حساسية عند الجمهور تجاه ضحايا هذه الانتهاكات[4]. ولا يتفاجأن أحد من أن تضم حراكات التضامن مع المتحرّشين أنفسهم في "مجتمع المؤمنين"، أكثر من ألفي شخص على مواقع الفايسبوك، كما هي الحال مع متحرشين من جسم الكهنوت صَدَرت بحقّهم قرارات بطريركية وفاتيكانية مؤخراً تطالب بعزلهم. والمتضامنون مع المتهمين بالتحرش ليسوا بالعجيبين، إذ أحاطت بهم مؤسسات الكنيسة على مر السنين لتقول لهم إن هذا الرجل المُتَّهَم هو راعي القطيع، وأنه لا يمكن أن يخطئ، هذا الذي استوى إدراكهم لشخصه على أنه الباعث للقليل من السماء بمتناولهم، فذهبوا، مثل الطفلة إيفا، الى معقل الديب بملء إرادتهم، واعتبروا قرار عزله مقدمة "لتدمير الكنيسة". فإذا كان التحرش الجنسي بالأطفال يستند إلى هذه العلاقات الاجتماعية العادية والمستحبة، وقد يصعب تصديق حصوله في الجوار القريب، كيف يمكن أن يصدّقه المرء بحق رجل دين، "متنسّك"، وصديق للأطفال؟ ومن هو ذاك المتهم لمولانا؟ الوَلَد؟ ذاك الذي بالكاد نسمع صوته عادةً؟



[1] إن اي شبه بين التفاصيل المذكورة في هذا المقال واي حادثة من الواقع هو محض صدفة. فالتفاصيل المعروضة مستوحاة من عدة قصص ارتأينا الجمع بينها في سردية واحدة تخدم موضوع المقال وتختصر تصويره.
 [2]بعنوان "الإساءة الجنسية للطفل: الوضع في لبنان"، بالتعاون مع جمعية "كفى عنف وإستغلال" والمجلس الأعلى للطفولة (وزارة الشؤون الإجتماعية) ، وسفارة دولة السويد في لبنان، بيروت 2008.
[3] للاطلاع على دراسة للمقابلات، انظر مقال علاء مروة، "القضاء الشرعي يعيد تعريف الطفولة، ومعها إرادة الطفل"، المفكرة القانونية، العدد 16، نيسان 2014.
[4]وهم بمعدل 6% من الزيجات الحديثة العهد بحسب دراسة لادارة الإحصاء المركزي من العام 2009، اي قبل نشوب الازمة السورية، وربما أكثر من 16% من الأطفال في موضوع التحرّش بحسب إحصاء الدراسة المشار إليها أعلاه. انظر ادارة الاحصاء المركزي ومنظمة الامم المتحدة للطفولة "المسح العنقودي المتعدد المؤشرات"، الدورة الثالثة، بيروت 2009.