طرحت إشكاليات عدة مؤخراً بما يتصل باستغلال أطفال وتعريضهم للخطر، بدءاً من سوء العناية بهم جسدياً ونفسياً مروراً بالاتجار بهم لغايات التسوّل، وصولاً الى التحرش الجنسي والاغتصاب والزواج المبكر. ومن هذه الحالات، تزويج الفتيات القاصرات من قبل أوليائهن الى المعتدي عليهن "ستراً للعار" أو حتى تزويجهن جبراً لأسباب اقتصادية - اجتماعية مختلفة. فيتحوّل الأمر في بعض الحالات من حدث أليم، أو جرم منفرد، الى كابوس يتمادى مع مرور الأيام والسنوات ليقضي على الطفولة ويهدم أي بصيص أمل. وقد استتبع انتشار أخبار عن عدد من هذه الزيجات مباردة من الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية بالتعاون مع معهد الدراسات النسائية في العالم العربي في الجامعة اللبنانية الأميركية ((LAUلإطلاق حملة وطنية لحماية القاصرات من الزواج المبكر في 4 آذار 2014. ويتساءل المراقب عن دور القانون في حماية هذه الفئة الضعيفة من سوء المعاملة ومدى تدخل القضاء المدني في دفع هذه المخاطر على ضوء اتفاقية الطفل التي التزم بها لبنان عام 1990، ولا سيما بعد صدور قانون "حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرّضين للخطر" ذات الرقم 422 عام 2002. وكانت المادة 25 من هذا القانون قد أناطت بالقاضي المنفرد الجزائي مسؤولية حماية "الطفل المعرض للخطر"، موسعةً صلاحية محاكم الأحداث من مجرد هيئة تنظر في الجرائم التي يرتكبها الأطفال الى سلطة مولجة بحماية هؤلاء الذين يكونون عرضة لخطر معين، بمعزل عن اقترافهم أي جرم.

حمايةٌ قضائية تفتقر الى نظام حماية اجتماعية
ينيط قانون حماية الأحداث إمكانية تحريك شكوى الحماية بعدد كبير من الأشخاص، منهم المسؤول عن الحدث أو المندوبات الاجتماعيات أو النيابة العامة أو الحدث نفسه أو حتى قاضي الأحداث تلقائياً دون تلقيه أي إخبار بذلك. وقد أفادنا بعض قضاة الأحداث الذين قابلناهم أن معظم قضايا الحماية تتحوّل اليهم من قبل المندوبات الاجتماعيات، فيما أفاد القضاة العاملون في بيروت أن معظم قضايا الحماية تتحوّل اليهم من قبل النيابة العامة أو من قبل أولياء الأمور في معرض خلافات عالقة بين الأبوين أمام محكمة الأحداث. وإذ أشار بعضهم الى أن القضايا التي حرّكوها من تلقاء أنفسهم لا تتعدى أصابع اليد ومن خلال متابعاتهم لأحداث منقولة إعلامياً، صرّح بعضهم الآخر أنهم لم يفعلوا ذلك قط. كما لم يصدف أي منهم قضية مقدمة من الحدث نفسه. وفيما عبّر أحد هؤلاء عن اعتقاده بكثرة حالات التحرش الجنسي والاستغلال في الأحياء الشعبية في منطقة عمله، أكد لنا أن عدداً قليلاً منهم يصل الى القضاء إما لأنها تُحل بـ"طرق أخرى داخلية" وإما أن "الثقافة العامة" في الفئات الاجتماعية المعنية تحول دون تحويل هذه الحالات الى القضاء منعاً لنشرها وتفضيلاً لـ"ضبضبتها". وهو الوضع الذي ينطبق على حالات تزويج القاصرات، ففيما يُجمع قضاة الأحداث الذين التقيناهم على أن حالات تزويج القاصرات المطروحة أمامهم نادرة جداً، تؤكد لنا المندوبة الاجتماعية في اتحاد حماية الأحداث، جنين قاصوف، أن هناك حالات عديدة لتزويج قاصرات تستدعي تدابير حمائية. وتفسر قاصوف ذلك بأنه غالباً ما يتم تحويل هذه الحالات من قبل الأهل وحتى من قبل بعض المؤسسات الاجتماعية، الى المحاكم الشرعية على أساس أن عقود الزواج تنعقد تحت السلطة التقديرية التي يخوّلها المشرّع لقضاة هذه المحاكم. كما تضيف قاصوف بأن الحالات التي تحصل في البقاع تُحل عشائرياً ولا تصل الى أي من المحاكم. وهذا ما أكده قاضي أحداث البقاع لجهة أنه لم تُطرح أمامه أي حالة لتزويج قاصر. والى هذه الأسباب، تضاف معوقات أخرى مرتبطة بمدى جهوزية السلطات المدنية لتأمين الاحتضان المناسب للأحداث في بعض الحالات، وأبرزها مسألة إيجاد مكان يؤوي تلك الفتيات المعرّضات للخطر. وهنا تشير قاصوف على سبيل المثال الى أنه يتم إحضار فتيات قاصرات من سوريا لتزويجهنّ من أشخاص راشدين في لبنان، ثم بعد فترة يتركهنّ هذا الزوج أو يطلّقهنّ، ما يدفع بهنّ أحياناً الى العمل في الدعارة. فمن جهة أولى، لا تستقبل دور الرعايا فتيات غير لبنانيات بحجة أن الوزارات المعنية لا تسدد كلفة إيوائهن تبعاً لشروط التعاقد المبرمة بهذا الخصوص، ومن جهة ثانية، ترفض الأغلبية المطلقة من دور الرعايا إيواء فتيات إذا كانوا "غير عفيفات". والى ذلك، يتبين أن الجهات المخوّلة حماية الأحداث تقع في حلقة مفرغة عند تطبيق القانون حيث لا يؤمن لها الوسائل اللازمة لضمان حسن تنفيذه. فهي لا تصل الحالات الى علمها، وإذا وصلت، فهي تبقى عاجزة عن تأمين مأوى لأسباب مرتبطة بالنظام "السياسي -الاجتماعي" في لبنان. ورغم أن هذه الزيجات تشكل أحياناً اتجاراً بالبشر بوجهٍ شرعي، لم يعلمنا أي من القضاة الذين تمت مقابلتهم عن أي تدبير حمائي للقاصرات أو عن أي إدانة لهذا الجرم.
 
قاضي الأحداث والمحاكم الشرعية: أي حدود لصلاحياته؟
وفي موازاة ذلك، يطرح التساؤل حول صلاحيات قاضي الأحداث بموجب قانون 422 ومدى اصطدامه بصلاحيات محاكم أخرى، ولا سيما القضاء الديني. ففي ظل المادة 25 من القانون المذكور أُعطي القاضي المنفرد الجزائي صلاحيات واسعة لتحديد مصلحة الطفل وبالتالي تقدير التدابير الحمائية الملائمة له من أي فعل قد يشكل خطراً عليه. وهذا الخطر بمفهومه الموسّع يتخطى الأذى الجسدي الى أي سوء معاملة من شأنها أن تؤثر سلباً على نفسية الطفل. فالخطر على حد تعبير أحد القضاة الذين تمت مقابلتهم "كل ما يهدد النفس والتوازن العاطفي، وكل ما يؤثر على نظرة الحدث الى نفسه ويجعله لا يستطيع أن يتكيف مع واقعه أو يؤثر على مستقبله". غير أنه تبين لنا من مقابلات أخرى أن مفهوم الخطر ومصلحة القاصر يختلف بين قضاة الأحداث أنفسهم. فقد اعتبر بعض القضاة أن تزويج الفتاة القاصر(16 عاماً) لفترة معينة من قبل الراشد (24 عاماً) الذي جامعها بإرادتها ومن ثم تطليقها بهدف "السترة" هو أمر طبيعي ومحبذ إذا قبلت القاصر بذلك. كما اعتبر قاض آخر أن "الزواج هو التقاء إرادة طرفي عقد"، وبالتالي، أن رضى فتاة في الثانية عشرة من عمرها، بالزواج بإرادتها الحرة، الى جانب توافر نضج شخصيتها، يمنع التدخل بفتح ملف حماية. أما البعض الآخر فقد رأى أنه لو أن إتمام عقود زواج القاصرات يعود اليهم فإنهم كانوا ليرفضون تزويج أي قاصرة على اعتبار أنه يشكل خطراً عليها آليّاً وفورياً. ويوضح هذا القاضي أن المشكلة تكمن في تضارب الاختصاصات بين القضاء المدني والقضاء الديني في قضايا الأحوال الشخصية، حيث للأخير الكلمة الحسم في قضايا الحضانة والزواج وما الى ذلك من أمور لا يستطيع قضاء الاحداث في المبدأ أن يمنعها أو يلغيها. ويردف هذا القاضي: "لذلك عندما تُطرح حالة تزويج قاصر أمامنا، فلنا أن نقرر أن الزواج المطروح يشكل خطراً ويضر بمصلحة القاصر على ضوء المعطيات أمامنا، كأن يكون الزوج المفترض يكبر القاصرة بفارق سنوات كبير أو أن مورد رزقه مشكوك في قانونيته أو أخلاقيته، ولا يسعنا رفض الزواج بالمطلق بدون تعليل. لكن حتى بعد هذا القرار هناك مشكلة أخرى هي أنه إذا كانت القاصرة في عهدة أولياء أمر يعتبرون مؤهلين لرعايتها ووافقوا على الزواج، يتم التزويج من قبل القضاء الديني بمعزل عن قرارنا". وتفيدنا قاصوف بهذا الشأن، أن الاتحاد صادف حالات "كان المعتدي فيها في السجن وذهب الشيخ  لتزويجه القاصرة بداخله".

ولا يرى قضاة أحداث آخرون أن هناك تضارباً بين اختصاص المحاكم الدينية وقضاة الأحداث. فيؤكدون في هذا المضمار أن لكل من القضاءين اختصاصه. فالقضاء الديني يعقد الزواج بما له من صلاحيات ولا دخل لقضاة الأحداث في هذا الشأن. أما إذا تعرضت القاصرة لأي إيذاء فلنا كقضاء أحداث أن "نسحبها" من زوجها بموجب ملف حماية تماماً كما نفعل مع الأهل في حال تعرّضهم لأولادهم. وفي هذا المجال، أشاروا الى اجتهادات القاضي فوزي خميس بصفته قاضي أحداث سابقاً. وكانت هذه الاجتهادات قد صودق عليها بموجب القرارين الصادرين في 2007 و2009 عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز واللذين اعتبرا أن التدابير المتخذة من قبل قضاة الأحداث هي تدابير حمائية مؤقتة لا تتعدى على صلاحيات المحاكم الدينية، بل جل ما تفعله هو أنها قد ترجئ تنفيذ القرارات "الدينية" الى أن ينتهي سبب الخطر[1].

ونستشف من إدلاءات القضاة أن هناك تبايناً معيناً في ما بينهم لجهة اختصاصهم في ما يتصل بزواج القاصرات. فبينما يرى البعض أن اختصاص القضاء الديني يضيّق من صلاحياته الحمائية التي يجب أن تمتد لتشمل منع زواج الأطفال في حال تسببه بخطر على هؤلاء، يسلم البعض الآخر باختصاص المحاكم الشرعية في هذا المجال، معتبرين أن مجال تدخلهم ينحصر في حماية الطفل بعد الزواج في حال تعرّضه لأي خطر.
وفي غياب أي قانون مدني موحد للأحوال الشخصية في لبنان، تبقى السن القانونية للزواج غير ثابتة وتتعدد بتعدد الطوائف والقيم الدينية والاجتماعية، ما يجعل المطالبة باستصدار قانون مدني موحد يمنع زواج القاصرات أمراً أساسياً ومُلحاً. وقد عمدت مؤخراً "الحملة الوطنية لحماية القاصرات من الزواج المبكر" الى إصدار بعض التوصيات[2]ومنها إنشاء محاكم متخصصة للأسرة من أجل الاهتمام بمشاكل الأسرة ومعالجتها. كما طالبت بضرورة ترتيب جزاء إبطال عقود زواج القاصرات من رجال يكبرونهن كثيراً في العمر من قبل المراجع القضائية المختصة، فضلاً عن المطالبة بتجريم تزويج القاصرات سواء بحق ولي القاصرة أم منظم عقد الزواج الذي يخفي "اتجاراً" بالفتاة لعدم كفاية العقوبة المنصوص عليها حالياً في قانون العقوبات[3]. بالمقابل، يبدو لافتاً في دراسة الحملة غياب أي توصية بمنع زواج القاصرات بحيث اقتصرت المطالبات على سن تشريع يحدد سن الزواج بغض النظر عن الطائفة، الى جانب اشتراط البلوغ والنضج الجسدي، لا سيما أن مستوى نضوج الصبيان والبنات يختلف بحسب البيئة التي يعيشون فيها. وبالتالي أبقت هذه التوصيات السن القانونية للزواج مفتوحاً وبمثابة عود على ذي بدء من خلال ربطها بمعايير مطاطة مثل "اختلاف بيئة القاصر" أو "جنسه"، من دون وضع قواعد ثابتة ودقيقة بهذا الخصوص.

نشر في العدد السادس عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]القاضي فوزي خميس، كلمته في اطلاق الحملة الوطنية لحماية القاصرات من الزواج المبكر، تاريخ 4 اذار 2014
[2]في دراستها بعنوان: "حماية القاصرات من الزواج المبكر الواقع والمرتجى"، ص 20
[3]المادة  483 عقوبات لبناني :" كل رجل دين يعقد زواجاً ويكون أحد الزوجين قاصراً ودون موافقة خطية مكتوبة بعقد الزواج من ولي أمر القاصر، يعاقب بغرامة يصل حدها الاقصى الى 500 الف ليرة لبنانية.