مع صدور قانون حماية المرأة وسائر أعضاء الأسرة من العنف الأسري، اختلفت الآراء فيما إذا كان شكل هذا القانون خطوة إيجابية نحو تعزيز حماية الدولة لمواطنيها أم أنه يبقى قاصراً عن تقديم أي حماية إيجابية بعدما أعرض المجلس النيابي عن مناقشة التعديلات التي طلبتها جمعية كفى، وأبرزها وجوب تخصيص المرأة بحماية القانون ومعاقبة الاغتصاب الزوجي واشتمال تدابير الحماية المرأة وأطفالها كافة. وعلى هذا الأساس، يُطرح سؤال مشروع بشأن كيفية التعاطي مع هذا القانون من المنظور الحقوقي. فهل يُرفض تماماً لخلوّه من بعض أوجه الحماية، أم يعد إنجازاً أولياً يطالب بتحسينه وصونه، وفق استراتيجية  "خذ وطالب" وفق ما لمّح اليه النائب غسان مخيبر، الذي سعى وفق قوله الى حفظ كل ما أمكنه من العناوين المدنية في القانون[1]. وللإجابة عن هذا السؤال، لا يكتفى بالموازنة بين إيجابيات القانون وسلبياته، إنما يقتضي التدقيق أيضاً بما يتيحه هذا القانون من مجالات.

أن يخضع العنف الأسري للنظام العام، إنجاز هام للحراك النسوي
الإنجاز الأكبر الذي تحقق في هذا القانون، اتصل في انتزاع اعتراف الدولة بواجبها في التدخل الفعلي لحماية مواطنيها إزاء العنف الأسري، وتالياً في تعزيز مكانة النظام العام إزاء السلطتين الأبوية والطائفية في مجال الأسرة. ومن هذه الزاوية، يشكل القانون استكمالاً للإنجاز التشريعي (إقرار قانون الأحداث) الحاصل في 2002 والذي أدى الى توسيع صلاحية القاضي في اتخاذ تدابير حماية للأطفال إزاء أي خطر قد يتعرضون له. ومن التدابير التي مارسها قاضي الأحداث فعلياً وقف تنفيذ القرارات الصادرة عن المحاكم الشرعية بنقل الطفل من أمه الى أبيه عند بلوغه سناً معينة، بعدما رأى أن من شأن تنفيذها أن يعرّض الصحة النفسية للطفل للخطر. وعلى هذا الأساس، رأينا أن قانون الأحداث شكل عند وضعه اللبنة الأولى لتكريس نظام عام (خطوط حمراء) في المجال الأسري، تكون المحاكم المذهبية ملزمة به[2]. ومنذ إطلاق مؤسسة كفى مبادرتها بوضع مشروع قانون لحماية المرأة إزاء العنف الأسري، أدرك كثيرون، وعلى رأسهم المحاكم المذهبية، إمكانية أن يؤدي مفهوم "المرأة ضحية العنف" الى نتائج موازية ومشابهة تماماً لمفهوم "الطفل في حال الخطر"[3]. فكما بلغ تطور الوعي الحقوقي درجة لم يعد من المقبول معها أن تعلن الدولة عدم اختصاصها عند وجود طفل في حال خطر، كذلك حصل بشأن تعرض المرأة للعنف. ومن الطبيعي أن يؤدي تطور الوعي في هذين المجالين الى الحد من السلطة الأبوية، الزوجية ومن السلطة الطائفية على حد سواء. وإذ سعت المحاكم المذهبية تفادياً لتجربة مشابهة لتجربة قانون الأحداث الى تضمين مشروع القانون موادَّ حمائية لصلاحياتها وأحكامها (مادة ...)، إلا أن هذه المواد تبقى من دون مفعول كلما نشأ اختصاص القاضي المدني عن مواد صريحة في القانون الجديد كما هي حال اختصاصه في اتخاذ قرارات متصلة بفصل الزوجين فعلياً أو بفصل الأولاد عن والدهم الخ..

ومن الطبيعي أن التطور الحاصل في هذا المجال نشأ عن تعزيز الوعي الحقوقي وتالياً عن تراكمات في الخطاب العام، لمؤسسة كفى طبعاً الفضل الأكبر فيه من دون أن يقتصر عليها. وأهم ما في هذا التحول في الذهنية العامة، هو أنه ينتج مفاعيل تتعدى طبعاً نص القانون، ليأخذ أبعاداً ثقافية أوسع، قد تكون لها ارتدادات كبيرة في وجهات القضاء وفي تأويل النص من قبله كما أيضاً في الحراك العام. وما يؤكد ذلك هي الأحكام التي أصدرها مؤخراً القضاء المستعجل في جديدة المتن بتكريس مبدأ "سلامة الإنسان فوق كل اعتبار" والتي لقيت مصادقة من قبل محكمة التمييز[4]، وهي المحكمة الأكثر محافظة. أو أيضاً الحكم الآيل الى تكريس مفهوم "العنف المعنوي"[5].  كما نستشرف ذلك في الحراك العام الحاصل في 8 آذار، والذي شكل أحد أهم الحراكات الشعبية في لبنان منذ الحراك الداعي الى إسقاط النظام في 2011، علماً أن هذا الحراك لم يرم فقط الى إقرار مشروع القانون معدلاً، إنما أيضاً الى تسجيل إرادة شعبية إضافية في تعزيز الرقابة الشعبية على أعمال القضاء في قضايا العنف ضد النساء، وهي الرقابة التي تشكل الضمانة الأهم لتطبيق القوانين مستقبلاً.

وأهم ما في كل ذلك، هو تكوين نواة للنظام العام قابلة للتطور على نحو يؤدي الى فرض قواعد وطنية مشتركة أكثر ملاءمة مع تطور الحياة المدنية في لبنان.

ولكن، عن أي عنف نتحدث؟
وبمقابل ما تقدم، بدا المشرّع وكأنه حاول استيعاب الحراك أو التخفيف من مسؤوليات الدولة وقدرتها على التدخل، من خلال فرض تعريف ضيق وربما مستغرب للعنف. والواقع أن هذا الاختلاف لا يؤدي فقط الى التضييق من مدى القانون إنما أيضاً الى نقض أساس فلسفته وسبب وجوده. ففيما استندت الهيئات المبادرة الى وضع مشروع قانون حمائي للمرأة الى وجوب التصدي للاعتداءات التقليدية عليها كامرأة (الاغتصاب الزوجي، إرغام الابنة على الزواج، منع المرأة من الدخول أو الخروج الخ..)، أخرج المشرّع من دائرة القانون هذه الاعتداءات ليتناول بالمقابل أفعالاً تخرج من خلالها المرأة عن سلوكياتها التقليدية كامرأة وعلى رأسها موجب الحشمة، ويشكل تجريمها في عمقه وأبعاده أحد أسس التنظيمات القمعية ضدها (الزنى).

وهذا ما حاولنا تلخيصه في الجدول الآتي:

معركة تعريف العنف مشروع القانون المحال الى المجلس النيابي القانون كما تم إقراره
تعريف الفعل العنيف الذي يشمله القانون "أي فعل عنيف.. قد يترتب عليه أذى أو معاناة.."،
وهو تعريف واسع يترك للقضاء مهمة تحديد أشكاله.
"العنف الذي يشكل إحدى الجرائم التي نص عليها القانون" (القانون الذي تم إقراره)،
وبذلك، وضع المشرع حداً للتوسع القضائي في تعريف العنف، فارضاً قاعدة أن "لا عنف من دون نص". 
 
الأفعال المرتكبة ضد النساء والمحمية بالقيم الموروثة أو التقليدية العنف المعنوي، الاغتصاب الزوجي، الإرغام على الزواج،  المنع من ممارسة حقوقها المدنية كالدخول والخروج، العنف الاقتصادي بالاستيلاء على مداخيل المرأة، الضرب والإيذاء، التهديد. فقط الايذاء والتهديد.
مع إعلان الحق الزوجي بالجماع شرط حصوله من دون إيذاء أو تهديد.
الأفعال المرتكبة من النساء خلافا للتقاليد ولمبدأ الحشمة .... الزنى.
 
 
وبذلك، وبدل أن يشكل القانون الجديد ضابطاً لقساوة التقاليد التي تبرر الاعتداءات العنيفة على المرأة، تحول الى عنوان جديد لفرض هذه التقاليد عليها، تحت طائلة اعتبارها عنيفة وإعطاء الرجل مبرراً للمطالبة بتدابير حمائية ضدها. وبذلك، بدا القانون بعيوبه وكأنه يفرض عنوان المعركة القادمة: معركة تعريف العنف. 


نشر في العدد السادس عشر من مجلة المفكرة القانونية