بتاريخ 6/2/2014 أصدرت المحكمة المارونية بشخص المشرف على العدالة، عدة قرارات تتعلّق بممارسة مهنة المحاماة التي جاء بعض منها استناداً لمجموعة قوانين الكنائس الشرقية، وفرضت على المحامين شروطاً وألزمتهم بمتابعة بعض الدروس لقبولهم في المحكمة والانضمام إلى لائحة المحامين الخاصة في المحكمة، فلا يمكن لغيرهم المرافعة فيها. كما نصت القرارات على وجوب حلف المحامي اليمين أمامها وهي يمين مختلفة عن اليمين التي سبق للمحامي وأداها أمام نقابته وأمام محكمة الاستئناف ( المادة 10 من قانون تنظيم المهنة). وكما نصّت على فصل المحامي عن المرافعة أمامها في بعض الحالات، منها خيانة المحامي لمهنته ببيع الدعاوى أو خيانة الموكل أو شراء الخصومة، أو الاتفاق على أتعاب مبالغ فيها، أو الحصول على حصّة من موضوع النزاع إلخ... وبالطبع تتعارض هذه القرارات مع قانون تنظيم المحاماة الرقم 8/70 والنظام الداخلي لهذه المهنة، وخصوصاً بما يتصل بتنظيم شروط الانتساب إلى نقابة المحامين وكيفية متابعة تنشئتهم على جميع الصعد ومزاولة مهنتهم وأصول التسجيل والتدرج والانتقال إلى الجدول العام، ومنع أي هيئة أخرى تنظيم أمورها (المواد 4 الى 31 من القانون)، وأيضاً بما يتصل بالمحافظة على شرف مهنة المحاماة وبإنشاء مجلس تأديبي (المادة 96 و97 من القانون) والأصول التي يتبعها والعقوبات التي قد يصدرها (المواد 98 إلى 114 من القانون).  

وبتاريخ 4/3/2014 صدر تعميم مشترك عن نقيبي المحامين في بيروت والشمال، دعوَا فيه المحامين الى عدم التقيد بالإعلان الصادر عن المحكمة المارونية كونه يتعارض مع قانون تنظيم مهنة المحاماة وتنظيمها الداخلي وآدابها، والتقيّد حصراً بالتعاميم والقرارات التي تصدر عن نقابتي بيروت والشمال. ونتيجة الاتصالات علمنا أنه تمّ تعليق الإعلان والقرارات الصادرة عن المحكمة المارونية.

وبالتالي، وعلى خلفية هذه الإشكالية القانونية، وتضامناً مع موقف نقابتي المحامين الرافض لهذه الشروط، تنشر المفكرة مقالاً للأستاذ أديب زخور حول تطور تنظيم المحاماة أمام المحاكم الروحية، وهو يدعو الى الاعتراف بأهمية المحاماة وبحصاناتها وضمانات استقلاليتها التي نص عليها قانون تنظيم مهنة المحاماة. فهذا القانون هو نظام عام بالنسبة الى المحاكم الكنسية كما بالنسبة الى جميع المحاكم الطائفية (المحرر).

أولاً: رسالة المحاماة - الحصانات والضمانات لاستقلالية مهنة المحاماة:
منع قانون تنظيم مهنة المحاماة الرقم 8/70 وتعديلاته ممارسة مهنة المحاماة إذا لم يكن المحامي منتسباً إلى نقابة المحامين، تحت طائلة ملاحقته بجرم انتحال صفة كاذبة، وأعطاها الاستقلالية الكاملة في ممارسة مهنة المحاماة ومنح جميع الحقوق للمحامين بإبداء الرأي والدفاع عن الحقوق معطياً إياهم الحصانات اللازمة لضمان هذه الاستقلالية عن السلطة القضائية والإدارية، وصلاحية تنظيم أمورها الداخلية وسلطة الرقابة وتنشئة المحامين ومتابعة شؤونهم وشجونهم والتصدّي لأي خلل قد يعترض المهنة. كما حظّر على المحامين استناداً إلى المادة 6 من النظام الداخلي لنقابة المحامين في بيروت، إنشاء أية هيئة أو نقابة أخرى ضماناً لوحدة النقابة واستقلاليتها وعدم تشرذمها.

وقد نصّت المادة 1 من قانون تنظيم مهنة المحاماة على:"المحاماة مهنة ينظمها هذا القانون وتهدف الى تحقيق رسالة العدالة بإبداء الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق".
وبالتالي، لا يمكن لأي هيئة أو سلطة أخرى مهما تنوعت أو تعددت، أن تتدخل في الشؤون المهنية للمحامين أو تنظّم أمورهم لأية جهة كانت، كونهم ينتسبون لنقابة عريقة ومستقلّة تأسست منذ تاريخ 6 شباط 1919، ولا يحق لأحد أو لأي سلطة مهما علت أن تتدخل في مهنتهم أو تملي عليهم كيفية تأديتهم لها او اتخاذ أي قرار بحقهم، كونهم يخضعون حصراً للقانون الذي يرعى وينظم أمور نقابتهم.

ونصّت المادة 2 من القانون ذاته على:"تساهم المحاماة في تنفيذ الخدمة العامة، ولهذا تولي من يمارسها الحقوق والحصانات والضمانات التي ينص عليها هذا القانون كما تلزمه بالموجبات التي يفرضها".
وبناءً عليه، يمارس المحامي مهنته في تنفيذ الخدمة العامة في كل المحاكم على تنوعها وتعددها، وأمام الإدارات والمرافق العامة، طبقاً لتنظيم مهنة المحاماة، لا سيما المادة 74 التي تنص على حماية دور المحامي أثناء تأديته مهنته، وحق الدفاع المقدس،  فلا يُسأل المحامي، ولا يترتب عليه أي دعوى بالذم أو القدح أو التحقير من جراء المرافعات الخطية أو الشفهية... وهذه الاستقلالية عن القضاء وعن أية سلطة أخرى هي التي تميّز مهنة المحاماة وتجعلها أساسية وجوهرية، وإلا انتفى دوره وأصبح موظفاً أو تابعاً لهذه السلطة أو تلك التي سنسمح لها بفرض إملاءات أو شروط من أي نوع كان عليه[1].  كذلك يعتبر حضور المحامي عنصراً طبيعياً وجزءاً لا يتجزأ من العدالة، ودوره لا غنى عنه لإظهار الحقيقة وإدارة مسيرة العدالة، ومن يستبعدهم يعتبر مخلاً بمبادئ العدالة، لذلك فإن نقابة المحامين التي هي من عناصر العدالة يتعلّق وجودها ودورها بالنظام العام.

وعلى هذا الأساس، يجب أن يُعطى لكل متقاضٍ الحق بالاستعانة بمحامٍ يختاره للدفاع عنه، وتضمن الدولة والمحاكم على تنوّعها وتصون له ولوكيله كل الاستقلالية في التعبير وفي حرية الكلام دون أن تمارس عليه أية ضغوط أو شروط. وهذه المبادئ هي من أساس وصلب الدول النظم الديموقراطية، وقد كرّس مجلس شورى الدولة هذا المبدأ واعتبره من النظام العام، بحيث لا يمكن
فصله عن ممارسة حق الدفاع ولا يمكن لأي تنظيم أو إدارة أن تخالفه أو تتمنع عن تنفيذ هذه المبادئ والقوانين والأحكام القضائية أو تطبيقها[2].

والحق في ممارسة مهنة المحاماة واستقلاليته عن السلطة القضائية وأي سلطة أخرى، هو مصون في الدستور، الذي تبنّى المواثيق الدولية، وهو نظام ديمقراطي يحمي مواطنيه والأجانب المقيمين على أراضيه ويضمن في ما يضمن، حقوق ممارسة كل مواطن وأجنبي حقوقه، وحمايته من أي تدخل أو انتهاك لهذه الحقوق، خاصة إذا كان هناك تجاوز لحد السلطة من أي مرجع كان. وجاء قانون مهنة المحاماة ليعزز هذا الدور والاستقلالية ويمنع أي تدخل في تنظيم مهنتهم من أية سلطة قضائية أو إدارية[3].

ثانياً: كيف تطوّر قانون أصول المحاكمات الكنسي في اتجاه الاعتراف بدور المحامي:
كان قانون أصول المحاكمات الكنسي القديم للعام 1917، صارماً تجاه حضور الخصوم ومحاميهم، بخاصة في الدعاوى الزواجيّة، إذ أخضعهم للعديد من الشروط، للوصول إلى الدعوى والوثائق. وقد منع هذا القانون حضور المحامين، سواء في استجواب الخصمين، أو الشهود، أو الخبراء ( القانون 273 SN) كما منعهم من فحص الوثائق، إلا بعد نشرها. ولم تكن هذه الصلاحية الخاصة معطاة إلا لمحامي الوثائق ( ق 474- 475 ، SN)[4].

وقد ألحق هذا المنع الضرر الجسيم بسير المحاكمة، لجهة ممارسة حقّ الدفاع للخصمين ولمحاميهما، ولجهة مراقبة المستندات عن قرب، والقدرة على الاستفسار حول تطوّر المحاكمة، الأمر الذي لا يحصل إلا بعد نشر الأعمال.

مراجعة مجموعة القوانين الكنسية، عقبات وحلول:
وكان لا بد إزاء ذلك من مراجعة مجموعة القوانين الكنسية، ولا سيّما قانون أصول المحاكمات الكنسي، مع تقييم مساوئه، والإجابة على المتطلبات الأساسية والطارئة للمحاكمة، وتعزيز حق الدفاع للخصمين قدر المستطاع، والحق بفحص الدقائق الصغرى في المحاكمات، بتركيباتها المتعددة وتأمين ضمانة كاملة للأشخاص المستدعين أو الحاضرين في جلسات المحاكمة[5].وقد حدث التغيير والانقلاب في قانون الكنائس الشرقية والغربية الجديد، تبعاً لدراسة معمّقة من قبل علماء القانون الكنسيين، الذين ساهموا بوضع قانون يجيب على المطالب الحالية للكنيسة وللمؤمنين، ويعطي حلولاً، وخاصة للمشاكل الراهنة، بحسب أنظمة مناسبة، بعد الاستفادة من أخطاء القانون القديم[6] "الغربي والشرقي" كما من تطبيق القانون الغربي 1983 (م.ح.ق.ل). وتبعاً لذلك، أعلن البابا يوحنا بولس الثاني، في 18 تشرين الأول من عام 1990، مجموعة القوانين للكنائس الشرقية (م.ق.ك.ش.) والتي أصبحت نافذة المفعول في الأول من تشرين الأول من عام 1991 ودون المصادقة عليها من المجلس النيابي، والتي في مطلق الأحوال يجب أن تحافظ على مقتضى النظام العام والقوانين العامة والخاصة، ولا سيما قانون تنظيم مهنة المحاماة، هذا القانون الذي وُضع لإرساء مبدأ العدالة ومساهمة المحامين في استتباب العدل وإظهار الحقيقة بالتساوي مع رسالة الجسم القضائي ووظيفته.

إلا أنه نأنهأنبالرغم من وضوح القوانين الناتجة من هذه المراجعة والمتعلقة بأصول المحاكمات في الدعاوى الزواجية، على نحو يؤدي إلى تغيير جذري فيها لجهة تقديم الأفضلية الكبرى للمحامين على صعيد إجراءات المحاكمة، وحضورهم كل جلسات الاستجواب، نرى قيام تحفّظات، وإهمالاً ورفضاً لتطبيق هذه القوانين في الكثير من المحاكم الكنسية الشرقية، على نحو يخشى معه استمرار المحاكمات على ما كانت عليه وكأنه لم يحصل أي تغيير في القوانين.

وهذا ما دفعني في 2003 للشروع بدراسة هذه الإجراءات وكيفية تطبيقها، واضعاً خبرتي المتواضعة أمام المحاكم الكنسية من خلال مؤلف "حقوق جديدة للمحامين في الدعاوى الزواجية"، متمنياً المشاركة في تطوّر الآراء المهتمّة بمستقبل المحاكمات، كون الإجازة بحضور المحامين كشركاء في العدالة، حضوراً مشجّعاً وإيجابياً للوصول سوية، "محامين وقضاة" للحقيقة الأسمى وتأمين حق الدفاع المنصف وعدالة متوازية لكل الفرقاء بمقتضى القوانين المقرّرة قدر الإمكان.
  
تأكيد دور المحامي في المحاكمات الكنسية، مصلحة قضائية:
خضعت قوانين الكنسية لفترة واسعة النطاق، لإعداد طويل في ما يخصّ حقوق وواجبات المحامين والوكلاء، وبخاصة على مختلف نقاط البحث التالية:

- حقّ المحامين في حضور جلسات استجواب الفرقاء، الشهود، والخبراء، وأن يعاينوا ويفحصوا المستندات قبل نشرها، كذلك واجب المحكمة إبلاغهم كل أوراق الدعوى.

وقد جاء قانون الشرع الكنسي الغربي الجديد(م.ح.ق.ل.) متشابهاً تقريباً مع قانون الشرع الكنسي الشرقي الجديد (م.ق.ك.ش) على مستوى الإجراءات في ما يخصّ حقوق المحامين على صعيد الإصلاح الجديد، وخصوصاً بموضوعنا في القوانين الجاري بحثها. وعند مراجعة القوانين الرئيسة، في مجموعتي القوانين باللغة اللاتينية، يمكننا أن نرى التطابق في الكثير من الصعد. فقد تعدّلت الإجراءات لتحسين المحاكمات الكنسية ولمصلحة الخصمين والمحامين.

ولقد حان الوقت لأن توضع هذه القوانين الجديدة المذكورة في بحثي المشار اليه أعلاه موضع التنفيذ، وفقاً لمبادئ العدالة والإنصاف. وقد ذكرت آنذاك أن عامل الوقت مهم لإبراز الإيجابيات والسلبيات في حضور المحامين إلى جانب القضاة، في الجلسات المختصّة بالدعاوى الزواجية، كما للمحامين الحق في حضور جلسات استجواب الخصمين والشهود والخبراء، بقوة القانون وبطرح الأسئلة الضرورية، بل أكثر من ذلك بمعاينة أعمال الدعوى، والنظر في الوثائق المقدمة، حتى قبل إعلان الأعمال ونشرها، وكل ذلك بمقتضى القوانين والتعاليم الفقهية[7].
نستشهد أخيراً برأي أحد القضاة الروتاليين المنقول عن اللغة الإيطالية[8]، الذي يؤكد تطبيق هذه الدراسة وحقوق المحامين المشار إليها، في جميع المحاكم الكنسية، وخاصة أمام محكمة الروتا الرومانية:

"يواجه القانون 1678 المشكلة الخطيرة، بالتنسيق بين الحقوق (المصالح) الخاصة الشخصية من جهة، والخير العام المرتبط بموضوع الوثاق الزواجي من جهة أخرى. ويحافظ على مبدأ السرية في هذه الدعاوى، المنبثقة من المادة ذاتها، وهو موضوع فائق الصعوبة في النظرية والتطبيق، ويأخذ بعين الاعتبار المشاكل المعقّدة، الناتجة من هذا الموضوع، وحصلت في بلدان عدّة، نذكر منها على سبيل المثال إيطاليا، حيث هنالك تشريعات خاصة موضوع التنفيذ من قبل الدولة والكنيسة.

في نهاية التحليل، يمكننا الملاحظة أن مجموعة الشرع الكنسي تعترف، بطريقة أوسع، بوضع الخصمين، ومحاميهما.
ونعلن، في الواقع ( 1, cpv, c1°  ) تنظيماً جديداً، بأن للمحامي عن الوثاق، وللمحامي عن العدل، ولمحامي الخصمين، "الحق" في حضور الاستجواب القضائي للخصمين بذاتيهما والشهود والخبراء (ولكن لا يمكن للخصمين حضور هذه الاستجوابات)، ( §2) ويمكنهم معاينة أعمال الدعوى والأعمال القضائية ( acta cause e acta processus)وذلك قبل نشرها، والاطلاع على المستندات المقدمة من الفرقاء، من أي نوع كان، مع الإحالة المحدّدة للخبرة الخاصة (القانون 1581).

ونحن نقترح حتى، إمكانية طرح المحامين أسئلة مناسبة على الشهود - ويجب فهم هذا التعبير، من خلال المنطق التفسيري على أنه يشمل الخصمين - من خلال القاضي (القانون 1561) إضافة لما هو مبيّن في الطلب للإثبات بالشهادة (القانون 1552). نؤكد كذلك أنها ممارسة متبعة بكثرة، بخاصة أمام الروتا الرومانية".

أما ما جاء في مجموعة قوانين الكنائس الشرقية في ما يتعلّق بالمحاماة، فهو لا يمكن فهمه إلا من خلال المؤسسات التي أوجدتها الدولة اللبنانية، وهي نقابة المحامين التي أوكل إليها حصرياً أمر الاهتمام ومتابعة مهنة المحاماة والمحامين على جميع الصعد، ضمن أطر تنظيمية مفصّلة ودقيقة، فلا نقوم إلا بوضع قوانين الشرع الكنسي موضع التنفيذ، وبإجماع الآراء الفقهية حول هذا الموضوع، والتطبيقات العملية المتّبعة والمتقيّد بها أمام كل المحاكم.

خلاصة
وضع القانون اللبناني كما كل القوانين العالمية، أسساً لممارسة مهنة المحاماة والوظيفة القضائية، وهي سلطة وُجدت لإرساء العدالة، هذه العدالة التي لا تقوم إلا بجناحيها: المحاماة والقضاء، مع التشدد على استقلالية وتمايز الواحدة عن الأخرى، في إطار تعاون وثيق لقيام العدالة واستتبابها. فكما نحرص على تكريس مبدأ استقلال القضاء والمحافظة على دوره ورسالته، كذلك يقتضي الحرص على استقلال مهنة المحاماة وتمايزها وتعاونها على المستوى ذاته مع الجسم القضائي.

نشر في العدد السادس عشر من مجلة المفكرة القانونية

[1]L'AVOCAT ET LE REFLET DE SON IMAGE – REMO DANOVI – BRUYLANT –  P.74.
[2] المفكرة القانونية، العدد 14، شباط 2014.
[3]L'AVOCAT ET LE REFLET DE SON IMAGE – REMO DANOVI – BRUYLANT – 1998- P. P. 72 – 73
[4] Cf. PIE XI, motu proprio” Provida Mater”, art. 128.
[5] Cf. GREEN.I.T., HEINSTSCHEL. ED., The code…, p. 984
[6]SN- التشريع الشرقي القديم
[7]Cf. CHIAPPETTA L., IL Codice… p.p.218-219
[8] Cf. PINTO V, Commento (occidental)… P.P.967-968.