عمدت المديرية العامة للأمن العام، منذ منتصف التسعينيات[1]، على إصدار قرارات بحق مواطنين ومحامين، تقضي بمنعهم من الدخول الى مباني الأمن العام أو من القيام بأي معاملة لدى أي من دوائرها، ومنها تجديد جواز السفر. وقد سُمّيت هذه القرارات بمذكرات إخضاع، والتي حاز المدير المسؤول عن المفكرة القانونية المحامي نزار صاغية، حتى الآن، اثنتين منها: إحداهما صدرت بحقه وبحق موكلته سميرة طراد الناشطة في الدفاع عن حقوق اللاجئين، عن المدير العام الأسبق اللواء جميل السيد في 2003 على خلفية رفض طراد الحضور للتحقيق في مركز المديرية من دون استنابة قضائية[2]. والثانية صدرت عن المدير العام السابق اللواء وفيق جزيني في كانون الثاني 2010 على خلفية الحكم الصادر ضد الأمن العام في قضية المحتجزة تعسفاً يسرى العامري، والقاضي بوجوب الإفراج عنها فوراً[3].

وكما حصل مع صاغية في 2009 حيث تم تأخير تجديد جواز سفره الى حين رفع مذكرة الإخضاع الصادرة بحقه عن اللواء السيد الذي كان آنذاك محتجزاً، أُعلم في شباط 2014 برفض الأمن العام تجديد جواز السفر دون أي تعليل. وكان صاغية قد تعرّض لممارسة أخرى، مفادها احتجاز الأمن العام في 2010 جواز سفره الذي كان قد أرسله بواسطة وكيل سفر للحصول على فيزا من سفارة البوسنة في الأردن، الأمر الذي وُثّق في بيان صدر عن مجموعة من المنظمات المحلية والدولية[4]. وقد أُفرج عن جواز السفر بعد تدخل وزير الداخلية آنذاك زياد بارود.

إذ ذاك، تقدم صاغية بأمر على عريضة أمام قضاء الأمور المستعجلة في بيروت طالباً إلزام المديرية العامة للأمن العام بشطب مذكرة الإخضاع المتخذة بحقه وتجديد جواز سفره اللبناني وتسليمه إياه. وقد لفت في استحضاره أن تمنع الأمن العام عن تجديد جواز السفر، يمسّ بحرية أساسية، هي حرية التنقل، التي تشمل الحق بالتنقل بحرية داخل البلاد والحق بالخروج منها أيضاً. كما لفت الى أن "مذكرة الإخضاع" تشكل "انتهاكاً لمبدأ المساواة بين المواطنين ومساً بحرية مواطنية أساسية". وبعدما أعطى جاد معلوف، قاضي الأمور المستعجلة الناظر في القضية، الأمن العام مهلة عشرة أيام للجواب على ما ورد في الاستحضار، أقدمت المديرية على تسليم جواز السفر عوضاً عن تقديم جواب خطي تظهر فيه أسباب التمنع عن التجديد. وعليه، حُصر موضوع الاستدعاء بطلب شطب مذكرة الإخضاع الصادرة بحقه، ولم يصدر قرار بشأنها بعد. 

إلام تستند "مذكرة الإخضاع"؟
لا تستند مذكرات الإخضاع الصادرة عن المدير العام للأمن العام الى أي نص قانوني. هي عقوبة إدارية يتخذها المدير العام للأمن العام بحق أي شخص صرّح أو أقدم على عمل ما، شعرت المديرية بأنه "استفزاز لها". فمثلاً في حالة المحامي صاغية، ما استفز المديرية العامة للأمن العام في 2010، تمثل بتقدمه بدعاوى ضد الدولة اللبنانية (وزارة الداخلية والبلديات، المدرية العامة للأمن العام) للإفراج عن لاجئين عراقيين محتجزين تعسفاً لحساب الأمن العام واحتكامه الى الرأي العام لتنفيذ الأحكام القضائية المؤيدة لطلبه. وعليه، ورغم أن القضاء دان الدولة اللبنانية (الأمن العام)، في جميع هذه الدعاوى، بإقدامها على احتجاز لاجئين تعسفياً، فإن الأمن العام رأى وجوب معاقبة المحامي الذي تقدم بها، معلناً من خلال ذلك أن من حقه معاقبة أي تعرّض له، حتى ولو ثبتت أحقيته في قرارات قضائية مبرمة. كما يجدر التذكير في هذا السياق بإقدام المديرية العامة للأمن العام على إصدار "مذكرة إخضاع" بحق كل من المحاميين رولان طوق وأديب زخور، بسبب ممارسة مهنتهما في متابعة قضايا أجانب محتجزين لدى المديرية العامة للأمن العام. فبررت المديرية العامة للأمن العام صراحة قرارها في قضية المحامي أديب زخور، بقيامه باستفزاز المحققين[5]خلال التحقيقات. وما اعتبر استفزازاً في هذه الحالة، تمثل برفض المحامي زخور، بصفته موكلاً عن إحدى العاملات المحتجزات، أن تترجم عاملة موقوفة لأخرى يتم التحقيق معها خلافاً لأصول المحاكمات الجزائية، فضلاً عن مسعاه الدائم الى تصويب أعمال المحقق صوناً للأصول[6].

ومما تقدم، تتضح الوظيفة التي يتوخاها الأمن العام من مذكرة الإخضاع، وهي "إخضاع" كل من يعترض على تدبير أو نهج تعتمده هذه المديرية، وخصوصاً تجاه الأجانب، حتى ولو تم الاعتراض في سياق ممارسة مهنة المحاماة، والأهم من ذلك حتى ولو كانت هذه الممارسة غير قانونية. ومن شأن هذه الوظيفة تالياً أن تخضع المواطنين وعلى رأسهم المحامون لهذه الممارسات، مهما كانت تعسفية، فيسلموا بها من باب الاتقاء ومن دون أي ممانعة.

فالإخضاع وفق تعريف قاموس المعاني هو "أخضع المتمردين، أذلهم، أرغمهم على الخضوع، قهرهم بقوة". وعدا أن هذه المذكرة تشكل انتهاكاً لمبدأ المساواة بين المواطنين والدخول الى المرافق والإدارات العامة، فهي تخرج عن الصلاحيات التي أناطها قانوناً العامين 1962 و1964  للمدير العام للأمن العام. وعلاوة على ذلك، فهي تنتهك حق المتقاضين (وعلى رأسهم الأجانب المحتجزون لدى الأمن العام) بالدفاع وبمحاكمة عادلة عندما تكون صادرة بحق محام/ية في إطار ممارسته/ا لمهنته/ا. وهذا ما أكده التقرير الصادر عن المستشار المقرر[7] في الغرفة الثالثة من مجلس شورى الدولة بتاريخ 25/11/2013، في إطار الدعوى المقدمة من المحامي زخور بوجه الدولة اللبنانية - وزارة الدخالية والبلديات - المديرية العامة للأمن العام على أثر مذكرة الإخضاع الصادرة بحقه، حيث اعتبر أن مذكرة كهذه تشكل انتهاكاً للحقوق المكفولة في الدستور اللبناني بالإضافة الى انتهاكها أحكام تنظيم مهنة المحاماة التي أعطت للمحامي/ة حصانة في إطار ممارسة مهنته/ا، كما أنها حصرت محاسبته/ا في إطار نقابة المحامين فقط.

وما يعزز هذا الإجراء خطورة، هو خصائص المذكرة:

فهي غير علنية، بمعنى أنها لا تبلغ للشخص المعني الذي يكتشفها مصادفة (إما عبر تجديد جواز سفره، أو عند قيامه بمعاملة معينة لدى الأمن العام..). وهذا الأمر غالباً ما يحرم الشخص المعني من الطعن بها أمام مرجع مختص، أو يحرمه من إثبات وجودها. وهذا ما يسجل حين طعن المحامي رولان طوق أمام مجلس شورى الدولة بمذكرة الإخضاع طالباً إزالتها، فأجاب الأمن العام بأنها غير موجودة قط[8].
وهي غير معللة، فعلى الشخص موضوع المذكرة أن يحلل ويستذكر متى وكيف "استفز" الأمن العام أو مس بأي حساسية لديه، وهي فضلاً عن ذلك تصدر من دون الاستماع الى الشخص موضوع المذكرة، وتالياً من دون تمكينه من الدفاع عن نفسه.

وهذه الأمور كلها تضاعف من حجم المخالفة المقترفة، على نحو يعزز حظوظ قبول طلبات المحاميين زخور وصاغية أمام مجلس شورى الدولة وقاضي الأمور المستعجلة المشار اليها أعلاه.

وبالطبع، تتحمل نقابتا المحامين مسؤولية أساسية في الدفاع عن حق الدفاع المتمثل في حصانة المحامين. وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة الى مذكرة الخدمة الصادرة في العام 2012 عن المديرية العامة للأمن العام، على أساس تفاهم مع نقيب المحامين السابق نهاد جبر في بيروت وفق ما جاء فيها. وهو أمر لم ينفه هذا الأخير على الرغم من الاعتراضات الصادرة ضدها عن محامين عديدين[9]. وقد تضمنت هذه المذكرة انتهاكات عدة لأصول توكيل المحامي ولحقوق الموقوف الذي يكون له تعيين محام يدوّن اسمه/ا على محضر التحقيق دون حاجة الى وكالة مسبقة وفق ما نصت عليه المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وكانت المذكرة قد فرضت على المحامي/ة مراجعة مكتب شؤون العمليات والحصول على موافقة المكتب الموقر لزيارة الموقوف/ة. وهذا أمر يبدو غريباً، إذ من غير الواضح ما هي الأسباب والأسس التي تسمح للأمن العام بتنظيم دخول المحامين وزيارة الموقوفين الأجانب على نحو يتميز عن سائر نظارات قوى الأمن الداخلي ومخافره. إلا أنه يبدو أن هذا الموقف بات يشهد تغيراً مع تولي جورج جريج منصب نقيب المحامين في بيروت. وهذا ما نستشفه من تصريحه بأنه ليس من المقبول أن يبقى المحامي شخصاً غير مرغوب به وأن يصار الى "إخضاعه" من قبل الأمن العام[10].

نشر في العدد السادس عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1] دراسة أعدها المحامي أديب زخور ورفعها الى نقابة المحامين، المفكرة القانونية، العدد السادس، تشرين الثاني.2012.
[2]نزار صاغية، سميرة طراد و"صورة لبنان في المرآة""، المفكرة القانونية، العدد الاول.، تموز 2011. 
[3] جمعية رواد فرونتيرز، "اللجوء الى الاحتجاز التعسفي، سياسة فوق الدستور" بيروت 2010
[4] بيان موقع من  15 منظمة يندد بقرار الامن العام متوفر على الرابط: http://www.hrw.org/news/2010/03/08/lebanon-investigate-seizure-human-rights-lawyers-passport
[5] نزار صاغية، "قضية محام منعه الامن العام من ممارسة مهنته أمام شورى الدولة  اللبناني: التضحية بمبادئ المحكمة العادلة والسبب "حساسية"،المفكرة القانونية، العدد الرابع عشر، شباط 2014.  
[6] مداخلة للمحامي أديب زخور خلال ندوة للمفكرة القانونية عقدت بتاريخ 5/10/2012 تحت عنوان "استقلالية المحامي وحصانته في لبنان"
[7]نزار صاغية، "قضية محام منعه الامن العام من ممارسة مهنته.." مرجع مذكور أعلاه
[8] كارلوس داوود، "بارنويا "مذكرة الاخضاع" أمام مجلس شورى الدولة: رولان طوق ضد الدولة اللبنانية"، المفكرة القانونية، العدد السادس، تشرين الثاني 2012.
[9] ندوة المفكرة القانونية التي عقدت بتاريخ 5/10/2012، مذكرة المحامي أديب زخور الى نقابة المحامين في بيروت، مرجع مذكور أعلاه.
[10] http://www.bba.org.lb/news_details.php?news_id=MTUxNg==&t=MQتصريح لنقيب محامين بيروت بتاريخ 28/11/2013.