أدت الجلسات التشريعية في نيسان وأيار 2014 الى إخراج هشاشة أوضاع القضاة الى العلن وإبرازها في وجوههم، بما يعكس النقص الكبير في ضمانات استقلالية القضاء. وقد تم ذلك من خلال عدد من الخطوات التشريعية المعلن عنها والتصريحات المرافقة لها. وفيما يتزامن هذا الخطاب مع خطاب مماثل في مواجهة مطالبات موظفي الدولة بحقوقهم، فإن هؤلاء صاغوا طرقاً لجبه هذا الخطاب من خلال التجمع وتظاهرات الغضب وصولاً الى التهديد بانتفاضة عارمة والتمهيد لإنشاء نقابات في القطاع العام. والسؤال الذي يُطرح تالياً: كيف يواجه القضاة مساعي السلطة السياسية الى الافتئات على حقوقهم، وبكلمة أخرى واقع الهشاشة الذي تتجه السلطة السياسية الى حبسهم فيه؟

خطوات سياسية تظهيراً لهشاشة القضاة وتعميقاً لها
منذ بدء النقاش حول سلسلة الرتب والرواتب، زُجّ بأوضاع القضاة المالية والوظيفية. وقد حصل ذلك في 21 آذار 2013 في إطار القرار الأخير لحكومة نجيب ميقاتي، من خلال اقتراح تخفيض مدة العطلة القضائية. وإذ أُحيل مشروع القانون بتقصير العطلة الى لجنة لمزيد من الدرس في جلسة 1 نيسان 2014، عاد النواب ليتدراسوا في جلسة 14 أيار 2014 هذا الموضوع ضمن أحكام مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب، وصولاً الى تقصيرها من شهرين الى شهر واحد. ولم تكتف اللجنة المصغرة التي كُلفت بإعداد مشروعي القانون لإقرار السلسلة ولتمويلها بذلك، بل أضافت بنوداً أخرى من شأنها المسّ بحقوق القضاة أبرزها البند الآيل الى إفراغ صندوق تعاضد القضاة من موارده وتبعاً لذلك الى تجريده من تقديماته. ومن المعلوم أن هذا الصندوق يضمن للقضاة موارد وخدمات اجتماعية عدة وأنه يحتل في ذاكرتهم مكانة هامة، وخاصة في بداية التسعينيات حين شكل لهم ضمانة لتأمين الحد الأدنى من حاجاتهم وحاجات عوائلهم، بعد انهيار قيمة رواتبهم بالكامل. لا بل إن النائب فؤاد السنيورة اعتبر في جلسة 15 نيسان 2014 أن زيادة رواتب القضاة في 2011 من قبل الحكومة الماضية كانت متسرعة وغير مدروسة، وذهب الى حد المطالبة بإعادة النظر في هذه السلسلة.

واللافت أن هذه الخطوات المقترحة لم تستند الى أي معطى موضوعي في قياس إنتاجية القضاة ومدى تأثير تقصير العدالة فيها[1] أو دراسة بشأن مداخيل القضاة المتناسبة مع الوظيفة الاجتماعية التي يضطلعون بها، ولا الى أي رؤية إصلاحية متكاملة، بل بدت، على ضوء مبرراتها، أشبه بعقاب جماعي يُفرض على القضاة على أساس اتهام عموميّ لهم بضعف إنتاجيتهم.

وهذا ما عبّر عنه عدد من النواب (أبرزهم النواب فؤاد السنيورة وأحمد فتفت وسيرج طورسركسيان)الذين اتفقوا على القول بأن القضاة الذين زادت رواتبهم في 2011 بنسبة قد تصل الى 120% لم يفعلوا شيئاً. ومن هنا، سجل هؤلاء النواب ضرورة في إعادة النظر في مكاسبهم والتشديد في شروط عملهم (تقصير مدة العطلة، تخفيض مداخيلهم والخدمات الاجتماعية الممنوحة لهم). وذهب السنيورة الى حد وصف تقديمات صندوق التعاضد القضائي بالهدر والمزاريب والى تخيير القضاة بين زيادة الإنتاجية والاستقالة. فـ"يا تمشي بإصلاح أو تمشي علبيت" (مناقشات 14 أيار). وعند التدقيق في ملاحظات هؤلاء النواب، يظهر أن تبرير العقاب الجماعي لم يستند فقط الى أخطاء مفترضة معزوة للقضاة، بل بالدرجة الأولى الى أخطاء الطبقة السياسية. وهذا ما نستشفه بوضوح كلي من تصريح فتفت الذي ذهب الى حد تحميل القضاة وزر إخلال وزير العدل السابق شكيب قرطباوي بوعوده بإصلاح القضاء (مناقشات 14 أيار). وفي الاتجاه نفسه، نقرأ حجب جميع العوامل المؤثرة سلبياً في إنتاجية القضاء كعدد كبير من مسائل التنظيم القضائي (اختيار للقضاة وتفتيش وتقييم ومناقلات وتوزيع أعمال) والتي تتحمل مسؤوليتها السلطة التنفيذية ومن تعيّنهم في الهيئات التي تتولى إدارة المسار القضائي بالكامل. فإنتاجية القضاء هي مسؤولية المؤسسة القضائية قبل أن تكون مسؤولية فردية للقضاة. فمن هو المسؤول عن تعطيل تعيين ما يراوح 48 قاضياً من متخرّجي المعهد في القضاء منذ ما يزيد عن السنة، مع ما يستتبع ذلك من هدر للطاقات؟ ومن هو المسؤول عن النقص في محاسبة القضاة أو عن سوء توزيع الأعمال بين المناطق والمحاكم؟ ومن هو المسؤول عن إحباط القضاة من خلال تدخلات شبه يومية في أعمالهم؟ ومن هو المسؤول عن عدم تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة وأحياناً لمصلحتها على نحو يهدر إنتاجية القضاة ويجرّدها من المعنى ومعها موارد كثيرة للدولة[2]؟ وألا يظهر من خلال كل ذلك أن السلطات السياسية تعاقب القضاء جماعياً، لنقص هو بالدرجة الأولى فيها؟ وبالطبع، لا تهدف هذه الأسئلة بشكل من الأشكال الى مجاملة القضاة أو رفع المسؤولية عنهم، ولا الى إنكار الحاجة الى إصلاحات جذرية في مجال تنظيم القضاء برمّته بما فيها إصلاحات في مجال العطلة القضائية وصندوق التعاضد القضائي، لكنها تهدف الى منع استمرار استباحة القضاء بعنوان أو آخر مع تعرية حجج السلطة السياسية وباطنيتها والتي غالباً ما تستغل عدم رضى المواطنين عن أداء القضاء للتوغل فيه ولتحقيق مزيد من الاستباحة، بمنأى عن أي رؤية إصلاحية له.

وما يدحض أي ادعاء بوجود توجه إصلاحي هو أن مجمل التدابير المقترحة من قبل السلطات اتصلت بإنتاجية القضاة - ويفهم الكمية - من دون أي اقتراح لتعزيز ضمانات الاستقلالية التي لا حديث عن إصلاح من دونها أو لتطوير إمكانياتهم وكفاءتهم والتي هي أصلاً حسب تصريحاتهم بيت القصيد. وهكذا، وإذ صرح فتفت بأن قرطباوي قد تقاعس عن إصلاح القضاء، فإن تصريحه بقي بمثابة نداء في صحراء، نداء لا ينتظر أن يستيجيب له أحد، لا من النواب ولا من وزارة العدل.

وما زاد صورة الهشاشة وضوحاً، هو أن النواب لم يجدوا حرجاً في وضع الاقتراحات ومناقشتها بل التصويت عليها من دون أي تشاور مع القضاة أو الهيئات الممثلة لهم، رغم قيام وزير العدل أشرف ريفي بتذكيرهم خلال الجلسة نفسها بالمادة 5 من قانون تنظيم القضاء العدلي التي توجب عليهم ذلك (مناقشات 14 أيار). وعليه، بدا الافتئات على حقوق القضاة ممكناً من دون أن يصد النواب عن ذلك أي اعتبارات قانونية أو رمزية، من قبيل استقلال القضاء أو مبدأ فصل السلطات.. الخ. لا بل إن رئيس المجلس نبيه بري، دعا الى تسوية بشأن العطلة القضائية بحيث تُحدّد بـ45 يوماً، على أن يُحرم القاضي الذي لا يحقق إنتاجية معينة من إجازته، على نحو يعكس استلشاقاً هائلاً في ضمانات استقلالية القضاة من دون تعرض أو تدخل (مناقشات 14 أيار).

وبالطبع، من شأن هذا الاستلشاق أن يؤثر تأثيراً كبيراً على مشاعر الاستقلال لدى القضاة وأن يأسرهم في موقع الذين لا حول لهم ولا قوة، وليس لهم إلا أن يأملوا أن تنصفهم السلطة من دون أن يكون لديهم أي أدوات للمشاركة في قراراتها أو لجبهها، وذلك بمعزل عما إذا كان التدبير المقترح مبرراً اجتماعياً أم لا. وقد بدا هذا الشعور واضحاً من خلال تصريحات الأطراف السياسية الناطقة باسم القضاء أو المدافعة عن حقوقه. فوزير العدل أشرف ريفي قرأ رسالتين نيابة عن مجلس القضاء الأعلى، الأولى رسالة شكر لموافقة النواب على التراجع عن تخفيض موارد صندوق تعاضد القضاة، والثانية رسالة إقرار بالمسؤولية مرفقة بتمنّ بالعدول عن تقصير مدة العطلة: فمجلس القضاء واع لمسؤولياته ومستعد للقيام بما يلزم لإرضاء مطالب النواب بالإنتاجية (مناقشات 14 أيار). أما مداخلة وزير الإعلام رمزي جريج فقد جاءت بمثابة استعطاف للنواب للتراجع عن تخفيض موارد صندوق تعاضد القضاة وتقديماته على خلفية أن القضاة لا يتجاوز عددهم الـ500 وليسوا قادرين على الضغط في الشارع بسبب موجب الحيطة.

وهكذا، بدا القضاة من خلال وزراء داعمين لهم عزّلاً في موازاة مجلس نيابي يتجبّر ويتجاوز القانون ويفتئت على الحقوق ويرغم الفئات الاجتماعية المختلفة بالامتناع عن توجيه أي انتقاد اليه، مهما كان هذا الانتقاد صائباً. فللنواب هيبتهم ووقارهم، وعلى الجميع، بمن فيهم القضاة، أن يرضخوا لهم وأن يقيموا لهم طقوس الشكر والاستعطاف والمجاملة والاعتذار عند الاقتضاء، تحت طائلة فقدان الحقوق المكتسبة أو المطالب بها.
بقي أن نشير الى مسألة بالغة الأهمية. فرغم الرجوع عن الاقتراح القاضي بتمويل سلسلة الرتب والرواتب للموظفين من موارد صندوق تعاضد القضاة، فإن مجرد الإعلان عنه كفيل بإيقاظ هواجس مشروعة بشأن تراجع مكانة القضاة وهشاشتها في النظام اللبناني. ولإدراك أبعاد ذلك، يقتضي التذكير بأن المجلس النيابي كان قد فصل في 1993 سلسلة رواتب القضاة عن سلسلة رواتب موظفي الدولة بموجب القانون 284/1993، وذلك بهدف إعادة النظر فيها بما يتفق مع كون القضاء إحدى السلطات الثلاث. وقد تم ذلك تحت ضغط تواتر الاستقالات من القضاء تبعاً لانهيار قيمة رواتبهم الشرائية وفي استعادة مجتزأة لعريضة[3] كان قد قدمها 172 قاضياً منذ 1979. وقد ورد في الأسباب الموجبة للقانون المذكور اعتبارات عدة، منها تأمين استقلالية القضاء وضمان صفاء ذهن القاضي واستقطاب العناصر الجيدة والكفؤة الى سلك القضاء. وإذ بدا بوضوح خلال العقدين المنصرمين أن فصل سلسلة القضاة كان تدبيراً شكلياً محضاً وأنه لم يؤد بحد ذاته الى تحسين رواتب القضاة بالنظر لخلوّه من أي معيار أو ضمانة تربط رواتبهم برواتب الوزراء والنواب أو تضمن رفعها واقعياً، فإن الاقتراح المذكور بتمويل سلسلة الموظفين من صندوق التعاضد أظهر إمكانية استخدام فصل السلاسل كمدخل لإيجاد تضارب في المصالح بين القضاة وسائر الموظفين، بحيث يبدو رفع سلسلة رواتب هؤلاء وكأنه يتم على حساب أولئك. وما يزيد الأمر خطورة هو أن هذا التضارب في المصالح يحصل بين مجموعتين ذواتي قدرات متفاوتة على الحراك. ففيما تتنامى قوة هيئة التنسيق النقابية مع ما يمهد ذلك لانتصارات مستقبلية، يظهر القضاء عاجزاً عن تكوين أي حراك وبالنتيجة متروكاً لاستنسابية السلطة و"شفقتها" بفعل موجب الحيطة، كما نستشف من تصريح الوزير جريج المشار اليه أعلاه.

وهكذا، وبعدما شكّل الفصل مناسبة للسلطات العامة لإرضاء فئة من دون الفئات الأخرى في فترات عدة أهمها 2011 والتمييز في ما بينها كلما رأت مصلحة في ذلك، فإنه شكّل في 2014 مناسبة لاختلاق فتنة بين القضاة والموظفين العامين، مع احتمال أن تنتهي لمصلحة الطرف الأقوى.

حراك القضاة في مواجهة الاستضعاف والاستخفاف
وإزاء قرار المجلس النيابي بتقصير العطلة القضائية من شهرين الى شهر في جلسته المنعقدة في 14-5-2014، وخلافاً لما أورد جريج في المجلس، قدم غالبية القضاة جواباً سريعاً وعفوياً على نحو يظهر غضباً عارماً إزاء استضعافهم، وإن بقي هذا الغضب الى حد كبير خارج الاهتمام الإعلامي. فقد قرر عدد كبير من القضاة بالتوافق في ما بينهم التوقف عن العمل في 15-5-2014، من دون أن يكون هناك جهة رسمية داعية اليه. وسبب رفض القرار لا يقتصر على مآله وحسب، بل بالدرجة الأولى على طريقة اتخاذه من أعضاء السلطة التشريعية خلافاً لقانون تنظيم القضاء العدلي حسب ما تقدم.

وقد اختلف مستوى تجاوب القضاة مع هذه الدعوة وفق الدرجات والمناطق والوظائف: ففيما كان التجاوب شبه تام في محاكم الشمال، بلغت نسبة التعطيل في بيروت، حسب مصادر قضائية، ما يقارب الـ50% مع نسب متقاربة في محاكم بعبدا وجديدة ونسب أدنى في المحافظات الأخرى. أما من حيث الدرجات، وإن كان القضاة الشباب القوة الغالبة في هذا التحرك، فإنه شمل أيضاً قضاة من ذوي الدرجات والمناصب العالية، ومنهم قضاة من رؤساء محاكم استئناف ومحكمة التمييز. والى ذلك، لم يقتصر التحرك على قضاة الحكم، بل شمل أيضاً عدداً من قضاة النيابة العامة، جاء في مقدمهم قضاة النيابة العامة المالية وعدد من قضاة التحقيق. واللافت أن هذا الحراك استمر رغم تدخل رؤساء محاكم الاستئناف في المحافظات وهيئة التفتيش القضائي لثني القضاة عن التوقف عن العمل. وقد بلغت مساعي هيئة التفتيش درجة الإيعاز لبعض القضاة عقد جلساتهم تحت طائلة اتخاذ إجراءات تأديبية بحقهم، بحجة "أن القضاء سلطة وأن السلطة لا تُضرب".

وتعطيل المحاكم على الوجه إنما يستدعي ملاحظات ثلاثاً:

الأولى، أنه التحرك الثاني من نوعه في غضون أقل من سنة، بعد التحرك الحاصل في تشرين الأول 2013 تبعاً لاعتداء عناصر من الجيش اللبناني على القاضي بلال بدر والذي كانت المفكرة أضاءت عليه[4]. وتماماً كالتحرك الحاصل آنذاك، حصل التحرك بمبادرة عفوية من القضاة من دون أن يكون موجّهاً من المراجع القضائية الرسمية، واستمر رغم مواجهة هذه المراجع له. وفيما رفض مجلس القضاء الأعلى تحرك 2013 على خلفية رفضه لأي مواجهة مع مؤسسة الجيش، فإن رفض المراجع القضائية لحراك 2014 نبع ليس من اختلاف في وجهات النظر في رفض تقصير العطلة القضائية، بل من فهم خاص لموجب التحفظ مفاده إنكار حرية القضاة بالتعبير والتجمع. وبمعزل عن أسباب هذين التحركين، فإن قيام القضاة بهما إنما يؤشر الى حصول تحوّل جوهري في بيئة عملهم، قوامه تعزيز قدرتهم وجهوزيتهم على التجمع والتحرك إزاء الاعتداءات التي قد تطالهم. وما يعزز ذلك طبعاً هو تزامن هذين الحراكين مع سعي عدد متزايد من القضاة الى تأسيس جمعية وتالياً الى إعطاء تضامنهم طابعاً تنظيمياً وبنيوياً. وقد يكون انخراط عدد هام منهم في مساعي إنشاء جمعية للقضاة معطى أساسياً لفهم التفاوت الحاصل في مستويات التجاوب مع الدعوة للتوقف عن العمل وفق المناطق والدرجات والمناصب والتي سبق بيانها أعلاه، بحيث كان مستوى تجاوب الفئات المختلفة أعلى بقدر ما ارتفع عدد أعضائها المنخرطين في مساعي إنشاء الجمعية. وبالطبع، من شأن نجاح التوقف القضائي عن العمل أن يسهم في تعزيز حظوظ قيام الجمعية التي من شأنها في حال نشوئها أن تضمن بدورها تنامياً للحراك واتساعاً في رقعة انتشاره. وبذلك، بدا القضاة وكأنهم يفرضون أنفسهم تدريجياً وبانتظام ومثابرة كجسم فاعل وقادر على التأثير في القرارات العامة، ولا سيما القرارات المتصلة بالشأن القضائي، فيتحوّل الجسم القضائي بكامله (وليس فقط في رأس هرمه) من متلق لسياسات تتفرد السلطات الحاكمة في وضعها الى شريك ذي دور متزايد في صنع هذه السياسات والتأثير فيها.

وخير دليل على ذلك هو المنطلقات والنبرة المستخدمة في البيانين الصادرين تبعاً لتعطيل العمل وفي اليوم نفسه عن الهيئات القضائية ونقابتي المحامين من جهة، وعن وزارة العدل من جهة أخرى. فقد تميز هذان البيانان بموقف رصين يستند الى لغة مبدئية واضحة، مفادها وجوب احترام مبدأ فصل السلطات واستشارة مجلس القضاء الأعلى في أي تعديل يطال التنظيم القضائي. ومن المرجح أن يكون الجو العام القضائي قد انعكس على مضمون هذين البيانين، على نحو يعكس تكاملاً يؤمل تطوره بين الحراك القضائي والمراجع القضائية التي طالما أنكرت عن غير حق مشروعية هذا الحراك وملاءمته، واعتبرته مناقضاً لوجودها.

الثانية، أن القضاة بدوا من خلال تحركهم وكأنهم يلتقون مع الحراك الأوسع للعاملين في الوظيفة العامة. ففيما تعطل عمل المحاكم كثيراً بفعل توقف كتّاب المحاكم عن العمل تلبية لدعوة هيئة التنسيق النقابية الى الإضراب في 14 أيار، عاد وتعطل عملها بعد يوم واحد بما لا يقل اتساعاً في 15 أيار بفعل إضراب القضاة الذين بدوا بذلك وكأنهم يوافقون هؤلاء في كسر المادة 15 من قانون الموظفين العامين التي تحظر عليهم الإضراب. وهكذا، وبدل أن تؤدي توجهات النواب الى تمويل سلسلة الموظفين العامين من موارد صندوق تعاضد القضاة الى إبراز تضارب في المصالح بين القضاة والموظفين، نجح الحراك من خلال أسلوبه وتوجيه سهامه الى السلطة التشريعية المتهمة بالتعدي على القضاء والموظفين على حد سواء، في الالتقاء ولو ضمناً مع حراك هيئة التنسيق. وبذلك، قدم القضاة لهذه الهيئة دفعاً معنوياً، من شأنه أن يؤدي الى تشذيب قانون الوظيفة العامة من المحظورات الواردة فيه للتنظيم النقابي والمهني والتعبير عن الرأي، والتي باتت طبعاً في تعارض تام مع مواد الدستور ومقدمته، ولا سيما بما يتصل بالإحالة الواردة في هذه المقدمة الى المواثيق الدولية. وتجدر الإشارة في هذا الإطار الى اختلاف القضاة في وصف توقفهم عن العمل: ففيما أصر البعض على تسميته اعتكافاً، وذلك على أساس أن القضاء سلطة وأن السلطة لا تحتج أو تُضرب إنما لها فقط أن تعتكف، أصر قضاة آخرون على تسميته إضراباً أو تعطيلاً للمحاكم، على نحو يعكس إرادة صريحة لهم في ممارسة الاحتجاج المهني ضد جهات نافذة بوضوح. وبالطبع، يبدو الموقف الأخير أكثر انسجاماً مع واقع النفوذ الفعلي بعيداً عن المفاهيم النظرية والتي باتت منافية تماماً لهذا الواقع.
أما الملاحظة الثالثة، فهي تتصل بماهية المطالب التي يدور الحراك حولها. فهل هي نقابية ذات طابع فئوي، أم أنها تندرج ضمن رؤية معينة للمصلحة العامة، ما يسمح باجتذاب تأييد الرأي العام والمواطنين لها في صراع تزيد أرجحية حصوله بين القضاء والطبقة السياسية بدليل خطب النواب النارية ضد القضاة؟ وبكلام آخر، هل التضامن سيكون على حاله لو تناول مسألة أخرى من شأنها المس بشروط المحاكمة العادلة كتوسيع صلاحيات المحكمة العسكرية أو التدخل السافر في شؤون القضاء من هذا المرجع أو ذاك مثلاً؟ ومن هنا، قد يكون من المفيد أن يستعيد القضاة تقليداً قديماً للحراكات الإصلاحية القضائية، مفادها ربط المطالب الخاصة للقضاة، بما فيها مطالب زيادة الرواتب أو تقديمات صندوق التعاضد، بما يعزز مشاعر القضاة بالطمأنينة والاستقلالية.

كما قد يكون من المفيد جداً أن يسارع القضاة الى إعلان تأسيس جمعيتهم، فتأخذ وجوههم وخطابهم ومطالبهم حيزاً أكبر في الخطاب العام، في أجواء من شأنها أن تمهد لاستعادة القضاء مكانته ودوره الاجتماعيين.

نشر في العدد السابع عشر من مجلة المفكرة القانونية
 

[1]رضوان مرتضى، ليس بخفض العطلة يصلح القضاء، الأخبار 16 نيسان 2014.
[2]علاء مروة،5500 حكم في ذمّة الدولة، والحجّة حفظ المال العام، المفكرة القانونية، العدد 16، نيسان 2014.
[3]سامر غمرون ونزار صاغية، التحركات القضائية الجماعية في لبنان، في: "حين تجمع القضاة"، المنشورات الحقوقية صادر، 2009، بيروت. 
[4]الأبعاد الاجتماعية لقضية الاعتداء على القاضي بلال بدر: حراك تضامني للقضاة الشباب في مواجهة الهرمية، 17 تشرين الأول 2014.