الى جانب القضية التي أقامها المحامي أديب زخور ضد الأمن العام، شهدت نقابة المحامين في بيروت في شهر أيار 2014 قضية محام ثان في مواجهة جهاز أمني آخر. ففي 16-5-2014، تقدم المحامي المتدرج شكري حداد (وهو رئيس لجنة شؤون المحامين المتدرجين في نقابة المحامين في بيروت) أمام قاضي التحقيق في جبل لبنان بشكوى ضد الرائد سوزان الحاج (رئيسة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية) وعنصر آخر على أساس عدد من المواد الجزائية منها التهديد والقدح والذم والتعرض له جسديا ومنعه من القيام بواجبه المهني. وكان حداد قد قصد المكتب في 15-5-2014 لتقديم مذكرة لدى أمانة السر لديه، بناء على طلب النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان الرئيس كلود كرم. وقد تضمنت المذكرة عبارات تعترض على عدم جواز قيام المكتب بتحقيقات قضائية على اعتبار أنه ليس له صفة الضابطة العدلية، كما تشير الى قيام عناصر المكتب بتجاوزات كثيرة في اثناء التحقيقات. واذ طلب منه عنصر في أمانة سر المكتب الدخول الى مكتب الرائدة سوزان الحاج (رئيسة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية) وفق ما جاء في الشكوى، تعرض هنالك حدّاد الى كم من الاعتداءات من عنف كلامي وتحقير واهانة، انتهت الى التعرض له جسديا، على نحو يكشف مجددا الانتهاكات التي بات هذا المكتب يمارسها بشكل منتظم. وعند الاستفسار منها من قبل الصحافة، أنكرت الحاج ما نسب الى المكتب مقدمة للسفير والأخبار (17-05-2014) رواية مغايرة تماما.  

التطور المثير في هذه القضية حصل في مكان آخر. ففي موازاة الشكوى القضائية التي لن تتحرك الا بعد الاستحصال على اذن من الإدارة المعنية (المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي)، برز دور لاعب جديد هو لجنة شؤون المحامين المتدرجين في نقابة المحامين في بيروت. فغداة الحادثة، أصدرت اللجنة بيانا تضامنيا استنكرت فيه "تعرض حداد للاهانات اللفظية والجسدية في مكتب الرائد الحاج أثناء قيامه بممارسة مهنته وطرده بالقوة من قبل فرقة من عناصر القوى الأمنية التي يفترض بها حماية المواطنين ورفع الضيم عنهم". وتساءل البيان: "هل أن فائض القوة والنفوذ الموجود عند بعض موظفي السلك العسكري في الدولة اللبنانية يجعل منهم انصاف آلهة؟ وهل التعرض بهذا الشكل الميليشياوي الى محام متدرج اثناء ممارسته مهنته ممّن يفترض بهم مساندته في ايصال رسالة الحق والعدالة يخدم النظام الديمقراطي ودولة القانون والمساواة التي طالما نادينا وتغنينا بها؟ وهل أن كرامة المحامي الشخصية وكرامة المحاماة رهينة مزاج الرائد سوزان الحاج؟". وتابع البيان "نفذ صبرنا من الممارسات اليومية غير الأخلاقية التي تمارس علينا في دوائر الدولة العامة ولدى مراكز الأجهزة الأمنية خاصة". وخلص البيان الى القول "لأننا رجال قانون، ولأن هذه العبارة هي كافية بحد ذاتها لتبعد عنا أي شبهة مليشياوية، سوف نتابع بدءا من الغد مسار هذه القضية امام المراجع القضائية المختصة بمساعدة النقابة". وقد عادت اللجنة واجتمعت مجددا في 20 أيار 2015 لتصدر ما أسمته توصيات لمجلس نقابة بيروت. وإذ طالبت اللجنة أن تأخذ العدالة مجراها، تمنت بشدة على مجلس نقابة المحامين في بيروت إصدار بيان يدين بشكل واضح الإعتداء على حداد والذي يطال يومياً جميع المحامين دون إستثناء، وبشكل يخالف منطق العدالة وحق الدفاع. كما أطلقوا حملة تواقيع على عريضة موضوعها مطالبة بعض السلطات الامنية والإدارية ومناشدتها الكفّ عن ممارساتها غير السوية بحق المحامين وذلك صوناً لكرامة مهنة المحاماة. وأهم من ذلك، دعت اللجنة جميع المحامين المتدرجين الى إبلاغها بأي إعتداء أو مخالفة ترتكب بحقهم اثناء ممارستهم لمهنتهم، وذلك لإتخاذ الخطوات المناسبة بإشراف نقيب المحامين ومجلس النقابة.

بمعزل عن حيثيات القضية وأبعادها وما قد تسفر عنه، فان التضامن بين هؤلاء ليس عاديا ومن شأنه في حال استمراره أن يؤسس لتغيير بنيوي في بيئة المحاماة والعمل القضائي. فمن المعلوم أن من شأن ازدياد الوعي لدى هذه الفئة أن يمهد لتحسين شروط العمل القضائي (احترام الأجهزة الأمنية وتقصير فترات الانتظار أمام المحاكم) ومعها شروط التدرج برمته (فرض حد أدنى لبدل أتعابهم، تحديد مهامهم على نحو يتماشى مع قدراتهم العلمية ومع المؤهلات والخبرة المأمول تحصيلها تبعا للتدرج).  

نشر في العدد السابع عشر من مجلة المفكرة القانونية