بإمكان أديب زخور اليوم أن يدعي أنه قدم لجميع المحامين أفراداً ونقابة هدية ثمينة جداً. وقد حصل ذلك من خلال إصراره الاستثنائي على ضمان جميع حقوق الدفاع لموكليه، مهما بلغ ضعفهم وتهميشهم، في مواجهة أصحاب النفوذ. فإذا منع من ذلك بعدما عد الأمن العام ممارسته تلك "استفزازاً"، تحول بالإصرار نفسه من الدفاع عن موكليه الى الدفاع عن حقهم بالدفاع عن أنفسهم وتالياً باستقلال المحامي كضمانة لحقهم بالمحاكمة العادلة، وذلك من خلال دعوى تقدم بها الى مجلس شورى الدولة طعناً بالإجراءات المقيدة له. في موازاة ذلك، كان زخور ينتقد بشدة وبمثابرة أي تقاعس أو تخاذل من قبل أي مرجع في جبه التدابير المتخذة من الأمن العام أو أي من دوائر الضابطة العدلية لمنع المحامي من ممارسة دوره، وفي مقدمها المذكرة الصادرة عن المدير العام للأمن العام في 2012 بتحديد أصول التعامل مع المحامين. إصراره هذا تكلل اليوم بقرار نهائي صادر عن مجلس شورى الدولة بقبول جميع مطالبه. من دواعي سرور المفكرة أن تؤدي له اليوم تحية خاصة (المحرر).  
  

بعد سبع سنوات من الانتظار، صدر قرار نهائي في القضية التي رفعها أديب زخور ضد الدولة بعد قرار الأمن العام بمنعه من دخول مراكزه للدفاع عن موكليه الأجانب المحتجزين هناك. القرار صدر عن مجلس شورى الدولة في 1-4-2014 بإبطال تدابير الأمن العام تلك عملاً بمبادئ استقلالية المحامي والمحاكمة العادلة. كما ألزم القرار الدولة بتسديد المحامي زخور تعويضاً قدره عشرون مليون ليرة لبنانية تعويضاً لما لحق به من ضرر أدبي ومادي، بعدما ثبت أن منظمة غير حكومية "كاريتاس" أنهت عقد التعاون معه استجابة لـ"تمني" الأمن العام. وكان المستشار المقرر ومفوض الحكومة قد خلصا الى نتائج مشابهة، سبق للمفكرة القانونية التعليق عليها[1].

ومن النافل القول إن الانتهاك موضوع القرار يشكل نموذجاً فاقعاً لما تعرض ويتعرض له عدد من المحامين العاملين في هذا المجال، وإنه لا يؤثر فقط على حقوق المحامين الشخصية أو المهنية، بل يؤدي من دون أي مبالغة الى تحديد إطار ممارسة مهنة المحاماة في قضايا الأجانب المحتجزين لدى الأمن العام، من خلال فرض مجموعة من المحظورات يؤدي إخلال أي كان بها الى إقصائه. وهذا ما سنسعى الى إيضاحه أدناه، على نحو يظهر بوضوح أبعاد القرار الذي يفترض أن تكون له أبعاد جد هامة في هذا الصعيد.

الأمن العام... ضابط سلوك للمحامين: ممنوع استفزاز الأمن العام
وبالعودة الى تفاصيل القضية، أصدرت المديرية العامة للأمن العام مذكرة منع دخول بحق المحامي زخور، وذلك على خلفية ممارسة دفاعه عن بعض المحتجزين من اللاجئين والعمال المهاجرين المحتجزين لديها. وقد بررت المديرية إصدار المذكرة تلك بشعور بعض المحققين لديها "بالاستفزاز" من رفض المحامي زخّور قيام عاملة مهاجرة محتجزة في نظارة المديرية بالترجمة لمصلحة موكلته، أي خلافاً للأصول القانونية التي تفرض على من يقوم بأعمال الترجمة أن يكون مترجماً محلّفاً.

ولم تكتف المديرية بإصدار المذكرة تلك، بل ذهبت الى حد مطالبة رابطة "كاريتاس" التي كانت تستعين بالمحامي للدفاع عن الأشخاص الذين تقدم لهم المعونة القانونية، باستبداله بمحام آخر (كما جاء في نص القرار). وقد استجابت الرابطة، المرتبطة بالمديرية بتفاهمات تمكنها من الحضور والعمل مع المحتجزين في نظارتها، للطلب.

وتعطي هذه الاستجابة "لأوامر" الأمن العام فكرة واضحة حول الشروط – ومعظمها ضمني - التي تلتزم بها هذه المنظمات كثمن لاستمرار تعاونها معه. وهذا ما يفسر طبعاً خلوّ البيانات الصادرة عنها من أي انتقاد لممارسات الأجهزة الأمنية في أماكن التوقيف أو من أي موقف إزاء قانونية الاحتجاز بحد ذاته، مكتفية عادة بالتركيز على الظروف الإنسانية التي يعانيها الموقوفون. وقد ذهبت المنظمة المذكورة في الاتجاه نفسه حين استجابت لطلب الأمن العام باحتجاز اللاجئة العراقية يسرى العامري لديها على الرغم من صدور حكم قضائي يقضي بإخلاء سبيلها فوراً لعدم قانونية التوقيف[2].

وهذه الأطر التي يفرضها العمل مع المديرية العامة في الأمن العام في ميدان احتجاز الأجانب تفضي الى إرساء خطوط حمراء ثابتة، تكون بمثابة أعراف ملزمة لجميع العاملين في هذا المجال، حتى ولو أدت هذه الأعراف الى ضرب أصول مهنة المحاماة ومبدأ حق الدفاع وما الى هنالك من مبادئ ملزمة للمحامين والمؤسسات التي تقدم مساعدات قانونية. فأي تجاوز لها يشكل استفزازاً أو إزعاجاً للأمن العام أو يمس حساسيته على نحو يستدعي إصدار مذكرة منع دخول بحق من يتسبب به.  من الدخول الى مراكزه. ومن الطبيعي إذ ذاك أن يؤدي هذا الأمر الى انتهاك فادح لاستقلالية المحامين العاملين في هذا المجال، سواء عملوا منفردين أو بالتعاون مع هذه المنظمات، والى منعهم من ممارسة واجبهم المهني، بحيث يتحول الأمن العام الى ضابط لسلوكهم وآداب مهنتهم، في سياق يتخطى صلاحياته ويتعدى على صلاحيات نقابة المحامين التي تبقى هي المسؤولة الأولى عن مدى احترام المحامين للآداب المهنية. كما من الطبيعي أن تنعكس هذه الأعراف الملزمة سلباً على حقوق المحتجزين المعنيين فتبقى الحماية القانونية المعطاة لهم في حدها الأدنى.  وبذلك، يظهر بوضوح أن تبعات  الإجراء الذي نقضه مجلس شورى الدولة، لا تقتصر على المحامي المعني به، بل تنعكس على مجمل العاملين في هذا المجال الذين يصبح واجباً عليهم أن يحذروا ما قد يزعج أو يستفز الأمن العام وأن يثبتوا دوماً حرصهم على الامتناع عن القيام بأي منها.   

القاضي الإداري يعيد تصويب البوصلة: الخط الأحمر هو مبادئ المحاكمة العادلة
هذه التبعات لم تغب عن بال مجلس شورى الدولة، الذي بدا حريصاً على كبح توسع الأمن العام في صلاحياته، وعلى إعادة الأولوية لضمان احترام استقلالية المحامي ومبادئ المحاكمة العادلة. وعليه، يذكّر المجلس الأمن العام بأنه "وفقاً للمادة 99 وما يليها من قانون تنظيم مهنة المحاماة، فإن ضبط سلوك المحامين يعود حصراً للمجلس التأديبي الخاص بهم. كما أنه وفقاً للمادة 492 من قانون أصول المحاكمات المدنية وما يليها، فإن ضبط جلسات المحاكمة وإدارتها منوطان برئيس المحكمة". وتضيف الحيثيات "أنه ليس في القوانين والأنظمة المرعية الإجراء نصوص تمنح المدير العام للأمن العام أو أي مرجع أمني آخر صلاحية منع المحامين من حضور جلسات التحقيق التي تجري في المركز العائد لهذا المرجع". وخلص القرار، في هذه النقطة، الى "أن القرار المطعون فيه يكون صادراً عن مرجع غير صالح ومستوجباً الإبطال". ومما لا لبس فيه أن مجلس شورى الدولة كان واضحاً في قراره لجهة عدم مشروعية مذكرات الإخضاع أو مذكرات منع دخول المراكز هذه عامة. كذلك أشار القرار الى "أن الاستعانة بمحام يعود حصرياً للمتقاضي بموجب وكالة ينظمها للمحامي الذي يختاره. وبحسب المادة 808 من قانون الموجبات والعقود والمادة 385 من قانون أصول المحاكمات المدنية، فإن سلطة عزل الوكيل تعود حصرياً للموكل". وهذه الحيثية إنما تؤشر الى نية القاضي الإداري وضع حد لممارسات الأمن العام المتمثلة بتقييمه لعمل المحامين، واختيار من هو مناسب للدفاع عن الموقوفين ومن هو غير مناسب لذلك، من خلال استخدام سلطة تقديرية استنسابية مخالفة للقانون تدل على تعسف باستعمال السلطة.

ويخلص القرار الى وجوب "التعويض على المتضرر (المحامي أديب زخور) عن مجمل الضرر المادي والمعنوي اللاحق به بمبلغ قدره 20000000 ل.ل مع "فائدة 5% تسري من تاريخ صدور القرار حتى تاريخ الدفع الفعلي"، على نحو يظهر نسبياً إرادة المجلس في معاقبة هذه التصرفات من دون الاكتفاء بإدانتها. ويفهم من هذا التعويض أن حساسية الأمن العام إزاء أي إزعاج أو استفزاز باتت جد مكلفة، وأنه من الأفضل أن يعالج حساسيته بدل تحويلها الى فزّاعة يعاقب كل من يمس بها. ومن المؤكد أن ضمان تنفيذ هذا القرار يستحق متابعة من قبل الرأي العام، لما لذلك من أهمية ردعية مؤكدة. وكان المستدعي زخّور قد طالب بإلزام الإدارة بغرامة إكراهية قدرها 5000$ عن كل يوم تأخير في تنفيذ القرار، استباقاً لتقاعس الدولة عن تنفيذ الأحكام الصادرة بحقها. إلا أن المجلس رد هذا الطلب معللاً ذلك بوجوب التقدم به في مراجعة مستقلة لاحقة لصدور القرار القضائي.

وكخلاصة، أمكن القول إن جوهر هذا القرار يكمن في عملية ضبط سلوك الإدارة قضائياً، وتصويبه على ضوء الشرعية القانونية. والأهم أنه يشكل مدخلاً لإعادة بلورة مبادئ استقلالية المحامي والمحاكمة العادلة والمساواة بين المتقاضين، بمن فيهم المتقاضون الأجانب. فما ستكون انعكاسات هذا القرار على المراجعة التي تجريها حالياً نقابة المحامين لأصول تعامل الأمن العام مع المحامين والتي بات من الواجب تعديلها جذرياً؟ وبشكل أعم، ما ستكون انعكاساته على صعيد مبادئ المحاكمة العادلة، وخصوصاً دور المحامين في الدفاع عن موكليهم المحتجزين لدى أي من الأجهزة الأمنية؟ هذا ما يقتضي الحرص على متابعته.  

نشر في العدد السابع عشر من مجلة المفكرة القانونية

  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا

المزيد عن الدعوى على الرابط ادناه


[1] نزار صاغية، "قضية محام منعه الامن العام من ممارسة مهنته أمام شورى الدولة  اللبناني: التضحية بمبادئ المحكمة العادلة والسبب "حساسية"،المفكرة القانونية، العدد الرابع عشر، آذار 2014
[2]سارة ونسا، "قضية يسرى العامري: أو حين دافع إعلاميون عن قوة أحكام قضائية في لبنان"، المفكرة القانونية، العدد 15، نيسان 2014