عقدت المفكرة القانونية في تموز 2013، بالشراكة مع منظمةPILnet (Public Interest Law Network) مؤتمراً إقليمياً لسبر مدى تطور مفهوم المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية [1]Cause Lawyersفي لبنان والمنطقة العربية، وتحديداً مدى لجوء محامين للتقاضي كأداة للتغيير الاجتماعي والقانوني في قضايا الشأن العام وحقوق الإنسان، وهو ما بات يُعرف بالتقاضي الاستراتيجي. وقد أنجزت خلال هذا المشروع دراسة[2]تناولت فيها هذه الفئة من المحامين من حيث طبيعة عملهم وخصائص ممارستهم المهنية والوسائل وتقنيات المناصرة التي يلجأون إليها.

وفي 20-5-2014، جرت في محكمة التمييز في بيروت مرافعة علنية مخصصة للدفاع عن أحد الموقوفين المتهمين بجريمة قتل، بدعوة من جمعية "عدل ورحمة" وبمشاركة نقيب محامي باريس Pierre Olivier Surوذلك إلى جانب محاميين لبنانيين وهما زياد عاشور ولينا العيا. وكانت محكمة التمييز قد نقضت الحكم الصادر عن محكمة جنايات صيدا بإعدام المتهم (وهو عامل سوري) على خلفية قيامه بقتل صيرفي في صيدا (محمد النتوت) بإحدى عشرة طعنة، وخصصت الجلسة لإعادة محاكمة الشخص المذكور. وقد كشفت هذه التجربة عن شكل جديد من أدوات المناصرة المستعملة من قبل المحامين المناصرين، حيث كانت المرّة الأولى التي يترافع فيها محام أجنبي أمام محكمة التمييز في قضية متعلقة بحقوق الإنسان.

وقد بدأ التعاون بين جمعية "عدل ورحمة" مع النقيب الفرنسي خلال الندوة الوطنية من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، التي نظمت يومي 24 و25 كانون الثاني 2014 والتي تعهد خلالها أحد أعضاء مجلس نقابة المحامين في باريس مساندة المحامين اللبنانيين في القضايا التي يتهدد فيها المتهم بعقوبة الإعدام[3]. وكان لهذه المرافعة أبعاد مهمة ليس فقط لناحية ترافع نقيب محامي باريس أمام المحاكم اللبنانية وحسب، بل أيضاً لجهة استخدام التقاضي الاستراتيجي أو الـ Strategic Litigationكأداة للمناصرة عن طريق المحاكم، وفق ما أشارت إليه سابقاً الدراسة المذكورة.
 
لماذا لنقيب محامي باريس؟ جمعيات، صحافة، نائب، ووزير عدل سابق في المحكمة
اللافت طبعاً حضور نقيب المحامين الفرنسي في المحاكم اللبنانية للدفاع عن عامل سوري متهم بجريمة بشعة أثّرت بالشعور العام اللبناني. فمجرد انتقاله من فرنسا الى بيروت للدفاع تطوعاً، إلى جانب المحامين اللبنانيين، عن عامل سوري معدم حدث من شأنه جذب الأنظار نحو المحكمة وإشكالية عقوبة الإعدام. وعليه، تحولت في 20 أيار غرفة محكمة التمييز في قصر العدل إلى قاعة تضم ليس فقط محامين وقضاة، بل أيضاً وزيراً سابقاً (وزير العدل إبراهيم نجّار) كان قد تقدم باقتراح لإلغاء قانون الإعدام، ونائباً (الأستاذ غسان مخيبر) ناشطاً في مجال حقوق الإنسان، بالإضافة إلى صحافيين وممثلين عن الجمعيات الأهلية. كما تم استقدام مترجمين فوريين جلسوا في غرفة صغيرة أعدت خصيصاً للمناسبة ووزعت سماعات للحاضرين الذين يحتاجون الى ترجمة من الفرنسية الى العربية والعكس. وقد شكلت هذه المرافعة مشهداً استثنائياً قلما نراه في أي قضية حقوق إنسان أخرى.

المرافعة النموذجية والتقاضي الاستراتيجي ضد عقوبة الإعدام
في هذا المجال، نلحظ أن المحاميين اللبنانيين تناولا وقائع القضية وأبعادها القانونية، فيما سعىSURفي مرافعته الى نقض مبدأ عقوبة الإعدام، وخاصة انطلاقاً من مبادئ القانون الطبيعي والقانون الدولي. وقد سمح ذلك الى تحويل مرافعته الى مرافعة نموذجية يمكن استخدامها في قضايا أخرى. ومن المعلوم أن مبدأ المرافعات النموذجية غالباً ما يستخدم في التقاضي الاستراتيجي الهادف الى تغيير واقع قانوني أو اجتماعي أو ممارسة معينة تعاني منه فئة واسعة من المواطنين. وتعد عموماً المرافعة النموذجية بهدف استخدامها في عدد من الدعاوى من قبل المحامي نفسه أو من قبل أي زميل له قد يرغب بذلك. كما يمكن للقضاة الذين حازوا نسخة منها من خلال عملهم أو من خلال الإعلام أن يستلهموا بها في قضايا مشابهة قد تطرح عليهم في غياب أي محام وأحياناً حتى ولو أعرض المحامي الموكل عن استخدامها.
وبالإمكان طبعاً الاعتقاد أن هذه المرافعة تصلح كبداية لعمل منهجي ومتواصل للمحامين وللجمعيات غير الحكومية داخل المحاكم لإلغاء عقوبة الإعدام.

نقيب محامي باريس يدافع عن عامل سوري: استراتيجية اختيار المحامي... والمتهم
كما تجدر الإشارة إلى أنه غالباً ما يتم اختيار المحامين والأشخاص المعنيين (المتهم في هذه الحالة) في التقاضي الاستراتيجي، وذلك بطريقة تتوافق مع أهداف التقاضي.

ومن هذا المنطلق، بدا اختيار المحامي (نقيب محامي باريس) وكأنه يسعى الى إدخال عامل تأثير جديد على التقاضي الإستراتيجي عامة والى إقناع القضاة ومعهم الرأي العام الى طابع القضية الفائقة الأهمية. فلو لم تكن كذلك، فلماذا ينتقل نقيب محامي باريس الى بيروت للمرافعة فيها تطوعاً ومن دون أي بدل مالي؟ 

أما اختيار المتهم، فقد تم على أساس يسهم في لفت أنظار الرأي العام الى إشكالية عقوبة الإعدام نفسها، من دون أي معطى آخر. وقد أشار المحامي الفرنسي الىأن اختيار الموكل لم يكن اعتباطياً، وذلك حين باشر مرافعته بقوله إنه لشرف كبير لأي محام أن يقف مدافعاً عن شخص أجنبي وحيد ليس له أحد ولا يملك شيئاً والأدلة كلها تدينه. وقد ذكرت مرافعات المحامين أن الفتى عانى من طفولة صعبة وظروف اقتصادية شاقة.

القضاء والتقاضي الاستراتيجي؟
تشكل هذه القضية مثالاً واضحاً على تعويل العديد من المحامين المناصرين على القضاء في إشكاليات حقوق الإنسان، خاصة تلك التي لم تتمكن المؤسسات السياسية من حلّها بعد. وقد كان أبرز مثال على ذلك حضور بعض الشخصيات السياسية للمرافعة، وهم من أبرز الساعين الى إلغاء عقوبة الإعدام من خلال القنوات التشريعية من دون أن يوفقوا بذلك. وعليه، يبدو القضاء هنا مجدداً أشبه بمسرح تنتقل اليه قضايا حقوق الإنسان التي تكون الطبقة السياسية فشلت في حلّها أو الوصول لأي نتيجة بشأنها. وتجدر الإشارة إلى أن جلسة المرافعة قد تناولت ولو عرضاً الدور التغييري للقضاء ومدى استعداده للتجاوب مع مرافعات وتقنيات مماثلة. فممثل النيابة العامة بدا حريصاً على وضع حدود واضحة وصريحة لصلاحية القاضي ودوره بحيث أكد أن "تنفيذ عقوبة الإعدام قرار سياسي وليس على القاضي إلا أن يطبق القانون"[4]، فيما رئيس الغرفة الناظرة في القضية – والذي له فضل في السماح في إدخال تقنية الترجمة - أشار الى أن "هذه القضية أخذت أكتر مما بتستاهل". ومن الطبيعي أن المرافعة سعت الى تظهير دور مختلف للقضاة: فإزاء قول ممثل النيابة العامة أن قرار وقف تنفيذ عقوبة الإعدام منذ عشر سنوات لا يبنى عليه قانوناً لأنه قرار سياسي، أصر SURعلى ضرورة استبعاد العقوبة قضائياً، فـ"ما نريده ليس موقفاً سياسياً، ما نريده هو موقف في القانون". كما أضاف قائلاً أن إلغاء عقوبة الإعدام هو أمر حتمي، داعياً القضاة الى أن يكونوا سباقين  في فرضه.  

مؤتمر صحافي لاحق للمرافعة: أي صلة بالقضية؟
وقد أعقب المرافعة مؤتمر صحافي في كلية الطب في الجامعة اليسوعية تحدث فيه رئيس جمعية عدل ورحمه الأب هادي عيا والمحامي زياد عاشور، فضلاً عن نقيب محامي باريس. وقد حرص هؤلاء على عدم ذكر القضية التي ترافعوا للتو بشأنها، حاصرين مداخلاتهم في إشكالية عقوبة الإعدام. وقد أبرز ذلك أحد عوائق التقاضي الاستراتيجي التي أشرنا اليها في الدراسة المذكورة أعلاه، لجهة عد نقابة المحامين في بيروت أن أي تناول لقضايا ما تزال عالقة أمام القضاء يشكل خروجاً عن أصول المهنة.

بقي أن نشير الى أن موعد صدور الحكم هو في 26 حزيران 2014، موعد لاكتشاف مدى تجاوب القضاء مع هذا النمط الجديد من المرافعة.

  للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا
 
نشر في العدد السابع عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]L. Israël, “Usages Militants Du Droit Dans L’arène Judiciaire: Le Cause Lawyering,” Droit Et Société, no. 3 (2001): 793–824; B. Gaïti and L. Israël, “Sur L’engagement Du Droit Dans La Construction Des Causes,” Politix 16, no. 62 (2003): 17–30.
A. Sarat and S.A. Scheingold, Cause Lawyering: Political Commitments and Professional Responsibilities (Oxford University Press, USA, 1998); A. Sarat and S.A. Scheingold, Cause Lawyering and the State in a Global Era (Oxford University Press, USA, 2001); S.A. Scheingold and A. Sarat, Something to Believe in: Politics, Professionalism, and Cause Lawyering (Stanford Law & Politics, USA, 2004).
[2]لمى كرامة، "قضايا تبحث عن محامين، المحامون المناصرون للقضايا الاجتماعية في لبنان، دراسة أولية لعالم مهني هامشي"، المفكرة القانونية 2014 (التقرير الكامل في طور النشر)
ل. كرامة، "قضايا تبحث عن محامين: المحامون المناصرون للقضايا الاجتماعية في لبنان، بين السلطة والمهنة؟"، المفكرة القانونية (31-7-2013).
[3]علاء مروة، "عقوبة الإعدام، لبنان دخل دائرة دولmoratorium، أي دور للقضاء في ذلك؟ وأي انعكاس لهذا الواقع على أعماله؟"، منشور على موقع المفكرة القانونية في 31-1-2014.
[4]علاء مروة، "مرافعة نموذجية ضد عقوبة الاعدام امام محكمة التمييز"، منشور على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية في 24 أيّار 2014.