5500 حكم قضائي صادر بوجه الدولة لم يصر الى تنفيذها: فالدولة سيدة محصنة لا يجوز تنفيذ الأحكام ضدها جبراً. وقد كشف عن هذا الرقم نواب في الجلسة التشريعية المنعقدة في 22-9-2011، في معرض مناقشة اقتراح قانون يسهل تنفيذ الأحكام الصادرة بوجه الدولة. وبالنظر الى شخصية صاحب الاقتراح (نقولا فتوش)، سرعان ما أخذ النقاش منحى شخصياً على خلفية أن مجلس شورى الدولة كان قد أصدر حكماً  لمصلحة فتوش وأشقائه يقضي بتسديده تعويضاً يناهز الـ200 مليون دولار، من دون أن ينفذ. فبدا إذ ذاك وكأنما اقتراح القانون يهدف ليس الى تحقيق مصلحة عامة، بل فقط لتحقيق مصلحة خاصة بمقدمه.

ورغم المنحى الذي أخذته المناقشات، فإنها شكلت مناسبة لكشف النقاب عن اعتبارات الإدارة التي تستند اليها للامتناع عن تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها، والتي سنسعى الى تفصيلها ومناقشتها أدناه، قبل أن نسعى في وقت لاحق الى استعراض كيفية تعاطي مجلس شورى الدولة مع التنكر لأحكامه.

سياسات عامة مبعثرة واستنسابية
في هذا المجال، نلحظ أن تنفيذ الأحكام القضائية بوجه الدولة قد ارتبط في العقدين الأخيرين بإرادة شخص رئيسها وحسن نيته. ففي شباط من العام 1999، وفي موقف اعتراضي على سياسات حكومات الحريري السابقة، صرح رئيس الحكومة في حينها سليم الحص بوجوب تنفيذ الأحكام القضائية، حيث اعتبر "أن القرارات الصادرة عن مجلس شورى الدولة تكتسب لحظة صدورها الحجة وقوة القضية المقضي بها وهي واجبة التنفيذ فور استكمال مقوّمات التنفيذ". وتنفيذاً لهذا التصريح/التعهد، قام الحص بخطوة سبّاقة من خلال رصد اعتمادات مخصصة لهذه الغاية. وكان النائب نجاح واكيم قد وجه في 1999 سؤالاً الى الحكومة حول تنفيذ قرارات عن مجلس شورى الدولة متعلقة ببلدية شتورة. أما  تعهد حكومة الحريري بتنفيذ الأحكام القضائية والذي فرضه استجواب تقدم به النائب نقولا فتوش الى الحكومة بتاريخ 15-7-2003 حول تمنع الحكومة والوزارات والإدارات العامة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة عن مجلس شورى الدولة، فلم نسجل أي خطوات عملية تذكر من قبل الحكومة.

الحق عند التيسير
خلال مناقشات الجلسة التشريعية تلك، برز سبب رئيسي لامتناع السلطة السياسية للأحكام القضائية، وهو السبب الأكثر استعمالاً عند تنكر السلطة السياسية لحقوق المواطنين. وقوامه المخاطر التي قد يتسبب بها التزام الدولة بتنفيذ الأحكام القضائية على الخزينة العامة، في ظل نقص الموارد المالية. وقد عبّر عن ذلك النائب فؤاد السنيورة ببلاغة متناهية آنذاك من خلال قوله إن "القضية كبيرة جداً وهذا الأمر يجب معالجته بحكمة لأن أي قرار نتخذه يرتّب أعباءً على الخزينة ويفتح لنا باباً"Pandora box" لا نعرف كيف نقفله". وقد أردف بأن إقرار اقتراح قانون النائب فتوش "سيدخلنا الى مكان بحيث لا نعرف الأعباء المالية التي يمكن أن تترتب". وقد دعمه النائب فتفت بهذه النظرية بقوله: "إننا نتكلم عن 5500 حالة (حالة عدم تنفيذ أحكام صادرة عن مجلس شورى الدولة) وهذا يعني أننا نتكلم عن مليارات. فإذا كنا نتحدث عن مليارات فما هي قدرة الخزينة؟ وما هي قدرة مالية الدولة على التحمل؟ فهل هي مستعدة للسير بهذا المشروع؟". وعليه، وبدل أن تولّد ضخامة الرقم سخطاً إزاء التنكر الممنهج لأحكام القضاء، تحوّلت الى حجة يسوقها رافضو التنفيذ بحجة أن تنفيذها يتعدى إمكانات الدولة.  

وفي هذا الصدد، أشار النائب نقولا فتوش الى أنه "تقدم بطلب لتنفيذ الأحكام الى الحكومة برئاسة السنيورة في 2009 فكان الجواب "لا أموال في الدولة". وأجابه السنيورة "أن هذا الموقف اتخذ عن قناعة بما يتعلق بالحفاظ على مصلحة الخزينة ومصلحة الدولة العليا". وبمعزل عن مدى سدادة القرار الصادر عن مجلس شورى الدولة لمصلحة النائب فتوش والظروف التي أدت الى صدوره, فإن السنيورة بدا وكأنه يستغل الرفض العام له كي يبرر لحكومته التنصل من تنفيذ آلاف الأحكام القضائية باسم مصلحة الدولة العليا. ولا نبالغ كثيراً إذا استنتجنا من هذا الموقف أن المصلحة العليا تسمح بتقويض استقلال القضاء كلما أدى هذا الاستقلال الى المسّ بالخزينة العامة. وبذلك، أصبح مفهوم الحق نسبياً وملتبساً، فالحق لا يصبح نافذاً إلا عند التيسير.

السلطة تحتج وتطالب بحق التقاضي على درجتين! وتشكك بأحكام القضاء...
من ناحية أخرى، أثار النائبان سيرج تور سركسيان وغسان مخيبر مسألة عدم توافر حق التقاضي على درجتين أمام مجلس شورى الدولة. وفي هذا الصدد، أشار النائب مخيبر "الى أن هناك حالات عديدة لا تتمكن الدولة فيها من استئناف قرارات لم يجر الدفاع عنها في البداية أو بالدرجة الوحيدة المتاحة، وأنه حصلت ضغوط على القضاة أو أن تستعمل الدولة الكيدية ولا تنفذ القرارات"، مضيفاً أنه "من المؤكد أن هناك حكماً نافذاً مثلما هناك أحكام كثيرة نافذة ولكن ليس من الضرورة أن كل حكم صادر عن القضاء يكون صحيحاً. لهذا السبب، فإن المبدأ العام من مبادئ أصول المحاكمات والذي يخالفه القانون اللبناني، أنه ليس هناك استئناف لقرار مجلس شورى الدولة، وهذا مخالف لمبدأ أساسي من مبادئ أصول المحاكمات، صدر قانون عن هذا المجلس ولم ينفذ. كنا وقتها في لجنة الإدارة والعدل نناقش هذا الأمر وطلبنا من وزارة العدل آنذاك وضع هذا القانون موضع التنفيذ حتى يكون هناك محاكم إدارية على مستوى ابتدائي ويكون لمجلس شورى الدولة المستوى الثاني". وقد بدا النواب وكأنهم يتفهمون تخلف الدولة عن تنفيذ الأحكام لغياب إمكانية الطعن بها، بسبب انعدام حق التقاضي على درجتين. وبالطبع، ربط تنفيذ الأحكام بهذا الحق، على أهميته، يستدعي أسئلة عدة: فهل يبرر غياب حق التقاضي على درجتين للمتقاضين الخاسرين بوجه الدولة الامتناع بدورهم عن تنفيذ الأحكام؟ بالطبع لا، وما يصح عليهم يقتضي أن يصح من باب أولى على الدولة التي تبقى هي المسؤول الأول على وضع هذا الحق موضع التنفيذ. وأهم من ذلك, تجدر الإشارة الى أن قانون تعديل قانون مجلس شورى الدولة الصادر في 2000 نص صراحة على إنشاء محاكم إدارية ابتدائية في المحافظات بهدف توفير حق التقاضي على درجتين أمام القضاء الإداري. إلا أن السلطة التنفيذية لا تزال منذ ذلك الحين متخلفة عن تنفيذه، من دون أن يقوم أي نائب بمساءلتها أو استجوابها بهذا الشأن. وما يزيد هذه الحجة غرابة هو أن النواب لا يجدون حرجاً في التشكيك بمصداقية الأحكام القضائية، من دون أن يترافق ذلك مع أي شعور بالمسؤولية في إصلاح القضاء وخصوصاً أوضاع مجلس شورى الدولة. وبكلام آخر، يبدو النقاش وكأنه يجري على قاعدة: فليبقَ القضاة على حالهم، يحكمون بالعدل أو لا يحكمون، ولنبقَ على حالنا، ننفذ أحكامهم أو لا ننفذ. ولعل خير رد على هذا المنطق جاء على لسان النائب علي عمار بقوله: "لا تلوموا أحداً في ما بعد بمحاكمة كل الأحكام المبرمة الصادرة عن القضاء اللبناني، أبداً لا تلوموا أحد وإلا فسنصبح كما قيل، إنما هلك من كان قبلكم، إذا سرق الشريف كرّمتموه، وإذا سرق الضعيف أقمتم عليه الحد". 

نشر في العدد السابع عشر من مجلة المفكرة القانونية