أرست ممارسات الإدارات المتعاقبة ما يشبه عرفاً تمثل بتقاعسها عن تنفيذ ما يصدر بحقها من قرارات أمام مجلس شورى الدولة. وفي موازاة ذلك، نشهد منذ أربع سنوات ظاهرة معاكسة، أقله ظاهرياً، تتمثل في امتناع الدولة عن تنفيذ قرار صادر لمصلحتها رغم أهميته الفائقة من الناحية المالية. ففي 11-3-2010، أصدر مجلس شورى الدولة قراراً يستحق التوقف عنده، وهو قرار يكاد يروي لنا في مضمونه وفي مآله سيرة "اهتراء الدولة". وقد صدر القرار بناءً على مراجعة تقدمت بها مجموعة "باك" ضد الدولة اللبنانية، طعناً بقرارين، الأول صادر عن مجلس الوزراء في العام 2002 بموضوع العقد الموقع مع "باك". والثاني صادر عن وزير الأشغال العامة والنقل في العام نفسه.
 
قصة اهتراء: الإدارة شريكة بمخالفة القوانين وإخراج عقود على قياس المصالح الخاصة
في خلفيات القضية، تميّز نمط تعاطي المسؤولين عن الدولة اللبنانية بإمعانهم في المخالفات القانونية بغية تفصيل "تخريجة" للشركة المستدعية عن كل مفصل قانوني، تفسح لها المجال للإمساك بمفاصل السوق الحرة في المطار لأطول وقت ممكن، وجني الأرباح الطائلة دون أي حرج. ففي العام 1996 بدايةً، تعاقدت "إيدال" (المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان) مع مجموعة "باك" بهدف إشغال واستثمار مساحات مخصصة للبيع بالمفرّق في مطار بيروت الدولي. وقد حددت مدة الإشغال بـ15 سنة ابتداءً من 1-3-1999 على أن يتم تسليم المساحات قبل هذا التاريخ بستة أشهر على الأقل، كما حدد بدل الإشغال بـ20 مليون دولار عند المصادقة على العقد و18 مليون دولار بتاريخ المباشرة، إضافة الى ذلك، لحظ العقد بنداً تحكيمياً. ولدى تأخر متعهد البناء عن تسليم كامل المساحات المحددة في العقد في الموعد المحدد (أي في 1-9-1998)، أجّل موعد التشغيل الى 25-5-2000. وإزاء هذه المعطيات، وبحجة تلافي تعطيل هذا المرفق، تعاقد مجلس إدارة إيدال مع مجموعة باك لإشغال المساحات المخصصة للسوق الحرة للفترة المرحلية بين 2-3-1999 و25-5-2000، واعتبار العقد المرحلي مع مرفقاته وملاحقه مكملاً للعقد الأساسي، وذلك دون العودة الى الإجراءات القانونية المنظِّمة.

في هذه الأثناء، حصل تغيير في الحكم الوزاري وفي العهد الرئاسي، ووضعت الحكومة الجديدة علامات استفهام على العقد المرحلي، فطلبت الى كل من ديوان المحاسبة وهيئة التشريع والاستشارات التابعة لوزارة العدل إبداء الرأي فيه. فما كان من الجهتين إلا أن اعتبرتا العقد المرحلي كما العقد الأساسي باطلين بطلاناً مطلقاً لمخالفتهما الأحكام والقوانين النافذة، "لا سيما أحكام القرار رقم 144-1925 (الذي يرعى الأملاك العمومية) والقرار رقم 275-1926 (الذي يرعى أملاك الدولة الخصوصية) فضلاً عن بطلان البند التحكيمي الذي تضمنه العقد"[1]، وفق ما جاء في مطالعة هيئة التشريع والاستشارات. وقد أضافت الهيئة أن "إشغال واستثمار الجزء المنجز من المساحات المخصصة للسوق الحرة في المطار خلال ما سُمّي بالمرحلة الانتقالية، يخضع إما لنظام الامتياز الذي يُمنح بقانون وإما لنظام التأجير بالمزاد العلني لمدة 4 سنوات".
وعلى غرار الهيئة، رأى ديوان المحاسبة أن مدة الخمسة عشر عاماً للإشغال الملحوظة في العقد الأساسي "تتعارض والمادة 60 من القرار  رقم 275-1926, المتعلقة بتأجير العقارات الداخلة في أملاك الدولة في المدن والتي حددت مدة تأجير العقارات بعد إعلان عنها لمدة 4 سنوات"[2]. وقد أشار ديوان المحاسبة الى مخالفة أخطر من تلك، بحيث اعتبر "أن قانون إحداث وزارة النقل أناط بها أمر تجهيز وإدارة واستثمار وسائل ومرافق النقل في القطاع العام وتنميتها، الأمر الذي يجعل تكليف المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات الاتفاق مع الغير لإدارة وتشغيل المرافق العامة في مطار بيروت الدولي في غير محله القانوني، ويجعل العقود الموقعة من قبلها مخالفة للقانون"[3].
إزاء هذه الآراء الاستشارية التي وضعت مشروعية العقد وظروف إبرامه برمّتها في دائرة الشك، غضّت الحكومة النظر عن هذه المخالفات وانتقت من الآراء مايناسبها، على نحو جعل تحركها بمثابة خطوة إصلاح "ناقصة".

وعليه، وبعد إبطال العقد المرحلي في 12-5-1999، كلفت الحكومة وزير النقل إجراء مزايدة علنية جديدة لإشغال واستثمار المحال التجارية للسوق الحرة في المطار بغية تأمين الإشغال خلال المرحلة الانتقالية الى حين انتهاء المتعهد من أعمال البناء في المطار، وتالياً تسليم الموقع لمجموعة باك عملاً بعقد 1996. وقد رست المزايدة قي المرحلة الانتقالية على مؤسسة عبد الباسط الخولي.

ولدى انتهاء المرحلة الانتقالية، عرضت وزارة النقل على مجلس الوزراء في 28-6-2000 وضع السوق الحرة في مطار بيروت الدولي، فقرر المجلس إحالة الموضوع إلى لجنة وزارية لدراسته وتقديم الاقتراحات بشأنه. وقد أبدى مجلس شورى الدولة رأيين في هذه القضية[4]، هما بمثابة صيغة ملطّفة لآراء ديوان المحاسبة وهيئة التشريع والاستشارات المشار اليهما أعلاه. فقد اعتبر مجلس الشورى أن العقد موضوع الرأي إداري يتعلق بإشغال ملك عام (السوق الحرة في مطار بيروت الدولي)، وأن العقد نشأ صحيحاً من الناحية القانونية، وأن البند المتعلق بتحديد مدة الإشغال لخمس عشرة سنة يخالف أحكام المادة 60 من القرار رقم 275-1926 ويقتضي تعديله، وأن البند التحكيمي الوارد في العقد باطل ويقتضي بالتالي إلغاؤه وتعديله. وعلى أساس هذين الرأيين بنى مجلس الوزراء قراراً يحمل الرقم 31 تاريخ 13-6-2002. وعملاً بهذا القرار استدعى وزير الأشغال العامة والنقل ( القرار رقم 465-ص تاريخ 28-6-2002) شركة فينيسيا أفرو آسيا وآر رينتا ش.م.ل.(باك) ودعاهــما إلى استلام مواقع العمل في السوق الحرة ومباشرة الاستثمار لمدة أربع سنوات بدلاً من خمس عشرة سنة. وقد تبلغ ووافق السيد زيدان، صاحب الشركة، في 28-6-2002 على الاستلام كما تحفظ لجهة حق الشركة بتحصيل حقوقه قضائياً عند الحاجة. وبعد مفاوضات فاشلة سعت من خلالها "باك" الى اكتساب حق باستثمار السوق الحرة لمدة 15 سنة، وفق ما تبين من خلال وقائع القضية، طعنت الشركة بقراري مجلس الوزراء أمام مجلس شورى الدولة بتاريخ 19-12-2002.

القضاء الإداري يذكّر الدولة بحقوقها... وهي تتمسك بالنسيان
خلص قرار مجلس شورى الدولة الصادر في 11-3-2010 الى أنه "وفي كل حال، يمكن للإدارة تعديل العقد أو تخفيض مدته من طرف واحد حتى يأتي متوافقاً مع الأحكام القانونية التي ترعاه، ما دام هذا الحق هو من حقوق الإدارة، حتى ولو لم يقترن بموافقة المتعاقد معها؛ ويبقى على عاتق هذا الأخير (أي المتعاقد مع الإدارة) التقيد بتنفيذ كامل التزاماته العقدية حتى ولو أدى ذلك الى إلحاق الضرر به، ويمكنه في هذه الحال مداعاة الإدارة بالاستناد الى أسس المسؤولية التعاقدية وذلك أمام القاضي الإداري المختص".

من خلال هذه الفقرة، وضع القاضي الإداري حداً لتمدد المصالح التجارية على الانتظام العام، وكبح جماح هذه الشركة، كما أعاد الاعتبار لحقوق الإدارة وامتيازاتها ملزماً "باك" بالانصياع للقرارات موضوع الطعن.

إلا أن المثير للاستغراب هو تعاطي الحكومة مع الدعوى التي أقامتها "باك"، ومن ثم مع القرار الصادر بنتيجتها. فالدولة التي أصدرت القرارين وقالت "لاءها" الممسوخة لمخالفة القوانين وخفضت العقد لمدة 4 سنوات بدلاً من 15 سنة، عادت في 2006 واستجابت لطلب الجهة المستدعية بتمديد عقدها لأربع سنوات أخرى حتى 2010، رغم تقدم "باك" بدعوى ضدها؟ وهذا التصرف إنما يعكس تصميماً لدى الحكومة في تجديد العقد مع الشركة نفسها مهما يكن حجم الأسباب التي تفرض خلاف ذلك. وما يعزز هذه الفرضية هو إشارة ديوان المحاسبة في رأي صادر عنه الى أنه تبيّن وجود مخالفات جمركية على عاتق شركة زيدان إخوان محققة على السيد محمد زيدان مالك 95% من حصص شركة فينيسيا بشأن استيراد سجائر بطريقة غير قانونية. إلا أنه رغم ذلك، لم تجد الدولة حرجاً في تلزيم الاستثمار لشركة ثبت قيام أكبر مالك حصص فيها بمخالفات بهذا الحجم. وأسوأ من ذلك، هو أن الدولة لم تحرك ساكناً لإخلاء المنطقة الحرة للمطار، على الرغم من انتهاء مفعول العقد منذ 31 آب 2010، الأمر الذي سمح للشركة بأن تتابع نشاطاتها التجارية في المنطقة الحرة للمطار من دون أي عقد، بل خلافاً لقرار مجلس شورى الدولة الصادر في آذار 2010 أي منذ ما يزيد عن أربع سنوات.

وبذلك، بدت الشركة وكأنها حققت عنوة بفعل تقاعس الدولة عن تحصيل حقوقها، ما فشلت في تحقيقه قضائياً، وذلك بفعل شبكة المصالح والعلاقات السياسية المتغلغلة في هذه القضية. وللمفارقة، ارتبط اسم محمد زيدان، المالك الأكبر في شركة باك باسم فؤاد السنيورة[5] وهو صاحب المواقف الداعية لعدم إلزام الدولة بتنفيذ القرارات القضائية الصادرة ضدها حفظاً للخزينة العامة[6]. وبذلك، بعدما بات تنفيذ القرارات الصادرة ضد الدولة وقفاً على التيسير، تظهر حالة المنطقة الحرة أن تنفيذ الأحكام الصادرة لمصلحتها يحصل عند اللزوم. وهذا "اللزوم" تحدده المصالح التجارية والسياسية، حتى ولو تم ضد مصلحة الخزينة العامة.

عند طرح هذه القضية منذ أكثر من سنتين أمام مجلس الوزراء في عهد الرئيس نجيب ميقاتي، استمهل في حينه وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي بحجة تأمين بعض المستندات، ولا تزال الشركة تعمل بلا عقد حتى الآن، الأمر الذي يفوّت على الخزينة العامة، بحسب تقدير الخبراء[7]، أكثر من 40 مليون دولار سنوياً.

نشر في العدد السابع عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]مطالعة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، الرأي رقم 133-99 تاريخ 29-4-1999
[2]رأي ديوان المحاسبة (الرأي رقم 1-98 تاريخ 14-1-1998
[3]مراجعة المرجع السابق
[4]رأيا مجلس شورى الدولة تاريخ 8-2-2001 وتاريخ 2-1-2002
[5]محمد زبيب، محمد زيدان يحتل المطار، جريدة الأخبار, 26-10-2010.
[6]علاء مروة، "5500 حكم في ذمة الدولة، والحجة حفظ المال العام"، المفكرة القانونية، العدد 17، أيار 2014.
 
[7]السوق الحرة بلا عقد منذ أكثر من سنتين، موقع التحري الالكتروني, 16-4-2014