في أحد الأعداد السابقة من المفكرة القانونية[1]،عمدتُ إلى تقديم وصف للتنظيم الحالي لخدمات الصحة النفسية في لبنان،مشددةً على الفجوة الحاصلة بين الخدمات العامة القائمة على المؤسسات والخدمات الخاصة الباهظة الثمن. إلاأن الفراغ التشريعي لافت للنظر في كلا النوعين من الخدمات ويفسح في المجال أمام احتمالات كبيرة لإساءة استعمال السلطة تجاه الأشخاص الذين يعانون من حالات نفسية.
لا بدّ إذاً من تشريعات ترعى الصحة النفسية، و ذلك من أجل حماية حقوق الأشخاص الذين يعانون من حالات نفسية وتعزيزالمساواة في مابينهم في الحصول على الرعاية و الدمج في المجتمع و تنظيم عمليات الاستشفاء الإلزامي و منعانتها كاتحقوق الإنسان والتمييزعلى النحو المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة[2].  وفي هذا السياق، تمّ تقديم مشروع قانون للصحة النفسية إلى البرلمان يخطوة هي الأولى من نوعها نحوتحقيق هذه الأهداف. وبعد الاطلاع على مشروع القانون و أسبابه الموجبة، سأحاول هنا مناقشة مضمونه بإيجاز، مع تبيان نقاط قوته، فضلاً عن تبيان المجالات التي تحتاج إلى التحسين فيما يتصل بحقوق المرضى.

ما الداعي لوجود تشريعات ترعىالصحة النفسية؟ الممارسات الحالية في مجال الطب النفسي و السريريالمعضلات الأخلاقية
التشريع الوحيد في القانون اللبناني الذي يتناول بالتحديد علاج الأشخاص المصابين بأماض وحالات نفسية هو المرسوم الاشتراعي الرقم72 الصادرفي  9/9/1983لرعاية المرضى العقليين وعلاجهم وحمايتهم. وكانت دراسة سابقة قد أجريت في العام2009  من قبل المحاميين نزار ورنا صاغية[3] قد سلّطت الضوءعلى عدم توافق هذا القانون مع المعاييرالدولية. غيرأن وجود هذا المرسوم مجهولا لىحد  كبيرمن قبل الأطباء المتخصصين في الأمراض العقلية والاضطرابات النفسية ومؤسسات الرعاية. و بالإضافة إلى ذلك، يعود القانون الذي يرعى مسألة الإعاقة إلى عهد الاحتلال العثماني و يستخدم مصطلحا تمثل: "المعتوهو "المجنون"  للإشارة إلى الشخص الذي يعاني من حالات نفسية.
لذا، سأناقش ثلاث قضايا رئيسية ناتجة من النقص التشريعي:

قدرة الوصول إلى خدمات رعاية نفسية مجتمعية:
الإمكانية الوحيدة للاستفادة من التغطية الكاملة التيتقدمها حالياً وزارة الصحة العامة هي من خلال الدخول لتلقي العلاج في مستشفيات الطب النفسي، الأمر الذي غالباً ما يؤدي إلى إبقاء الأشخاص الذين يعانون من حالات نفسية مزمنة (مثل الفصام) في مؤسساتا لرعاية. وذلك يعود جزئياً إلى النقص في تقديم الرعاية الصحية النفسية في مراكز الرعاية الصحية الأولية العامة، خاصة في العيادات الخارجية من أجل تلقي العلاج و المتابعة و التأهيل الاجتماعي. و تصور مقاربة الرعاية على هذا الوجه المرض النفسي على أنه غيرقابل للشفاء، ما يتنافى مع إمكانية دمج المصاب به في المجتمع؛وهي مقاربة تستعيد في عمقها أصول العلاج النفسي الذي كان متبعاً في القرن19 و المستوحى من "العلاج الأخلاقي أو المعنوي" الذي أسسه فيليب بينيل.,[4] 
و تشدد التوصيات الدولية المتعلقة بالرعاية على أهمية إعادة التأهيل الاجتماعي في شفاء الأشخاص الذين يعانون من حالات نفسية مزمنة[2]. وتماشياً مع هذه التوصيات، يخطط البرنامج الوطني للصحة النفسية الذي أُطلقته مؤخراً وزارة الصحة العامة لدمج الرعاية الصحية النفسية في الرعاية الصحية الأولية. ومن هنا، يُفترض تدخل المشرع لضمان حقوق المرضى في الحصول مجاناً على هذه الرعاية المجتمعية و المساعدة على تنفيذ هذا المشروع الطويل الأمد.

الاستشفاء والعلاج الإلزامي:
لابد من إعطاء الأفضلية دائماً للعلاج الطوعي الذي يتم في ظلّ أقلّ حد ممكن من التقييد للحرية، مع احترام مبدأ حرية الشخص و استقلاليته[2]. إلا أنه في بعض الحالات النادرة، قد يشكّل للاشخاص الذين يعانون من حالات نفسية خطراً على أنفسهم و على الآخرين بسبب ضعف قدراتهم على اتخاذ القرارات أو منح الموافقة. و هذا يحدث إجمالاً فقط في حالات المرض النفسي الحاد.
و الإشكالية التي نعاني منها هي أنه لا يوجد حالياً أي إجراءات أو معايير قانونية للحد من استخدام و إساءة استخدام حلّا لإدخال الإلزامي؛فيمكن حرمان المريض من حريته بناءً على تقرير طبيب نفسي واحد، وذلك غالباً تلبية لطلب أسرته.
ولإحضار المريض من منزله إلى المستشفى، ثمّة فرق متنقلة، متوافرة على مدارالساعة، ومسجلة كشركات خاصة[5]. تتألف هذه الفرق عادة من ممرّض واحد أواثنين وممرضين مساعدين.
ويتم عادةً إرسال الفريق من قبل الطبيب النفسي، بالتنسيق مع العائلة، للذهاب إلى منزل المريض وإحضاره إلى المستشفى، إذا رفض الذهاب من تلقاء نفسه.
لا شك بأن حالات الطوارئ النفسية موجودة: ففي حالات المرض النفسي الشديد (وغالباً ما يكون تدهور المرض ناجماً عن عدم وجود عيادات خارجية متاحة للمتابعة و إعادة التأهيل)، قديشكّل المرضى خطراً على أنفسهم أو على الآخرين، فيلجأ الأطباء النفسيون إلى الفرق المتنقلة باعتبارها الحل الوحيد للحالات الحرجة فيظلّ غياب أي إجراءات أخرى متبعة.
إلا أنه يسهل الى حد كبير إساءة استخدام هذا الإجراء أو الإفراط في الاستعانة به. فليس هنالك هيئة قضائية مستقلة يمكن للمريض اللجوء اليها لرصد المؤشرات و فترة و استمرارية إقامته في المستشفى و حماية حقوقه. و من شأن ذلك جعل المريض في حالة من التبعية الكلية ليس فقط للطبيب النفسي، و أيضاً  لأفراد أسرته. كما من شأنه أن يمكّن هؤلاء من إدخال المريض قسراً إلى المستشفى كلما شعروا بانتكاس حاله أو لمجرد عدم انصياعه لمعاييرهم الاجتماعية أو السائدة، في حين أن هذا الإجراء يجب أن يكون خاضعاً لرقابة طرف ثالث محايد (القضاء).

احترام حقوق المرضى و كرامتهم
ليس هنالك أي رقابة أو تفتيش فعليين لحماية الحقوق الإنسانية للمرضى في مستشفيات الأمراض النفسية أو وحدات المرضى الداخليين بسبب انعدام وجود هيئة تفتيش مخوّلة فرض عقوبات على تلك المرافق. و استناداً إلى الدراسات الدولية، عدم وجود رقابة على المؤسسات قد يؤدي أحياناً إلى  انتهاك حقوق المريض و كرامته، خاصة فيما يتعلق باستخدام العزل والتقييد الجسدي و العزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة وانتهاك الخصوصية، فضلاًعن العمل بلا أجر مقابل لدى المؤسسة. بالإضافة إلى ذلك، ما من أطر قانونية أو إجراءات موحدة متبعة فيما يتعلق باستخدام العلاج بالصدمات الكهربائية.

استعراض موجز لمشروع قانون الصحة النفسية

يشكّل تقديم مشروع قانون للصحة النفسية إلى البرلمان قفزة نوعية فيظل غياب أي تشريعات فعالة. صاغت مشروعا لقانون هذا منظمة غير حكومية "إدراك" (جمعية مركزالأبحاث و تطويرالعلاج التطبيقي) خلال فترة 2008-2009 بفضل منحة من الاتحاد الأوروبي و بالتنسيق مع مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية و التنمية الإدارية. و قد بقي المشروع منذ ذلك الحين مجهولاً إلى حد كبير من قبل الأطباء النفسيين و عامة الناس، إلا  أن ذلك لم يمنعه من أن يشق طريقه بحيث أُقرّ في مجلس الوزراء الذي أحاله بدوره إلى البرلمان.
و فيما يلي استعراض موجز لمشروع القانون من وجهة نظر طبية، يمكن استخدامه كمقدمة لأي دراسات مستفيضة في المستقبل ترمي إلى التعمّق في تحليل طريقة تعزيزه لحقوق المريض، فضلاً عن النواحي الأخرى التي قد تحتاج إلى تحسين.
من نقاط القوة الأساسية في مشروع القانون:

-  تضمين الأسباب الموجبة لهذا القانون ضرورة الامتثال لحقوق الإنسان و التوصيات الدولية، لاسيما حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.(Convention on the Rights of Persons with Disabilities)

- تأكيد أهمية قدرة الوصول المجانية إلى الرعاية الصحية المجتمعية من خلال لأنشاءعيادات خارجية لإعادة التأهيل النفسي و الاجتماعي من قبل وزارة الصحة العامة و وزارة الشؤون الاجتماعية، ما يؤدي إلى تحويل وجهة الموارد عن مؤسسات الرعاية (المواد 4_5)

-  استحداث لجنة تفتيش طبية تابعة لوزارة الصحة العامة من أجل مراقبة الخدمات الخاصة و المؤسسات العامة فيما يتعلق بحقوق المريض. كما تتولى هذه اللجنة مسؤولية استعراض حالات الاستشفاء الإلزامي و النظر في شكاوى المرضى و أسرهم. (المواد6-8). غير أن مشروع القانون لا ينص على أي عقوبات تُفرض على المؤسسات في حال وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان.

-  النص على شرطين محددين للاستشفاء الإلزامي (القسري): إمكانية تشكيل خطرعلى النفس أو الآخرين و ضرورة الرعاية الفورية و الإشراف الطبي في الحالات التي لايسمح فيها الوضع الطبي للمريض باتخاذ القرارات و إعطاء الموافقة على العلاج (المادة 11)
 
-  وضع إجراءات و معايير محددة للاستشفاء الإلزامي، وذلك بشكل رئيسي من خلال الزام المستشفى،عن طريق لجنتها الأخلاقية، بإبلاغ لجنة التفتيش الطبية التابعة لوزارة الصحة العامةعن عملية الاستشفاء الإلزامي في غضون48  ساعة ورصد مدى ضرورة هذا الاستشفاء (المادة 19)
 
غير أن مشروع القانون يتطلب إعادة النظر و التطوير في العديد من نواحيه، و أهمها:

-  إن تعريف"الشخص المصاب بمرض نفسي أوعقلي" في مشروع القانون مبهم و مفاده أنه "كل شخص مصاب باضطراب مؤقت أو دائم، جزئيأ وكلّي،في القدرات العقليّة أو الشعوريّة أو السلوكيّة(المادة2) و خطورة هذا التعريف تكمن في أنه لا يحدد أن تشخيص المرض العقلي أو النفسي و تقييمه يجب ألا يتم أبداً على أساس صراع مهني أوعائلي أو بناءً على عدم الانصياع للقيم الأخلاقية أو الثقافية أو السياسية. كما أنه لا يحدد المسؤولية القانونية للطبيب النفسي القاضية بوجوب الامتناع عن بناء تقييمه فقط على أساس السيرة الطبية للاضطراب العقلي أو النفسي.

-  إن المادة9  من مشروع القانون تنص على إمكانية إيداع المريض في مؤسسة رعاية إذا كانت الأسرة  "عاجزة مادياً أونفسياً" عن تقديم الرعاية له. وكان أجدى بمشروع القانون أن يقترح تقديما لمساعدة إلى الأسرة لكي تتمكن من رعاية المريض داخل المنزل، إلا أنه لم يفعل. وثمة تشابه صارخ هنا مع دور الأيتام أو مؤسسات الرعاية التي يتم إيداع الأطفال فيها بسبب الفقر و ليس لكونهم يتامى، في ما من الأجدى طبعاً من الناحيتين الاقتصادية و الإنسانية تقديم المساعدة لذويهم[6]. ففيكلتا الحالتين، يتناقض ذلك مع عقود من الأبحاث التي تثبت الضرر الناجم عن عزل الأشخاص عن بيئتهم الطبيعية، ما يحول دون تمكينهم من الاندماج الاجتماعي.

-  في الباب الخامس من مشروع القانون المتعلق بإجراءات الإدخال الإلزامي، لا نجد أي إشارة إلى الآليات التي يمكن اتباعها من أجل احضارالمريض إلى المستشفى و يُتخذ القرار بوجوب استمرارية الاستشفاء الإلزامي من قبل طبيب متخصص واحد داخل المؤسسة، في ما توصي المعايير الدولية بالحصول على تقرير طبيبين مختلفين

-  وفي معرض الحديث عن حقوق المريض داخل المنشأة (المادة 12)، لا يذكر مشروعا لقانون الحق في الحماية من العمل القسري و الاستغلال و الحقفي الكرامة الشخصية و الخصوصية و الحق في التمتع ببيئة آمنة و صحية داخل المستشفى. كما لا نجد أي ذكر لضرورة إبلاغ المريض في أقرب وقت ممكن بعد إدخاله عن مجمل حقوقه، مع شرح هذه الحقوق و كيفية ممارستها

-  في المادة 25 المتعلقة بالعلاج بالصدمات الكهربائية، و على الرغم من أن الحقفي الموافقة المسبقة مذكور بوضوح، إلا أن مشروع القانون لم يتضمن أي توضيحات بشأن إجراءات هذا العلاج التي يجب أن تكون موحدة بين سائر المستشفيات و المنشآت

ضرورة إجراء نقاش علني و إشراك المجتمع المدني

كماسبق بيانه، بقي مشروعا لقانون المتعلق بالصحة النفسية بعيداً عن أنظار العاملين في مجال الصحة النفسية و القوى الاجتماعية كافة منذ عملية صياغته خلالا لفترة2008-2009 .  و هذا يؤدي  إلى استدامة تهميش الأشخاص المصابين بأمراض أو مشاكل نفسية في الخطاب العام؛ فيبقى الوعي الاجتماعي في التعامل معهم على حاله، ما يهدد باستمرار عزلهم في مؤسسات للرعاية كأنهم يشكلون خطراً دائماً على المجتمع و يفرض إبقاءهم بعيداًعن الأنظار (وعن الفكر) وخارج الساحة العامة. و منعاً لهذا الواقع، ثمة ضرورة فيإجراء مناقشة علنية لشروع قانون الصحة النفسية على نحو يطور الوعي الاجتماعي في هذا المجال و يسمح لمجمل المعنيين و المختصين بإبداء ملاحظاتهم بشأنه. فالأبعاد الإنسانية و الاجتماعية لهذا المشروع تمنع التعامل معه على أنه مسألة تخص الخبراء القانونيين وحدهم.
و ختاماً، تجدر الإشارة الى أن بإمكان مشروع القانون في حال اقراره المس بمصالح معينة، الأمر الذي قد يؤدي إلى مقاومة تطبيقه من قبل الجهات الدينية أو المهنية أو السياسية المختلفة المعنية بالنظام الحالي. ومن هنا، تكمن الضمانة الأهم لأي إصلاح في تعزيزالوعي الاجتماعي لأهمية وجود قانون للصحة العقلية و النفسية و للعقبات المحتملة أمام تطبيقه مع إشراك سائر الجهاتا لفاعلة المعنية به. كما أن من شأن ذلك، و هذا هو الأهم، إفساح المجال اخيراً لسماع أصواتا لأشخاص المهمّشين عن المجتمع منذ وقت طويل و الإمعان في مطالبهم و حاجاتهم و هواجسهم إزاء ما تعرضوا أو قد يتعرضون له.

نشر المقال في العدد السابع عشر من المفكرة القانونية


المراجع:

[1] كرباج هـ . (2013)
Kerbage H. (2013) Organisation et pratique des soins en santé mentale au Liban: Dilemmes et contradictions. Legal Agenda English website.

[2] قرارالجمعية العامة للأمم المتحدة رقم62/170. (2007) الاتفاقية بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

[3] صاغية ن،صاغية ر. (2009) الصحة النفسية في النظام القانوني اللبناني: دراسة في التشريعات و السياسات و آثارها على الأطفال و الشباب. ورشة الموارد العربية. منشور على موقع:"www.mawared.org.

[4] فوكوم . (1972)
Foucault M. (1972) Naissance de l’asile. In : Histoire de la folie à l’age classique. Paris, Editions Gallimard.
 
[5] يُرجىمراجعة الرابط " https://www.facebook.com/psycare.lebanon.  
 
 
[6] علوه س. (2014) الدولة تسلخ الطفل عن أسرته لرعايته: مؤسسات طائفية خارج التصنيف ولا سياسة رعائية، منشور في المفكرة القانونية، عدد 14، شباط 2014.