في قراره الصادر في 2-12-2011، رخص قاضي الامور المستعجلة في بعبدا حسن حمدان للطيارين الدخول الى مقر نقابتهم الكائن داخل حرم مبنى شركة طيران الشرق الأوسط. وكانت الشركة قد قررت منع هؤلاء من الدخول الى مبنى الشركة، وذلك على خلفية الاضراب الذي قررته نقابة الطيارين اللبنانيين التي ينتسبن اليها.
وقد بررت المحكمة قرارها بان "مسعى المستدعين يهدف في مقام اول، الى ممارسة حريتهم النقابية امتدادا لحقهم في التجمع وفاقا لأحكام الدستور والاتفاقيات الدولية وقانون العمل اللبناني، فالحرية النقابية وثيقة الصلة بالحق في العمل ولا وجه للإفتئات عليها تحت اية حجة كانت الا ما نص عليه القانون حصرا وفي حدوده".
وهكذا، بعدما عد القاضي حق الدخول الى مقر النقابة جزءا من الحرية النقابية، صنف هذه الحرية ضمن حريات التجمع المحمية في المادة 13 من الدستور وفي المواثيق الدولية، فضلا عن كونها جزءا لا يتجزأ من حق العمل المكرس في هذه المواثيق. وبهذا الاجتهاد، يكون القاضي قد تجاوز صمت المشرع، وتحديدا صمت قانون العمل الناظم للنقابات، في خصوص وضعية المقرات التابعة لها، في اتجاه اقامة القانون اللبناني مع  توصيات منظمة العمل الدولية وتوجهات القانون المقارن.
 وبالفعل، وبحسب منظمة العمل الدولية، ان حق المنظمات المهنية في عقد اجتماع داخل مقراتهن للبحث في امور مهنية، من دون موافقة مسبقة او تدخل من السلطات المعنية، انما هو عنصر اساسي لحرية التجمع؛ وان على السلطات الاّ تتدخل على شكل يعيق او يحد من ممارسة هذا الحق[1]. بالاضافة الى ذلك، فان الاجراءات التي بامكان السلطات اتخاذها ردا على اضراب لا تشمل بحال من الاحوال اي اجراء من شأنه ان يعيق الاجتماعات النقابية[2].
اما في القانون العمل الفرنسي، فتنص المواد L. 2142-8وL. 2142-9على وجوب اتخاذ النقابة بمقرا لها داخل المؤسسة، في غياب اي اتفاق مخالف بين المنظمات النقابية. وقد ذهب الاجتهاد الفرنسي ابعد من ذلك، مانعا صاحب العمل الدخول الى مقر النقابة من دون موافقة مسبقة من اعضائها او الدخول اليه من دون معرفتهم[3]. وفي قضية حديثة اخذت حيزا من الاهتمام الاعلامي،قررت شركة الخطوط الجوية الفرنسية (Air France) نقل مقر نقابي من مكان تذرعت بحاجتها اليه علل الى مساحة في موقف للسيارات مواز لمبنى ادارة الشركة، وعلى شكل يتيح لاي كان من الادارة الاطلاع على تنقلات اعضاء النقابة. وقد نظرت محكمة التمييز الفرنسية في القضية بتاريخ 13-1-2010[4]، فرأت ان مراقبة تنقلات المنتسبين الى النقابة من مكان العمل الى المساحة المخصصة للنقابة انما تشكل مسا بالحرية النقابية ومخالفة للحق في الانتساب الى نقابة. من ناحية اخرى، رأت المحكمة ان نقل، صاحب العمل، مقر نقابة من دون موافقة قضائية مسبقة وبالرغم من اعتراض المنظمة النقابية المعنية، انما هو مساس للحرية النقابية. فالبحث في نية المشترع يظهر انه اراد تعزيز التفاهم بين صاحب العمل والمنظمات النقابية في ما يخص اجراءات ممارسة العمل النقابي داخل المؤسسة. وقد اعتبر الاجتهاد الفرنسي ان فرض ادارة الشركة قراراتها على المنظمات النقابية يشكل تعسفا في استعمال السلطة[5]. فالغاية من التفاهم هي التوفيق بين استقلالية النقابات وسلطة صاحب العمل[6].
 وهكذا، ومن خلال هذا القرار، يقدم القضاء مؤشرا اضافيا على دوره الاساسي ظل تجمّد العمل التشريعي، بحيث تنتقل مساحة الممارسة الديمقراطية من مسرح المجلس النيابي الى مسرح القضاء الذي يتحول اذ ذاكالى منبر اساسي لمناقشة القضايا العامة.
 
نشر هذا المقال في العدد الثالث من مجلة المفكرة القانونية.


[1] §130, Digest of decisions and principles of the Freedom of Association Committee of the Governing Body of the ILO, fifth edition, 2006.
[2] §131, Digest of decisions and principles of the Freedom of Association Committee of the Governing Body of the ILO, fifth edition, 2006.
[3]TGI Limoges, 25 juin 1980, Dr. ouvrier 1981. 74, note M. Petit.
[4]Cour de cassation - Chambre sociale - 13 janvier 2010 - Bulletin 2010, V, n° 11. 
[5]Cour de cassation, 24 février 1977, Bull. crim. n°80.
[6]M. GRÉVY, SYNDICATS PROFESSIONNELS (I - DROIT SYNDICAL DANS L'ENTREPRISE), Rép. trav. Dalloz, oct 2010.