أدت جريمة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري الى إحداث انقسام بين قوى لبنانية فاعلة حول إقامة محكمة دولية خاصة بلبنان. والحجة الرئيسية للقوة المؤيدة للمحكمة، وفي مقدمها ما يسمى تيار 14 آذار، أنها تشكل ضرورة لمكافحة الإفلات من العقاب وتالياً لوقف عجلة القتل التي رأت أنها تستهدفها ومعها الديمقراطية في لبنان. أما القوة المعارضة للمحكمة، وفي مقدمها ما يسمى تيار 8 آذار، فقد أبدت في فترة أولى تجاوباً مع مبدأ المحكمة مع تحفظها على بعض التفاصيل، وانتهت بعد وقت قليل الى عدّها سلاحاً سياسياً موجهاً ضدها وضد سيادة لبنان. وبالطبع، زادت تحفظات هذا الفريق بعد مباشرة دعويي تحقير المحكمة ضد جريدة الأخبار وتلفزيون الجديد في نيسان 2014. ولكن، بقي كلا الفريقين عاجزاً عن تقديم إجابات منطقية متسقة عن الإشكالية التي طرحتها هذه الجرائم في الخطاب العام اللبناني. فخطاب الفريق الأول بقي خالياً من أي إيضاحات عن كيفية استثمار عمل المحكمة لوضع حد للإفلات من العقاب، فيما خطاب الفريق الثاني بقي خالياً من أي حلول بديلة من المحكمة الدولية من شأنها ضمان إحقاق العدل. والمشترك بينهما في هذا المجال هو خلو خطابهما من أي مشروع عملي لتعزيز استقلال القضاء ومنعته وكفاءته. وهذا ما سنحاول تبيانه في هذا المقال.

المحكمة الدولية: استثناء أم إيذان ببدء مكافحة الإفلات من العقاب؟
الذين يؤيدون المحكمة يرون أنها تشكل، بما لها من سلطة وقوة، انعطافة هامة في المنظومة اللبنانية في اتجاه وقف الإفلات من العقاب. والواقع أنه بمعزل عن الخلفية السياسية التي تقود عمل هذه المحكمة، فإن هذا الخطاب يصطدم باعتراضات ثلاثة أساسية:

الأول، أن الجريمة الأساسية التي يتمحور حولها نشاط المحكمة هي جريمة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري والجرائم المرتبطة بها. ومن دون التقليل من أهمية هذه الجريمة وأثرها، إلا أن تمييزها عن سائر الجرائم المرتكبة في لبنان في فترات متزامنة أو لاحقة وبعضها جرائم تزيدها خطورة من منظور القانون الدولي، يطرح أسئلة مشروعة حول طابعها التمييزي وتالياً حول المنظومة القيمية التي تستند اليها. واللافت أن إيلاء اهتمام دولي خاص للجريمة المرتكبة ضد زعيم لبناني الى حد اجتراح سابقة عالمية، إنما يلتقي في عمقه مع قانون العفو 1991 الذي أعفى جميع الجرائم السياسية، بما فيها الجرائم ضد الإنسانية، مستثنياً جرائم الاغتيال المرتكبة ضد القادة السياسيين أو الدينيين أو الجرائم المحالة الى المجلس العدلي التي هي في معظمها جرائم اغتيال ضد قادة. ومن هذه الزاوية، آلت المحكمة كما قانون العفو الى الإعلاء من شأن زعماء لبنان وتمييزهم عن سائر المواطنين. وكلا الأمرين يؤدي عملياً الى  إرساء نظام كاريسماتي (وبعبارة شعبية نظام الزعماء) وتعزيز مشروعيته،  علماً أن هذا النظام، بما يولّده من حصانات فعلية، هو في واقعه ونتائجه المصدر والسبب الرئيسي للإفلات من العقاب. وللتأكد من ذلك، يكفي إجراء مراجعة سريعة للتاريخ الجرمي لقيادات لبنانية أساسية، فضلاً عن منسوبي الاعتداء المستمر على الملك العام والفساد في إدارة الشؤون العامة الحاصلين تحت إشراف هذه القيادات وبحمايتها، والتي لا مجال للتوسع بشأنها في هذا المجال. 
وبهذا المعنى، يصبح الإفلات من العقاب المقصود هو الإفلات من العقاب في حال اغتيال الزعماء وحدهم، حتى ولو أدى الى تعميم الإفلات من العقاب بالنسبة للجرائم المرتكبة من هؤلاء الزعماء أو في حمايتهم.

الثاني، أنه من التعمية بمكان القول إن المحكمة تشكل محاولة أولى لوضع حدّ للإفلات من العقاب بعدما بقيت الجرائم الحاصلة سابقاً كلها خارج إطار الملاحقة. فكيف نسمي إذاً المحاكمات في قضية اغتيال الزعيم داني شمعون وعائلته أو أيضاً في قضية رئيس الوزراء الأسبق رشيد كرامي وهي محاكمات جرت بخصوص جرائم مستثناة من قانون العفو؟ أوَلم يصدر المجلس العدلي آنذاك أحكاماً بالمؤبد ضد السيد سمير جعجع ورفاقه؟ بالطبع، هذه المحاكمات كانت انتقائية. ولكن المحكمة الخاصة هي أيضاً كذلك بإقرار القاضي الراحل أنطونيو كاسيزي الذي كان يرأسها، والذي تعهد رغم ذلك بضمان شروط المحاكمة العادلة أمامها. وفي حال استصراح رئيس المجلس العدلي آنذاك القاضي فيليب خيرالله، يتوقع أن يقول الشيء نفسه بشأن محاكمات جعجع أمامه: انتقائية ولكن عادلة. وتالياً، يظهر عدم الاتساق في خطاب القوى المؤيدة للمحكمة الخاصة واضحاً جداً. ففي موازاة الإعلان عن طموحها بمكافحة جرائم اغتيال السياسيين، فإن هذه القوى لم تجد حرجاً في نسف كل ما كان القضاء اللبناني قد أنجزه في هذا المجال مع إقرار قانون عفو عام تمييزي عن جعجع ورفاقه. والمقارنة في هذا المجال لا تفيد فقط لتقييم خطاب هذا الفريق، إنما تفيد في وجه خاص في الإضاءة على الانعكاسات السلبية التي قد تتأتى عن عمل المحكمة الخاصة على صعيد النظام السياسي اللبناني، تجنباً لتكرار الأخطاء نفسها. فهل من حاجة للتّذكير بأن الخطاب المدافع عن السيد جعجع نجح في فرض محاكمته في الخطاب العام على أنها محاكمة سياسية، محاكمة المنتصر للمهزوم، في موازاة إفراغها من أي بعد حقوقي أو قيمي؟ وعليه، وفيما بقيت جرائم قتل زوجة داني شمعون وطفليه البالغين 3 و5 سنوات عمداً بما فيها من بشاعة، على هامش الخطاب العام، تدرّج خطاب الدفاع عن السيد جعجع من خطاب ضد انتقائية ملاحقته الى خطاب بإعلان براءته لينتهي مع قرب العفو عنه في 2005 الى خطاب تمجيدي. وقد تكلل هذا الخطاب بتطوع 48 نائباً جلهم من الفريق المؤيد للمحكمة لمنحه أصواتهم في الجلسة المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية في أيار 2014. ولعل العامل الرئيسي في سواد خطاب من هذا النوع، هو موقف القوى الفاعلة المؤيدة لمحاكمات جعجع آنذاك في ظل الوصاية السورية والتي تعاملت مع الانتقائية على أنها إثبات لقوتها وقدرتها على تطويع كل من يعصيَها أو يقف في طريقها، بمنأى عن أي تفكير جدي بشأن ضحايا الحرب أو استقلال القضاء أو مكافحة الإفلات من العقاب. وعليه، وإن نجحت محاكمات جعجع في منع الإفلات من العقاب في جرائم محددة، فإن الخطاب الذي رافقها أدى عملياً الى تلميع هالة الزعماء من الجانبين، من هم داخل الحبس ومن هم خارجه، ومعه النظام الكاريسمي، الذي هو المصدر الرئيسي للإفلات من العقاب، كما تقدم ذكره.
ومن المؤسف أن يكون موقف الفريق المؤيد للمحكمة الخاصة مشابهاً الى حد ما لموقف قوى الوصاية السورية، أقله لجهة التركيز على الأبعاد السياسية لمحاكمة الحريري ومواصلة التعامل معها على أنها محاكمة استثنائية منعزلة عن مجمل المنظومة القضائية مع تفريغها من أبعادها الحقوقية تفريغاً شبه كامل.

أما الاعتراض الثالث والأهم، فمفاده خلوّ برامج مجمل القوى السياسية، المؤيدة كما المعارضة للمحكمة الخاصة، من أي مشروع إصلاحي للقضاء، علماً أن الضمانة الأساسية في مكافحة الإفلات من العقاب تتمثل في تقوية القضاء اللبناني وتعزيز استقلاليته. وللتأكد من ذلك، يكفي النظر الى الكلفة الباهظة للمحكمة الخاصة بلبنان والتي باتت موازنتها تقارب ضعفي موازنة القضاء اللبناني برمّته، رغم اشتغالها على قضية واحدة، هي قضية اغتيال الحريري. فبمعزل عن الجدل بشأن هذه الكلفة، فإنه من المسلّم به أن ثمة استحالة في الاعتماد على هذه الوسيلة كأداة لمكافحة أي من الجرائم المستقبلية. لا بل تكاد هذه الكلفة الباهظة تشكل حائلاً حقيقياً أمام انطلاق المحاكمات في الجرائم التي أُعلن ارتباطها بمحكمة الحريري، وهي جرائم اغتيال جورج حاوي، ومحاولتا اغتيال مروان حمادة والياس المر. وهي تبدو اليوم، بعدما نُزعت يد القضاء اللبناني عنها، بانتظار فرصتها التي قد لا تأتي. 
 
أي استقلال للقضاء؟
أما خطاب السيادة، فمعضلته الأساسية هي نفسها معضلة الخطاب المؤيد للمحكمة، وهي انخراطه أولاً في نظام الزعامات بما يشجع نظام الإفلات من العقاب، وخلوّه ثانياً من أي سعي الى طرح القضاء اللبناني بديلاً من المحكمة الدولية أو كضمانة وطنية لإحقاق العدل. وإذا ذهبنا في سياق هذا المنطق، نصبح أمام معضلة حقيقية: فما عسى هذا الفريق يقول لمن يخشى تفاقم منهجية القتل، من أي جهة أتت؟ هل عليه أن ينسى حماية القانون وأن يجد بحثاً عن حماية إحدى القوى السياسية؟ ألا يؤدي ذلك عملياً الى تخلي الفرد عن حريته وبالنتيجة الى تخلي المجتمع عن سيادته لمصلحة قوى تفرض عليه خيارات معينة لقاء الحماية التي تمنحها له؟ وإذا كان خطاب الطرف المؤيد للمحكمة يفقد الكثير من مصداقيته عند إثبات تعامله مع قضية الحريري على أنها قضية استثنائية منعزلة، فإن خطاب الطرف المعارض للمحكمة يفقد القدر نفسه من المصداقية تبعاً لخلوّه من أي طرح لمحاكمة بديلة. لا بل إن الفريقين يتساويان سلبياً من خلال جعل القضاء جزءاً من صراعهم بدل تحييده عنه ليكون ضمانة للجميع، وبتعبير آخر من خلال جعل القضاء امتدادا للنظام السياسي، نظام الزعماء الكاريسماتي، بدلا أن يكون ضابطا له.
ومن المفيد في هذا المحل التذكير بمحطات أساسية منذ 2005، ولا سيما أن وزراء عدل من توجهات سياسية مختلفة قد تعاقبوا خلال هذه الفترة. وأبرز هذه المحطات الآتية:

1-  المجلس الدستوري: أن فريق 14 آذار سارع في 2005 الى إصدار قانون بمنع المجلس الدستوري القيام بأي قرار على خلفية أنه تم تعيين أعضائه في ظل الوصاية السورية وعاد وألحقه في 2006 بقانون لإنهاء وظائف هؤلاء بما يشبه التطهير. ولم تستقم الأمور إلا بعد اتفاق الدوحة، حيث عُيّن أعضاء المجلس الدستوري بما يشبه المحاصصة من دون اعتراض أي من أعضاء المجلس المعينين على وصفه كمحسوب على هذا الفريق أو ذاك. وما عدا بعض القرارات الصادرة في قوانين هامشية، فإن المجلس الدستوري قد برز في هذه الفترة على أنه امتداد للنظام التوافقي بدل أن يكون ضابطاً له. ولا نبالغ إذا قلنا إن السمة الرئيسة للهيئة الجديدة للمجلس هي الاستنكاف عن إحقاق الحق، والذي بلغ أوجه مع استخدام بعض أعضائه لآلية سياسية هي تعطيل النصاب تلبية لمطالب مرجعياتهم السياسية، مما أدى الى تمرير قانون تمديد ولاية أعضاء المجلس النيابي[1].   
 
2-  المحاكم الاستثنائية: هنا، نلحظ أن كلا الفريقين أبدى رغبة عميقة في إبقاء المحاكم الاستثنائية على حالها. وعليه، وباستثناء اقتراح قانون مقدم لتضييق صلاحيات المحكمة العسكرية من قبل نواب في كتلة القوات اللبنانية، فإن هذه المحاكم بقيت في منأى عن أي نقد بعد ذلك التاريخ. وعليه، ذهب مقترح القانون لتعديل قانون المحكمة العسكرية والذي أعدته لجنة معينة من وزارة العدل بعضوية رئيس مجلس القضاء الأعلى الى توسيع صلاحية هذه المحاكم، على نحو يناقض الاتجاه العالمي في هذا المضمار[2]. ويذكر أن الصوت الوحيد الذي علا للاعتراض بقوة على المحكمة العسكرية خلال فترة 2005-2014 كان صوت الناشط "نور مرعب" الذي رفض الإذعان لهذه المحكمة أو المثول أمامها، رفضاً لما تمثله. ومن المعبّر جدا في هذا السياق أن مرعب وضع حدا لحياته اثباتا لحريته[3]. وحتى المجلس العدلي، الذي كان أثناء محاكمة جعجع ورفاقه رمزاً للقضاء الكيدي، فقد أصبح بعد 2005 قبلة للضحايا، يطلبون إحالة قضاياهم اليه تعبيراً عن أهميتها وسط تجاوب واسع من الحكومات المتعاقبة[4].

3-القضاء العدلي: وضع القضاء العدلي لم يحظ بعناية أفضل على صعيد استقلال القضاء ومبادئ المحاكمة العادلة. بل أن القوى السياسية الفاعلة بدت متفقة على إبقاء القضاء خاضعا للتنظيم الهرمي، على نحو يسهل هيمنتها عليه. وقد بدا ذلك واضحا من اعمال المحاصصة في تعيينات أعضاء مجلس القضاء الأعلى على نحو يضمن تمثيل القوى السياسية بشكل أو بآخر داخله مما يجعل هذا المجلس بمثابة ذراع لهذه القوى داخل القضاء خلافا لمبدأ وجوده الذي هو ضمان استقلالية القضاء ازاء هذه القوى بالذات. وقد تجلى التمسك بهذه المحاصصة في الاختلاف المتمادي على تعيين أعضاء جدد لمجلس القضاء الأعلى بين 2006 و2008 مما أدى الى تعطيل مشروع التعيينات والمناقلات القضائية لسنوات عدة، مع ما استتبع ذلك من هدر لطاقات أكثر من مائة قاضيا تخرجوا من المعهد وانتظروا سنوات عدة قبل تعيينهم في مناصب قضائية. وقد عاد تأخير تعيين القضاة الأصيلين ليحصل في 2013 حيث تعين على 46 قاضيا ان ينتظروا أكثر من عام قبل اعتلائهم منصة القضاء.

وقد سجل خلال هذه الفترة اتجاه نحو ابراز صلاحيات مجلس القضاء الأعلى، على نحو أدى الى احكام الهرمية وتاليا قدرة المجلس في التأثير على القضاء. وهذا ما تجلى مع قيام مجلس القضاء الأعلى في تشرين الأول 2013 للمرة الأولى في تاريخه بتطبيق المادة 95 من قانون تنظيم القضاء العدلي التي تخوّله عزل قاض من دون محاكمة بقرار يصدر بغالبية ثمانية من أعضائه. كما تجلى مع انشاء أمانة سر المجلس في نيسان 2014[5] والتي أنيط بها وضع تقارير دورية (كل ستة أشهر) عن القضاء من دون تضمين مرسوم انشائها أي ضمانات للقضاة إزاء هذا التقييم أو حقوق من جراء تقييمهم. وبشكل عام، أمكن القول أن الخطاب الطاغي بشأن القضاء في هذه الفترة قد تمثل في تغليب خطاب محاسبة القضاء على أي بند إصلاحي آخر، على نحو يصور مشاكل القضاء على أنها مشاكل سلوكيات فردية وأنه على الهيئات القضائية العليا، بما تمثله من مصالح سياسية، أن تتحرك من خلال تفعيل إجراءات المحاسبة والتقييم. من هذه الزاوية، قد لا نبالغ اذا قلنا أن الخطر الناتج عن فصل خطاب المحاسبة عن خطاب الاستقلالية في الظروف الحاضرة بما فيها من محسوبية وانتقائية، قد يكون أكبر من المنفعة المنتظرة منه، لاحتمال أن يؤدي الى صناعة هشاشة القضاة واللامساواة فيما بينهم واستتباعهم أكثر مما يؤدي الى اصلاح أحوالهم. 

وفي الاتجاه نفسه، وفيما عدا محاولة خجولة من وزير العدل السابق شكيب قرطباوي أعلن عنها في أيار 2012 وبقيت على عتبة مجلس الوزراء ولم تحظ بأي نقاش عام، سجل غياب كامل لأي سعي الى تعزيز ضمانات استقلال القضاء أو التخفيف من الهرمية في تنظيمه. فلم يحصل أي تقدم ولو في الخطاب الرسمي بخصوص مبدأي انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى أو عدم جواز نقل القاضي الا برضاه أو بخصوص حريتي التعبير والتجمع للقضاة. والجدير بالذكر أن الاستقلالية المالية للقضاة نفسها، والتي عرفت تقدما نسبيا في نهاية 2011 تحت تهديد اغراء دول الخليج لتوظيفهم، تشهد اليوم تململا متزايدا من قبل القوى الفاعلة التي تبدو عاجزة عن مضغها. وهذا ما عبّر عنه عدد من النواب خلال المناقشات النيابية الحاصلة في نيسان وأيار 2014 بشأن سلسلة الرتب والرواتب الذين أجمعوا على الطعن في إنتاجية القضاة وعدم تناسبها مع زيادة رواتبهم. وقد بلغت هذه التصريحات حدها الأقصى مع مطالبة رئيس أكبر كتلة مؤيدة للمحكمة الخاصة بلبنان (كتلة المستقبل) فؤاد السنيورة بإعادة النظر فيها بعدما يزيد على سنتين من إقرارها، على خلفية أنها كانت متسرعة وغير مدروسة. هذا فضلا عن تأييد عدد من النواب لالغاء التقديمات الاجتماعية والصحية لصندوق تعاضد القضاة.
 
4-  القضاء الإداري: هنا أيضا، وبغياب أي خطاب لتحصين استقلال القضاة الإداريين، نلحظ أن أياً من وزراء العدل لم يبذل جهداً في اتجاه تنفيذ قانون أيار 2000 لجهة تأسيس محاكم إدارية ابتدائية، على نحو يخفف من حدة مركزية القرار ويضمن للمتقاضين حق التقاضي على درجتين (أي حق استئناف الأحكام). وأهم من ذلك، نلحظ أن الحكومة التي كان يترأسها السيد فؤاد السنيورة، أعلنت بالفم الملآن رفضها تنفيذ آلاف الأحكام الصادرة عن المجلس، حرصاً على خزينة الدولة، وبما يتعارض تماماً مع استقلالية القضاء[6].
 
كخلاصة، أمكن القول أنه بمعزل عن مواقف القوى السياسية بشأن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فانها اتفقت عموما على إبقاء سطوتها قائمة على القضاء، من خلال المحاكم الاستثنائية ومن خلال المحاصصة في المجلس الدستوري والمجالس الناظمة للقضاء. وبذلك، بدا مطلب الفريق المؤيد للمحكمة الدولية وكأنه مطلب استثنائي يقتصر على قضية الحريري دون سواها، فيما بدا اعتراض الفريق المعارض للمحكمة الدولية وكأنه اعتراض على العدالة بحد ذاتها، بعدما أدى التنازع بينهما حول هذه المسألة الى تعريتهما معا. حان للفئات الاجتماعية أن تعي هذا العريّ.

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا
   
نشر في العدد الثامن عشر من مجلة المفكرة القانونية

[1]"حين أصبحت سمته الاستنكاف عن احقاق الحق"، منشور في المفكرة القانونية، العدد 18، حزيران 2014.
[2]المفكرة القانونية، العدد رقم 15، آذار 2014.
[3]بيسان طي، نور مرعب في معركته الأخيرة: تمرد ضد المحكمة العسكرية في القضية رقم 2769، المفكرة القانونية، العدد 6، تشرين الأول 2012.
[4]علاء مروة، المجلس العدلي، محكمة أم وسام مجاملة للضحايا؟حنين الى مناقشات 1946، منشور في المفكرة القانونية، العدد 18، حزيران 2014.
[5] نزار صاغية، انشاء أمانة سر للقضاء الأعلى: ماذا بشأن الاستقلالية الداخلية للقضاء؟ المفكرة القانونية، العدد 18، حزيران 2014.
[6]علاء مروة، 5500 حكم في ذمّة الدولة، والحجّة حفظ المال العام، منشور في المفكرة القانونية، العدد 17، أيار 2014.