"إحالة القضية الى المجلس العدلي" عبارة باتت تعقب كل جريمة كبيرة وكأنما هذا المجلس (وهو من دون ريب محكمة استثنائية) بات محكمة عادية لكل جريمة تخرج ولو قليلاً عن العادة. ومن المعلوم أن للحكومة سلطة استنسابية واسعة بإحالة أي جريمة تمس بالأمن الداخلي والسلم الأهلي الى هذا المجلس الذي يشكل في تكوينه واختصاصه وأصول العمل لديه محكمة استثنائية بامتياز. وعليه، وفيما شهد العقدان الماضيان قبل 2005 انتقادات عدة لهذا المجلس على خلفية رفض المحاكم الاستثنائية، تواترت منذ 2005 القرارات الحكومية بإحالة الجرائم الكبرى اليه، من جريمة اغتيال رفيق الحريري والاغتيالات السياسية التي أعقبتها وصولاً الى التفجيرات الإرهابية الأخيرة وسط قبول اجتماعي واسع[1]. ولا نبالغ إذا قلنا إنه أصبح لقرارات الحكومة تلك رمزية تعبر عن اعتراف الحكومة بأهمية الجريمة بل أحياناً بالاعتبار الذي تكنّه الحكومة للضحية، بمعزل عن أي تقييم جدي لمدى ملاءمة هذه الإحالات أو عدالتها أو فعاليتها. ونحن نسعى من خلال هذا المقال الى إعادة الإضاءة على ما يبقى مغيباً عن الخطاب العام كي لا يصبح الاستثناء جزءاً ملازماً للواقع.

محكمة استثنائية، محكمة تمييزية
في تقريرها الصادر في تشرين الثاني من العام 2004 تحت عنوان: "سمير جعجع وجرجس الخوري: تعذيب ومحاكمة جائرة"، أوردت منظمة العفو الدولية ملخصاً معبراً عن المجلس العدلي جاء فيه أنه: "محكمة خاصة تُحال اليها القضايا بناءً على تقديرات مجلس الوزراء بمقتضى تزكية من وزير العدل وليس كنتيجة لإجراءات قضائية عادية (...) هذا الواقع يخلق بواعث قلق لدى المنظمة بشأن إجراءات المجلس العدلي التي لا تتماشى مع معايير المحاكمات العادلة (...) وتتسم الطريقة التي تحال بها القضايا على هذه المحكمة بالانتقائية وربما تقوم الطريقة التي تنظر فيها هذه القضايا على اعتبارات سياسية وليس بحسب أهليتها القانونية". وهذا ما نتبيّنه بوضوح من خلال التدقيق بشأن القضايا المحالة اليه، والتي غالباً ما تشمل الجرائم الأكثر خطورة، ليس من منظار حقوقي، بل من منظار سياسي قبل كل شيء، كأن تتم إحالة الجرائم المرتكبة ضد زعماء سياسيين الى المجلس العدلي على اعتبار أنها خطيرة، وذلك بخلاف جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. وخير دليل على ذلك هو إحالة مقتل رئيس الجمهورية السابق بشير الجميل الى المجلس العدلي من دون أي التفاتة لمجازر صبرا وشاتيلا الحاصلة بعد يوم واحد. وبهذا المعنى، تظهر صلاحية المجلس على أنها صلاحية استثنائية تمييزية، تعكس في شق منها سياسة خاصة للدولة في تحديد القيم والمصالح الجديرة بالحماية، على نحو يخص أكابر القوم بمكرمة إحالة قضاياهم الى محاكم خاصة عليا. ومن هذه الزاوية، نفهم منطق قانون العفو 1992 الذي استثنى الجرائم المحالة الى المجلس العدلي في موازاة استثناء جرائم اغتيال القادة السياسيين والدينيين التي تشكل بالواقع معظم الجرائم المحالة الى المجلس العدلي. واللافت أن مطلب إحالة الجريمة الى المجلس العدلي يستمر[2] على الرغم من العجز الكامل في استكمال التحقيقات في الغالبية الكبرى للجرائم المحالة اليه[3].

ولا يتوقف تدخل السلطة التنفيذية عند حد اختيار الجرائم التي يقرر إحالتها. فوزير العدل يتولى تعيين قاضي تحقيق عدلي خاص بالقضايا المحالة بناءً على موافقة مجلس القضاء الأعلى (المعيّن في 8 من 10 من أعضائه من قبل السلطة التنفيذية) من دون أي معايير موضوعية. واللافت في هذا المجال بروز نوع من العرف يقضي بتعيين المحقق العدلي وفق هوية الضحية الطائفية كما يظهر من التعيينات الأخيرة[4]، سواء كانت هذه الضحية شخصاً سياسياً أو جماعة تعرضت لهجوم معين. وهذا الأمر يعزز الاعتقاد بتبرير الإحالة برغبة الحكومة في منح الضحية اهتماماً خاصاً، من شأنه أن يولّد بالطبع شكوكاً مشروعة لدى المتهمين بالتمتع بشروط المحاكمة العادلة. كما تولي المادة 362 (أ.ج.) قاضي التحقيق العدلي الحق بأن يصدر جميع المذكرات التي يقتضيها التحقيق دون طلب من النيابة العامة، ومن دون أن يكون مقيداً  بحد أقصى للتوقيف الاحتياطي (363 أ.ج). وهذا ما فتح الباب لاستنسابية قاضي التحقيق في توقيف المتهمين، وإن استمرت لسنوات طويلة من دون محاكمة. وكما يعمل قاضي التحقيق العدلي على درجة واحدة بغياب أي سلطة قضائية رقابية، كذلك الأمر بالنسبة الى المجلس العدلي نفسه المؤلف من خمسة من كبار القضاة والذي لا تقبل قراراته أي طريق من طرق المراجعة العادية أو غير العادية باستثناء الاعتراض وإعادة المحاكمة.
 
أي مطالبات بإلغاء المجلس العدلي؟
عند البحث في أرشيف التاريخ القضائي اللبناني، نلحظ أن المناقشة بشأن مشروعية المجلس العدلي والتي أصبحت اليوم شبه معدومة، نشطت خاصة، وربما حصرياً، في فترة ما بعد الاستقلال.

ففي 1946 قدم النائب يوسف كرم اقتراح قانون يرمي الى "إلغاء المجلس العدلي وإحالة جميع الدعاوى الداخلة في اختصاصه الى المحاكم ذات الاختصاص"، وذلك بحجة أن "الأسباب التي دعت لإيجاد مجلس عدلي في لبنان قد زالت ولم يبق من ضرورة ولا مبرر لوجوده". وإذ ذكّر وزير الداخلية آنذاك يوسف سالم بـ"أن إنشاء المجلس العدلي جاء بعد حوادث تشرين 1945 والمقصود منه هو البت بسرعة بالدعاوى التي ترد اليه وهو مؤلف من خيرة القضاة ومهمتهم في ذلك المحافظة على سلامة البلاد"، صوّتت غالبية النواب لمصلحة قبول الاقتراح بإلغائه. إلا أن رئيس الجمهورية بشارة الخوري أعاد القانون الى المجلس في العام 1948 طالباً إعادة النظر به عملاً بصلاحياته. وبحثاً عن حل وسطي, ارتأى المجلس النيابي السير بتخريجة للجنة الإدارة والعدل تفضي بالإبقاء على المجلس العدلي مع حصر صلاحياته بالنظر بالجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات من المادة 270 الى المادة 336. وقد بررت اللجنة ذلك بأن "بلداً كلبنان حديث العهد في الاستقلال والسيادة والوطنية لا بد له الى حين من تدابير خاصة كالمجلس العدلي لصيانة استقلاله والاحتفاظ بسيادته". وخلال مناقشات العام 1948، أثار النائب كرم مسألة استعمال الحكومة المجلس العدلي كأداة قمعية بوجه الناس والتوسع في إحالة الجرائم الى هذه المحكمة، إذ باتت الحكومة في حينها تحيل كل مشاجرة بين اثنين الى المجلس العدلي.

وبخلاف الأسباب الموجبة للقانون آنذاك والتي ارتبطت بالظروف الاستثنائية اللاحقة للاستقلال، لا يزال هذا المجلس موجوداً رغم مرور ما يقارب ستة عقود ونصف عقد منذ إنشائه. والأهم من ذلك، وبخلاف الحال آنذاك حيث كان بعض النواب (وفي وقت من الأوقات غالبيتهم) يطالبون بإلغائه، لا نجد اليوم أي صوت ينادي بذلك، وكأنما السنوات أدت الى تشريع وجوده، بدل تبرير إلغائه. بل يسجل أن المجلس النيابي ذهب في 1972الى توسيع صلاحياته لتشمل الجرائم المنصوص عليها في قانون 11/1/1958 (الذي أفضى الى تعليق العمل ببعض مواد قانون العقوبات وتشديد العقوبات في بعض الجرائم ووسع صلاحيات القضاء العسكري) وجميع الجرائم الناتجة من صفقات الأسلحة والاعتدة التي عقدتها أو تعقدها وزارة الدفاع الوطني.

أما على صعيد الخطاب السياسي العام، ورغم الاعتراضات الكثيرة على انتقائية ملاحقة السيد سمير جعجع ورفاقه في الفترة الممتدة من 1994 حتى 2005، فإن الاعتراضات على المجلس العدلي كمحكمة استثنائية بقيت بحدها الأدنى، وقد صدر معظمها عن منظمات حقوقية دولية في مقدمها التقرير الصادر عن منظمة العمل الدولية المشار اليه أعلاه[5].

وبأية حال، تلاشت هذه الاعتراضات تماماً مع إصدار قانون العفو عن هؤلاء في 2005. وفيما كان الفريق المدافع عن جعجع ورفاقه يطعن في الاستثناءات الواردة في قانون العفو 1992 والمشار اليها أعلاه والتي سمحت بملاحقة هؤلاء وإخضاعهم لمحاكمة استثنائية كجزء من استراتيجيته الدفاعية، انتهى المجلس النيابي الى الإفراج عنهم بموجب قانون عفو عام أقر في 18 تموز 2005 على قياسهم، مع اعتماد استثناءات على الاستثناء. وعليه، تكون معفاة بموجب قانوني 1991 و2005 جميع الجرائم السياسية الحاصلة في فترة حرب 1975-1991 ما عدا الجرائم المرتكبة ضد قادة سياسيين ودينيين باستثناء الجرائم التي ارتكبها أو قد يتهم بها السيد جعجع ورفاقه. ومع اعتماد الاستثناء على الاستثناء، أصبح من الطبيعي أن تُطوى الاعتراضات ضد جميع أشكال الاستثناء بما فيها المحاكم الاستثنائية. فكأنما الاعتراض على الاستثناء مجرد تكتيك سياسي يتم التخلي عنه فور انتهاء الحاجة اليه.  

نشر في العدد الثامن عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]يتألف المجلس العدلي من الرئيس الأول لمحكمة التمييز (رئيس مجلس القضاء الأعلى) رئيسا و4 قضاة من محكمة التمييز اعضاء يعينون بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى.
[2] على سبيل المثال، "حبيش: نُصر على إحالة مقتل الشيخين إلى المجلس العدلي لمحاكمة مرتكبي الجريمة", الوطنية للاعلام, 23-5-2012، و"السنيورة والحريري سلّما سليمان مذكرة طالبت بإحالة ملف أحداث صيدا على المجلس العدلي", الوطنية للاعلام, 28-6-2013. كما اعتبر رئيس المجلس النيابي نبيه بري بخصوص ملف شهود الزور أن "رفض احالة الملف الى المجلس العدلي الذي يشكل اعلى وارقى سلطة قضائية يدل على عدم الوثوق بالمجلس، الأمر الذي يسيء الى صورة القضاء ويوحي بوجود استنسابية في التعاطي معه"، خبر منشور في جريدة النهار, 26-10-2010. كما نقل عن السيد رافي ماديان، نجل الراحل جورج حاوي: " شكرنا باسم أسرة الشهيد جورج حاوي الرئيس السنيورة واثنيننا على دوره في المساعدة لإحالة مجلس الوزراء قضية اغتيال والدنا الشهيد جورج حاوي الى المجلس العدلي". (الرئيس السنيورة استقبل عالة حاوي, المستقبل 28-8-2005).
 
[3]على سبيل المثال نذكر ابرز الجرائم التي لم تنته التحقيقات فيها: جريمة اغتيال كمال جنبلاط ورينيه معوض وبشير الجميل واختفاء الامام موسى الصدر ورفيقيه، وجريمة قتل الزيادين فضلا عن مجمل جرائم التفجيرات الحاصلة بعد 2005.
[4]وهذا ما نتبينه مثلا بشأن التعيينات في القرار الصادر عن وزير العدل أشرف ريفي بتاريخ 19-5-2014 بخصوص تفجيرات بئر العبد والرويس وحارة حريك وطرابلس وتفجير المستشارية الإيرانية واغتيال الوزير الاسبق محمد شطح ورفاقه.
[5] يمكن أيضا النظر الى تقرير "سيدر وتش": احتجاز جعجع صورة للاغتيال السياسي, النهار, 28-2-2003.