في 1-5-2014، نشر في الجريدة الرسمية مرسوم بإنشاء أمانة سر لمجلس القضاء الأعلى. وكان النص الأساسي لهذا المرسوم قد صيغ في عهد وزير العدل السابق شكيب قرطباوي وانتظر تعيين حكومة جديدة لإقراره. والسؤال يطرح إذ ذاك عن كيفية تقييم هذه التجربة الجديدة. ففي مبدئها، تبدو الخطوة إيجابية لتمكين مجلس القضاء الأعلى المكوّن من قضاة عاملين من القيام بالمهام المناطة بهم قانوناً، وفي مقدمها اعداد مشروع التشكيلات القضائية. إلا أن قراءة متأنية للمرسوم تظهر أنه آل، ليس الى تمكين المجلس من أداء هذه المهام، بل بالدرجة الأولى الى استخدام إنشاء أمانة سر كمناسبة لابتداع مهام جديدة تخرج مبدئيا عن اختصاص المجلس مع تعزيز مكانة رئيسه بشكل خاص. ومن شأن ذلك بالطبع أن يولّد مخاوف إزاء تعزيز الهرمية في التنظيم القضائي، مع ما يستتبع ذلك من مخاطر على صعيد الاستقلالية الداخلية للقضاة أي استقلاليتهم إزاء المؤسسات القضائية الناظمة لأعمالهم. وقبل المضي في إثبات ذلك، لا بد من التذكير مجدداً بأن 8 من 10 من أعضاء المجلس تعيّنهم السلطة التنفيذية، على نحو يخضع غالباً لقواعد المحاصصة، وأن مبدأ استقلال القضاء يفترض إعادة النظر في كيفية تعيين هؤلاء الأعضاء قبل البحث عن سبل تعزيز سلطة المجلس داخل القضاء وعليه. كما أنه يفترض في كل الأحوال تكريس ضوابط من شأنها وضع القضاة في مأمن إزاء احتمالات التدخل، بما فيها تلك المتصلة بمجلس القضاء الأعلى نفسه.  
 
توسيع لمهام القضاء الأعلى تحت غطاء انشاء أمانة سر له
المهام المناطة بأمانة السر والتي عددها المرسوم "على سبيل المثال وليس الحصر"، تبقى غير واضحة. بل يظهر أن غالبها يهدف كما سبق بيانه الى منح مجلس القضاء الأعلى صلاحيات جديدة تخرج عن صلاحياته المحددة قانوناً. فلم ترد في المرسوم أي إشارة ولو من باب رفع العتب الى استقلالية القضاء التي يشكل ضمانها سبب وجود المجلس، أو الى وجوب متابعة الأمانة التدخلات الحاصلة في شؤون القضاء تمهديا لرفعها اليه. كما لم ترد أي إشارة الى مساهمة الأمانة بوضع مقترحات قوانين أو ما شابه من نصوص تنظيمية، بهدف تطوير العمل القضائي.   

وفي ما إذا كان يمكن نظرياً ربط بعض مهام الأمانة بالصلاحيات المناطة بالمجلس قانوناً، كأن تستخدم تقاريرها الدورية عن أعمال القضاء في اعداد مشروع المناقلات القضائية، إلا أن المرسوم لا يربط بين أي منها صراحة. فلا يحدد مثلا كيفية استخدام هذه التقارير في مشروع المناقلات. فكأنما للمجلس أن يأخذ أو يرد منها ما يشاء من دون أن يكون مقيداً بأي معايير موضوعية في هذا المجال. وبنتيجة ذلك، تؤدي هذه المهمة عملياً الى تعزيز سلطة المجلس وحضوره الدائم في المحاكم من دون أن يولي تقييم القضاة هؤلاء أي حق من جرائه.

وما يثير التحفظ إثارةً أكبر هي المادة الرابعة من المرسوم التي أولت أمانة السر "متابعة أوضاع القضاة الاجتماعية وشؤونهم الخاصة بناءً على طلبهم وبتكليف من المجلس". فما المقصود من ذلك؟ وهل للمجلس أن يميز بين القضاة أو أن يمنح بعضهم استثناءات معينة على أساس أوضاعهم الخاصة؟ وألا يُخشى أن تفتح هذه العبارة المجال أمام تحوّل المجلس الى ما يشبه النقابة أو الجمعية الأخوية؟

ومن المهام اللافتة أيضاً "تنظيم حضور ممثلي السلطة القضائية البروتوكولي في المناسبات الرسمية والمؤتمرات والندوات وإجراء الترتيبات اللازمة تنفيذاً لقرارات المجلس". وما نفهمه من هذا النص هو حرص واضعي المرسوم على أن نضمن كرسياً متقدماً لرئيس مجلس القضاء أو شروطاً معينة لحضوره في مناسبات وطنية أو اجتماعية معينة، ما قد يحوّل أمانة سر المجلس الى ما يشبه سكرتيريا تشريفات. وما يزيد الأمر قابلية للنقد أن المرسوم يسلّم بالخطأ الشائع الآيل الى اعتبار مجلس القضاء الأعلى ممثلا للسلطة القضائية، وذلك خلافا للمادة 20 من الدستور التي تعرّف السلطة القضائية على أنها سلطة كل قاض في محكمته من دون أن يكون لها أي ممثل بذاته. وبالطبع، التسليم بهذا الخطأ الشائع ليس مسألة نظرية وحسب، بل هو يؤدي الى تصوير أي تعزيز لمكانة مجلس القضاء الأعلى أو صلاحيته كتعزيز للسلطة القضائية، فيما تحجب المقتضيات الأساسية لتعزيز هذه السلطة والتي تقوم أساسا على ضمان القضاة إزاء أي تدخل في أعمالهم، سواء حصل من خارج القضاء أو من داخله.    

فضلاً عن ذلك، وبعدما أناط المرسوم بأمانة السر القيام بدور مكتب الإعلام، كلفها ب"متابعة وسائل الإعلام". ولا بد من التساؤل هنا بشأن المقصود بـ"متابعة وسائل الإعلام"، فكأنما المجلس يحرص على التقصي عن كل ما يُقال عن القضاء، على نحو يعيد الى الأذهان ما تقوم به دوائر التوجيه لدى الأجهزة الأمنية. ومن ناحية ثانية، نسجل بقلق الضوابط التي وضعها المرسوم لتفاعل أمانة السر مع وسائل الإعلام، لجهة تزويدها بالمعطيات والبيانات، وهي على التوالي: سرية التحقيق وهيبة القضاء، وحرية الإعلام. فمع فهمنا الكامل لضرورة تنظيم حق الرد للقضاة ضماناً للشفافية ولحرية الإعلام، فمن شأن إعادة استخدام مفهوم "هيبة القضاء" ووضعه في ترتيب سابق لحرية الإعلام أن يفتح الباب أمام تأويلات واسعة قوامها إغلاق باب الحرية والشفافية باسم الهيبة، وتحويل المجلس الى مدافع عن سمعة القضاء بمعزل عن الحقائق. وهذا ما عكسه بأية حال البيان الصادر في 31-1-2014 عن المكتب الإعلامي للمجلس والذي رفض فيه أن يتم تناول قرار قضائي "خارج أطر المراجعة المكرّسة قانوناً في وقت لا يزال فيه القرار خاضعاً لطرق المراجعة"، أو أن يتم استعمال الإعلام "وسيلة ضغط للتشويش على حسن سير العمل القضائي".وما يزيد من مخاطر ذلك، هي الإشارة الى صلاحية المجلس بوضع الأسس والمبادئ الناظمة لعمل الأمانة في المجال الإعلامي من دون أي ضوابط.
 
إعادة النظر في هيكلية التنظيم القضائي:
أما من حيث الجوانب التنظيمية لعمل أمانة السر، فالأمور هنا أيضاً لا تقل قابلية للنقد. فرغم ترؤس الأمانة من قبل أحد أعضاء المجلس وفتح مجال تعيين ثلاثة قضاة عاملين فيها، يتحول المرسوم الى مناسبة واضحة لتكريس سلطة رئيس مجلس القضاء الأعلى وتمييزه بصلاحيات خاصة أبرزها أن أمانة السر تخضع لرقابته واشرافه وأن بامكانه تكليفها بما يشاء من ضمن المهام التي تدخل في حدود دورها، علما أن المرسوم عدد هذه المهام "على سبيل المثال وليس الحصر".

وبالطبع، يتعارض هذا التوجه مع روح قانون تنظيم القضاء العدلي الذي أناط الصلاحيات الأساسية لمجلس القضاء الأعلى مجتمعا. ومن اللافت في هذا الاطار أن يكون اسم رئاسة المجلس قد ورد سبع مرات في المرسوم المكون من خمس مواد فقط. وعليه، تحصد هذه الرئاسة من هذا المرسوم قوة مزدوجة بحيث تتعزز صلاحياتها بتمثيل المجلس منفردة بعدما تم توسيع دائرة المهام المناطة بهذا المجلس.

وما يزيد الهرمية قوة هو توسيع مهام أمانة السر لتشمل صلاحيات يفترض أن تمارسها مؤسسات قضائية أخرى. فما معنى أن يناط بها التحضير الإداري لمباريات الدخول الى القضاء بما يتعارض مع تفعيل دور معهد الدروس القضائية؟ كما يضاف الى ذلك أسئلة جدية حول مدى تجاوز أمانة السر، بخصوص إعداد تقارير دورية عن أعمال القضاء، لصلاحيات هيئة التفتيش القضائي. وتعكس هذه المواد بالواقع توجها متزايدا نحو تعزيز مركزية القرارات في الشأن القضائي.

وفي الاتجاه نفسه، نقرأ إمكانية تعيين قضاة لا يتعدى عددهم الثلاثة في أمانة السر، وذلك بمرسوم يصدر بناء على اقتراح وزير العدل وبعد موافقة مجلس القضاء الأعلى. وهذه المادة تخالف بشكل واضح المادة 52 من قانون تنظيم القضاء العدلي التي تحظر تكليف أي قاض بمهمة بالاضافة إلى وظيفته الاصلية الا في الحالات التي نص عليها القانون، وذلك ضمانا لاستقلاليته ومنعا لأي شكل من اشكال الترغيب. وما يزيد من حجم المخالفة، هو التمييز الحاصل لمصلحة القضاة المعينين للعمل في أمانة السر. فبخلاف حال أقرانهم المنتدبين للعمل في وزارة العدل والذين يفقدون حقهم بتعويض إضافي (قدره 20% من الراتب) في حال توليهم مناصب قضائية، يستحق التعويض الإضافي لأعضاء أمانة السر في جميع الحالات. وهذا ما أعاد مرسوم التشكيلات القضائية الصادر في 24-6-2014 التذكير به إمعاناً في التمييز الذي يصعب إيجاد مبرر له.
ختاما، تجدر الإشارة الى الأهمية الاستثنائية المعطاة لسرية أعمال أمانة السر وعلاقتها بالمجلس. فعلى أعضاء أمانة السر، ومنهم قضاة، أن يحافظوا على سرية المعلومات، تحت طائلة وقوعهم تحت حكم المادة 579 من قانون العقوبات اللبناني التي تعاقب بالحبس حتى سنة وبغرامة. وتشمل السرية المطلوب الحفاظ عليها جميع أعمال أمانة السر لا بعض المواضيع الحساسة. والواقع أننا لا نجد مثيلاً لهذه المادة في أي مكان آخر في قانون تنظيم القضاء العدلي، لا بخصوص مداولات المحاكم، ولا بخصوص مداولات مجلس القضاء الأعلى نفسه. ومن اللافت أصلا أن يعد أي افشاء لأي سر من قبل أي من العاملين في أمانة السر جرما بمعزل عن مدى اكتمال العناصر الجرمية المنصوص عليها في المادة القانونية المشار اليها ومنها أن يحصل الافشاء من دون سبب شرعي أو أن يتم استخدامه لمنفعة خاصة أو لمنفعة شخص آخر. وما يزيد الاستغراب حدة هو أن جرم الافشاء يكف عن كونه كذلك، في حال ورود اذن خطي من المجلس بتحليله. وانطلاقا من ذلك، يظهر أن واضعي النص لم يجدوا أي تناقض بين التشدد في فرض موجب التكتم على أعضاء أمانة السر الى حد تجريمه وتحرير المجلس بالمقابل من أي موجب أو ضابط في هذا الشأن، حتى ولو أدى ذلك الى المس بكرامات القضاة. ففي الأمر الأول ما يضمن سلطة المجلس على أمانته المحكومة بالتكتم، وفي الأمر الثاني ما يعزز سلطته على جميع القضاة.

في ظل مرسوم كهذا، وتحت غطاء تعزيز سلطات مجلس القضاء الأعلى ومكانة رئيسه، يسجل لبنان تراجعا واضحا في مجال استقلال القضاء.    
نشر في العدد الثامن عشر من مجلة المفكرة القانونية

للإطلاع على النسخة الإنكليزية من المقال، إنقر هنا