كرة القدم لعبة الفقراء، أو هكذا ظننا. فقراء البرازيل وحركته العمالية هم الآن عرضة لتعديات الأمن البرازيلي الذي يقوم بتطهير "الفافيلاز" وجرف المساكن وتهجيرهم من جانب الملاعب حيث تقام مباريات كأس العالم. وقد سقط منهم عشرات القتلى على مرأى من الFIFAالتي لم تحرك ساكناً. أما فقراء لبنان، فقد حُرموا من مشاهدة المباريات الأولى، حيث كانوا ضحية شركة "سما" التي احتكرت بث المباريات بعد عقدها اتفاقية مع محطة beIN SPORTSالمعروفة بالجزيرة الرياضية، فكان على المواطنين شراء بطاقات تشريج، لحين تبلور اتفاق "ناقص" مع "سما"، "وتمرّد" التلفزيون الوطني عليه. فكأس العالم التي ينتظرها بشغف ملايين الأشخاص لم يحظ جميعهم بإمكانية مشاهدتها مجاناً، خاصة أن كلاً من الـ FIFAوالمحطات تتقاضى مبالغ هائلة من بيع حقوق البث، عدا "استثمارها" في الإعلانات والترويج لثقافة استهلاكية لكل ما يتعلق بكأس العالم. فأمام هذا المشهد "التجاري"، تطرح إشكالية حق المواطن بالوصول إلى المعلومات ومدى قانونية حجب المباريات عنه من خلال تشفير القنوات. كما تمس حصرية مشاهدة هذه المباريات بحقوق الإنسان الأساسية، كالحق بالمشاركة في حياة المجتمع الثقافية والفنية المنصوص عنه في المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وفي هذا الإطار، من المفيد الإضاءة على رأي محكمة العدل الأوروبية في هذا الشأن في موازاة توثيق كيفية مقاربة الموضوع في لبنان. 
 
محكمة العدل الأوروبية تمنع حصرية بث "الأحداث ذات الأهمية للمجتمعات"
تنص توجيهات المجلس الأوروبي رقم  CE/552/89المتعلقة بالبث التلفزيوني، على أنه يُسمح للدول الأعضاء حظر البث الحصري للأحداث التي تعتبرها ذات أهمية كبرى لمجتمعاتها، عندما يكون هذا البث الحصري يحرم شريحة كبيرة من الجمهور فرصة متابعة هذه الأحداث على شاشات التلفزيون مجاناً. وفي موضوع المباريات الرياضية، وضعت كل من بريطانيا وبلجيكا لوائح بالأحداث التي تحمل أهمية كبرى بالنسبة اليها، أي تلك التي تريد منع حصريتها، وكان من ضمن هذه الأحداث مباريات نهائيات كأس العالم 2014 والبطولة الأوروبية في كرة القدم، وأُرسلت هذه اللوائح إلى اللجنة الأوروبية المختصة التي أفادت أن اللائحة مطابقة لقانون الاتحاد الأوروبي. طعنت الـFIFA  والـUEFA (Union des Associations Européennes de Football)   بقرار اللجنة أمام المحكمة، مشيرة إلى أنه لا يمكن اعتبار جميع المباريات المذكورة ذات أهمية لمواطني بلجيكا وبريطانيا. ردت المحكمة الدفوع، فاستأنفت مجدداً كل من الـFIFAوالـUEFAأمام المحكمة الأعلى أي محكمة العدل الأوروبية La Cour de Justice de l’Union Européenne(CJUE). وبناءً عليه، أصدرت المحكمة قراراً في تموز 2013، رفضت فيه بصفة نهائية طلب الاستئناف ضد الحكم الصادر بشأن حقوق بث مباريات كأس العالم وكأس أوروبا لكرة القدم.
وفي تفاصيل الحكم، أشارت المحكمة الى أن تعيين أحداث معينة من قبل الدولة كأحداث ذات أهمية كبرى للمجتمع، وحظر حصرية البث يشكلان عقبات أمام حرية توفير الخدمات (la libre prestationdes services)والمنافسة الحرة والحق في الملكية، إلا أن من شأن حماية الحق في المعلومات وضمان وصول واسع للجمهور اليها من خلال التغطية التلفزيونية المجانية لها تبرير هذه العقبات. كما أشارت المحكمة الى أنه على الدول تحديد الأحداث التي تعتبرها ذات أهمية كبيرة لمواطنيها، وأن دور اللجنة هو فقط في مراقبة توافق هذه اللوائح مع قانون الاتحاد الأوروبي. وأوضحت أن المباريات النهائية لا تحمل جميعها الأهمية نفسها، لذا على الدول تعليل منعها البث الحصري للبطولة، ثم أضافت أنه في هذه القضية، مباريات كأس العالم هي ذات أهمية كبيرة للجمهورين البريطاني والبلجيكي.
 
... أما في لبنان، فتكريس لاحتكار الشركات على حساب الفقراء
المشهد اللبناني جاء مختلقاً طبعاً عن المشهد في أوروبا. فبعدما لوّحت الأوساط السياسية بوجود نية لدى دولة قطر في منح حقوق البث لتلفزيون لبنان، بدأت كأس العالم دون أن يتأمن ذلك، واضطر من يريد مشاهدة المباريات لشراء بطاقات اشتراك للتمكن من الحصول على محطة beIN SPORTS.

وأمام تململ شريحة كبيرة من المواطنين ومطالبة المدير العام لتلفزيون لبنان طلال المقدسي بمنحه حق بث المباريات، وبدء المشاورات بين السلطات والشركة، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بعرض المباريات على القناة القطرية دون تشفير عبر محطات البث الفضائي (الكابل)، أي تمكين كل مشترك في الكابل من مشاهدة المباراة على المحطة القطرية مجاناً. إلا أن الدولة لم تستند هنا الى حق مكتسب في منع تشفير المعلومات المهمة كما في أوروبا، بل جاء ذلك مقابل مبلغ مادي، دفعته شركتا الاتصالات، أشارت مصادر إعلامية الى أنه يقارب الثلاثة ملايين دولار أميركي.

 وبذلك يكون قد استثنى هذا الاتفاق شريحة كبيرة من المواطنين الذين لا يملكون حتى ثمن اشتراك الكابل، أي الفئات الأكثر فقراً في البلد والتي هي الأكثر حاجة للاطلاع المجاني على مباريات كأس العالم. بذلك، فإن الدولة تكون قد كرّست من جهة احتكار الشركات الخاصة لأبسط حق من حقوق المواطن من خلال دفع مقابل باهظ، ومن جهة أخرى، أخلت بمبدأ المساواة بين المواطنين. أضف إلى ذلك أن موضوع الكابلات غير شرعي في لبنان أصلاً، وبالتالي، تكون الدولة قد شرّعتها بل سوقت لها من خلال إلزام المواطن اللبناني بمشاهدة المباريات من خلالها.
 
القضاء يحمي حصرية "سما"
لم تكن الحال أفضل أمام القضاء، فحق المواطن بالمعلومات كان غائباً هناك أيضاً. بعدما حُرم المواطن من مشاهدة أول مباراة نظراً لحصولها قبل إتمام الصفقة مع "سما"، لجأ العديد لمشاهدة المباريات عبر قنوات فضائية تبثها كالتلفزيون الفرنسي TF1. ومنعاً لذلك، تقدمت شركة سما بطلب أمام قاضي الأمور المستعجلة في بيروت. وقد وافق القاضي على هذا الطلب، بحيث جاء في قراره:
" حيث إن المستدعية شركة سما ِش.م.م أبرزت ما يثبت، وفق ظاهر الحال، حقوقها الحصرية في بث وإعادة بث مباريات كأس العالم 2014 في لبنان، وحيث إنه لا يكون بالتالي من الجائز لأي شخص إعادة بث هذه المباريات ... إلا بالاستناد إلى ترخيص من المستدعية (....)"
وبناءً على ذلك، كلّف القاضي رئيس القلم بالانتقال تكراراً حتى نهاية كأس العالم للكشف على محطات إعادة البث المبيّنة في استدعاء شركة سما، حتى خارج أوقات الدوام، وإطفاء المحطات التي تقوم بإعادة بث مباريات كأس العالم دون ترخيص من الشركة، وختمها بالشمع الأحمر وإجراء ما يلزم لوقف البث 48 ساعة على أن تفضّ الأحكام ويرخّص بإعادة البث فور استحصالها على ترخيص من شركة سما أو إيداع كفالة مصرفية أو نقدية في صندوق المحكمة قدرها عشرون مليون ليرة لبنانية، على أن يكون حق إعادة البث غير شامل مباريات كأس العالم في حال إيداع المال دون الاستحصال على ترخيص. كما أشار القرار إلى أنه في حال استمرار بث المباراة من دون ترخيص، يتعرض المؤتمن على إدارة المحطة إلى غرامة إكراهية عن كل يوم يثبت فيه حصول المخالفة. وعليه، يبدو القرار جازماً في الحفاظ على "حقوق" شركة سمامن جهة، ومن جهة ثانية مغفلاً تماماً لحقوق المواطن المكرّسة في المواثيق الدولية. لا بل إنه أدى عملياً، كما سبقت الإشارة اليه، الى تشريع الكابلات ضمنا.
 
الخطاب العام بعيد عن الحق بالوصول إلى المعلومات
وبمعزل عن القرار القضائي، فإن الخطاب العام في لبنان لم يتطرق إلى حق المواطن بالوصول إلى المعلومات. إلا أن هذا الصمت كُسر عندما "تحفظ" المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع على استثناء تلفزيون لبنان من الاتفاق، معتبراً أنه "يحرم المواطنين العاديين الذين هم غالبية الشعب اللبناني من حقهم الطبيعي في التمتع بمشاهدة مباريات شعبية الطابع". والجدير بالذكر، أن وزير الإعلام، وهو أحد رعاة هذا الاتفاق، قد أشار لجريدة السفير الى أنّ «مشاهدة المونديال، وأيّ حدث عالمي ذي أهميّة ثقافيّة، أمر يكفله الدستور كحقّ لجميع اللبنانيين، ويجب أن تلتزم به الحكومة تبعاً للمواثيق الدوليّة الموقّعة من قبل الدولة اللبنانيّة»، ما يطرح أسئلة عديدة، فهل المواطن الفقير مستثنى من هذا الحق؟
 
 
تلفزيون لبنان يتحدى
في هذا المشهد، بدا تلفزيون لبنان كمتمرّد على الاتفاق الحاصل، حيث نقل مباريات كأس العالم من دون الحصول على ترخيص من شركة سما. وبذلك، يكون قد أوصل المباريات إلى جميع اللبنانيين مجاناً، وخاصة أولئك الذين لا يملكون اشتراكاً بالبث الفضائي. وفي حديث لقناة الجديد، أشار رئيس مجلس إدارة التلفزيون إلى أن "القرار ليس تحدياً بل التحدي هو منع اللبنانيين من حقوقهم والتسلط على أجوائهم"، مشدداً على أنه "يتحمل كامل المسؤولية في الخطوة التي أقدم عليها ..، وإن اقتضى الأمر تقديم استقالته لرئيس مجلس الوزراء".
نشر في العدد الثامن عشر من مجلة المفكرة القانونية