من أكثر الحاجات إلحاحاً، الحاجة للإحساس بالأمان  (need to safety)وفق هرم ماسلو للحاجات. وتشمل هذه الحاجة بالطبع الحاجة الى مأوى أو مسكن. ومن هذا المنطلق، كان من الطبيعي أن يشكل حق السكن، لما له من أبعاد اجتماعية واقتصادية، أحد حقوق الإنسان الأساسية وفق ما جاء في العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية[1]والقوانين الوضعية لدول عدة[2]. أما على الصعيد اللبناني، ورغم أن مقدمة الدستور توجب احترام المواثيق الدولية التي انضم اليها لبنان والمكرّسة لهذا الحق، إلا أن هذا الحق يبقى غير مذكور بطريقة مباشرة وواضحة في القوانين الوضعية، باستثناء قانون 220/2000 المتعلق بحقوق المعوقين والذي يبقى معطلاً في أجزاء كبيرة منه[3]. ومن هنا، غالباً ما يثور تساؤل حول إمكانية تفعيل هذا الحق من خلال المحاكم، فيخرج النص القانوني من جموده ليلبس لباساً أكثر إنسانية. وهذا بالتحديد ما سنحاول استشرافه من خلال دعوى محورها الحق بالسكن للأشخاص المعوقين.

طلب إخلاء عملاً بالحرية التعاقدية، ودفع بحق المعوقين بمسكن ملائم
بدأت القضية في 2014 عندما رفض أحد مالكي العقارات أن يجدد عقد الإيجار لإحدى المستأجرات من شاغلي أحد عقاراته. فتقدم الى قاضي الأمور المستعجلة بطلب إخلاء المأجور، مدلياً بأنها باتت تشغله من دون مسوّغ شرعي، بعدما انتهت مدة الإجارة. وفيما تبدو القضية في ظاهرها دعوى إيجارات صرفاً مرتبطة بحرية التعاقد المكفولة بالقانون، إلا أن تفاصيل القضية تبيّن أنها تحمل بعداً اجتماعياً وإنسانياً. وهذا ما يظهر من خلال الدفوع التي قدمتها وكيلة الجهة المدعى عليها، المحامية فداء عبد الفتاح، ومفادها أن ابنة المستأجرة مقعدة وأن موقع الشقة ملائم لوضعها لكونها تقع  في الطابق الأرضي ويسهل الدخول والخروج منها على الكرسي المدولب، فضلاً عن كونها قريبة من مدرستها، وأن إيجاد شقة أخرى تلبي حاجات هذه الأخيرة يستدعي بعض الوقت. وعلى أساس هذه المعطيات، استندت المدعى عليها الى المواد 55-56 و57 من قانون 220/2000 التي يوجب تخصيص مساكن للمعوقين في المشاريع السكنية العامة والتجمعات الخاصة، إضافة الى الحظر على الدولة بيع أو تأجير تلك المساكن لغير حملة بطاقة المعوق الشخصية أو بعض أصوله أو فروعه أو زوجه، للمطالبة برد الدعوى. وإثباتاً لذلك، أدلت هذه الأخيرة بأن الشقق السكنية العامة شبه منعدمة أساساً فيما الشقق الخاصة لا تراعي هذه المعايير، معتبرة أن وجود هذا المسكن الذي يناسب حاجات الابنة على سبيل المصادفة يجعل منه من المساكن التي تنطبق عليها أحكام القانون، ما يجعل رفض تجديد الإجارة من دون أسباب جدية بمثابة تعد على حق المستفيدين منها. وانتهت دفوع المدعى عليها الى المطالبة بإعطائها مهلة كافية للبحث عن مسكن بديل، مع إلزام المدعي باستلام البدلات التي يرفض استلامها. كما طالبت بإدخال وزارة الشوؤن الاجتماعية في الدعوى ممثلة بالهيئة الوطنية لشوؤن المعوقين، ضماناً لحقوق ابنتها.

دفاع ضد توجهات التشريع: فلنفكر بحق السكن

إن هذه القضية تجد فرادتها، من نواح عدة، أبرزها الآتية:

أولاً، هي تشكل حالة نادرة من التقاضي المسند الى قانون حقوق المعوقين. ومن المعلوم أن هذا القانون يبقى معطلاً في معظم أجزائه، وأن دعوات عدة سجلت في الآونة الأخيرة (2013) لضرورة أن يتم تفعيله من خلال التقاضي الاستراتيجي[4]. وما يزيد الأمر أهمية هو الطلب المقدم من المدعى عليها بإدخال الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين على نحو قد يؤدي الى تفعيل دورها والى وضعها أمام مسؤولياتها في هذا الشأن.

ثانياً، هي تضع وجهاً لوجه حق السكن في مواجهة حق الملكية والحرية التعاقدية حول كيفية استغلاله. واللافت أن يحصل هذا الأمر في موازاة الجدل الكبير الحاصل حول قانون تحرير الإيجارات القديمة، والذي أدى الى طرح المواجهة بين هذين الحقين من خلال الطعون المقدمة ضد قانون الإيجارات أمام المجلس الدستوري[5]وبشكل أوسع في التخاطب العام. كما يسجل في هذا الصدد توجه عدد من القضاة لضبط مفهوم حق الملكية والعمل على ربط استخدامه بوظائف اجتماعية معينة من خلال بعض الأحكام التي صدرت مؤخراً. وتجدر الإشارة في هذا السياق الى القرار الصادر عن محكمة التمييز اللبنانية والذي أقر مبدأ "سلامة الإنسان فوق كل اعتبار"[6]، وتحديداً فوق حق الملكية. وتؤكد عبد الفتاح في هذا المجال أنها آثرت الاستناد الى القانون الوضعي (قانون 220/2000) على الاستناد الى ما يتوافر من وثائق دولية، قناعة منها بأن مجالس العمل التحكيمية تبدو أكثر قبولاً لتلك الأسناد. وكانت إشكالية حق السكن قد عرفت تطوراً كبيراً في الاجتهادات الصادرة عن عدد من المحاكم في دول مختلفة[7]، خلصت الى تكريس حق الأفراد بالحصول على مأوى بديل من مساكنهم التي يشغلونها بطريقة غير شرعية. بل أكثر من ذلك، فقد قررت المحاكم الهندية ومحاكم جنوب أفريقيا أن تعلق قرارات الترحيل الصادرة بحق هؤلاء الأفراد حتى تأمين مساكن بديلة لهم. فيما اعتبرت إحدى المحاكم أنه "لا يمكن للمحكمة طرد هؤلاء إلا بعد النظر في جميع الظروف ذات الصلة، والتي تشمل وضع جميع المسنين والمعوقين، والأطفال، بمن فيهم الأطفال اليتامى والضعفاء، والأسر التي ترعاها النساء"[8]

......
بعد الانتهاء من كتابة هذا المقال، صدر الحكم في القضية بتاريخ 24/6/2014 باخلاء المستأجرة من المأجور، من دون أن يعير الدفوع المتصلة بالاعاقة أي اهتمام.يبقى الامل ان يطور المحامون اللبنانيون في المستقبل هذا النوع من الدعاوى تمهيداً لتطوير حساسية القضاة تجاه حق السكن وحقوق المعوقين.  
 
 نشر في العدد الثامن عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1]ابرزها الاعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي التزم لبنان بها، والميثاق الاجتماعي الاوروبي والميثاق الافريقي لحقوق الانسان وحقوق الشعوب.
[2]مثل فرنساوالهند.
[3]نزار صاغية وغيدة فرنجية،"حين تصاب الدولة بمرض قانوني مزمن: الحراك حول القانون 220/2000، من التشخيص الى غرفة العناية الفائقة"، بالتعاون مع اتحاد المقعدين اللبنانيين وجمعية دياكونيا، 5 شباط 2013،  منشورة على موقع المفكرة القانونية.
[4]نزار صاغية وغيدة فرنجية، مرجع مذكور أعلاه.
[5]حسين خليفة، في حق السكن ودستورية قانون الايجارات، المفكرة القانونية، العدد 17، أيار 2014.
[6]يمنى مخلوف،جدل أمام قضاء الأمور المستعجلة في لبنان، سلامة الإنسان فوق كل اعتبار، المفكرة القانونية، العدد 14، شباط 2014.
[7]لمى كرامة، التقاضي الاستراتيجي اثباتا لحق السكن، المفكرة القانونية، العدد الرابع، نيسان 2012.
[8]لمى كرامة، المرجع السابق.