العبارة الواردة في عنوان هذه المقالة ليست من نسج الخيال وإنما هي عبارة منسوبة الى موظف في جهاز الأمن العام اللبناني وموثقة في محضر رسمي. وقد اتى هذا الكلام في اطار رفض الأجهزة الأمنية تنفيذ قرار قضائي، وهو يعبر مرة اخرى عن النمط السائد في تعاطي الأجهزة الأمنية مع الأحكام القضائية ومع القضاء عموما، حيث تعتبر الأجهزة الأمنية ان الكلمة الأخيرة تبقى لهم و"الأمر لهم". وهذا الأمر انما  يعكس حكم الأمر الواقع او حكم العسكر، علما ان الامر يتعلق بواحدة من اهم الحريات العامة الا وهي الحرية الشخصية. ولئن عكست هذه العبارة مواقف مشابهة صدرت سابقا عن الأمن العام، الجديد هنا هو ان يصر القاضي الذي رفض الأمن العام تنفيذ حكمه على تدوين هذه العبارة في محضر الدعوى العالقة امامه، تمهيدا للمطالبة بمساءلته وتاليا اعادة الأمور الى نصابها.   
وكان القاضي المنفرد في البقاع الناظر بقضايا الأحداث، محمد سلام، قد نظر في ملاحقة فتاة  قاصرة من التابعية السورية لدخولها البلاد بصورة غير شرعية. فخلص الى القول بأن دخولها  على هذا الوجه جرى من دون علمها بعدما اوهمها سائق السيارة بأنه قام بما يلزم لدى مركز الأمن العام على الحدود وانه لا تتوفر لديها اي نية جرمية، ليحكم بإبطال التعقبات بحقها وبإطلاق سراحها فورا (قرار صادر في 3-3-2011). كما نص القرار على عدم ترحيلها  لأنه لا يوجد للمدعى عليها "اي شخص تعود اليه في سوريا او في اي مكان آخر"، وبتسليمها الى شقيقتها المقيمة في لبنان[1].
وبعد ثلاثة ايام على صدور الحكم عادت شقيقة المحتجزة فصرحت امام القاضي بأن المديرية العامة للامن العام قد استنكفت عن تنفيذ حكمه حسبما ورد في المحضر. فقرر القاضي تسطير مذكرة الى المديرية ليصار الى تنفيذ القرار الصادر عن المحكمة على اعتبار ان "فعل الموظف الممتنع يشكل جرما جزائيا معاقبا عليه بموجب المادة 371 من قانون العقوبات اللبناني التي تنص على معاقبة "كل موظف يستعمل سلطته او نفوذه مباشرة او غير مباشرة ليعوق او يؤخر تطبيق القوانين او الأنظمة او جباية الرسوم او الضرائب او تنفيذ قرار قضائي او مذكرة قضائية او اي امر صادر عن السلطة ذات الصلاحية".
الا انه، بتاريخ 8-3-2011، وبعد يوم واحد، عادت شقيقة القاصر المحتجزة وصرحت وفق ما جاء في المحضر ان الأمن العام رفض مجددا تنفيذ الحكم القضائي، لا بل ان احد موظفي المديرية رمى المذكرة القضائية والصورة طبق الأصل عن القرار بوجهها قائلا حرفيا "لا قضاة ولا غيرهم بعلمونا شغلنا وسلطتنا نحن يلي بدها تمشي وليس سلطة القضاة".
هنا ايضا لم يسلم القاضي بالأمر الواقع انما قرر "احالة الأوراق الى النيابة العامة في البقاع لإحالتها الى المرجع المختص للتحقيق بهذه الأقوال او اتخاذ التدبير المناسب سندا للمادة 371 عقوبات". كما قرر "تسطير مذكرة الى المدير العام للأمن العام لإتخاذ التدبير المسلكي المناسب" بحق الموظف، واخيرا "ارسال صورة عن القرارات القضائية الصادرة ومحضر الدعوى الى سلطة الوصاية اي وزارة الداخلية والبلديات".
وبذلك، اكد القاضي على امرين جوهريين: اولهما انه لا مناص من تنفيذ الحكم القضائي وبالتالي من استعادة القاصر التي ابطلت التعقبات بحقها لحريتها، وثانيهما لا بد ايضا من استعادة القضاء لمكانة يكاد يخسرها بوجه ادارة تمتنع عن تنفيذ احكامه وتلجم دوره كحام للحريات.
ومن هذه الزاوية، بدا التجاذب الحاصل بين الأمن العام والقاضي تتمة لنقاشات دامت طوال  2010 بشأن تنفيذ القرارات القضائية الآيلة الى الزام الأمن العام/ وزارة الداخلية بوجوب وضع حد للاحتجاز التعسفي.
فمن جهة، الأمن العام الذي يتبع ممارسة منهجية في ابقاء الأجانب ومنهم اللاجئين، محتجزين لأشهر وأحيانا لسنوات عدة من دون سند قانوني، وخلافا للدستور وللقوانين اللبنانية والمواثيق الدولية ذات الصلة. ومن ابرز الأمثلة على ذلك، احتجاز عميد المحتجزين تعسفا في نظارة الأمن العام منذ اكثر من ثلاث سنوات رغم صدور ثلاثة احكام قضائية اكدت على وجوب اطلاق سراحه فورا. 
ومن جهة اخرى، قضاة ادانوا هذه الممارسة على اساس انها تعد صارخ على الدستور. وكان اول هذه الأحكام  قد صدر عن قاضي الأمور المستعجلة في زحلة  سنتيا قصارجي  بتاريخ 11-12-2009 وهي قضية اللاجئة العراقية يسرى العامري. وكان الأمن العام قد رفض في هذه القضية ايضا تنفيذ الحكم القضائي، واعتبر المدير العام للأمن العام حينها في تصريح لجريدة الاخبار بتاريخ 16-1-2010 انه: "تبين لنا ان القاضي الذي اصدر الحكم لا يعرف ماذا يفعل".
وهنا لا بد من الإشارة الى ان هذه "المواجهة" ليست محصورة بعدم تنفيذ حكم قضائي، بل تعود الى جذور النظام وعلاقة السلطات فيما بينها وصلاحياتها، وتحديدا في ما يخص الصلاحيات المعطاة الى المديرية العامة للأمن العام. فعدا عن كونها "ضابطة عدلية" مساعدة للنائب العام وتعمل تحت امرته وفق المادة 38 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، فقد اعطاها المشرع وفق قانون تنظيم الأمن العام (مرسوم اشتراعى رقم 139 تاريخ 12-06-1959) صلاحية مراقبة وجود الاجانب في لبنان وصلاحية التدخل بمواضيع تمس بشكل مباشر بالحريات العامة منها، على سبيل المثال لا الحصر حرية التعبير. وقد اكتسبت المديرية بفعل الواقع والممارسة صلاحيات اضافية منها ما يمس بالحرية الشخصية للأجانب من حيث تقرير ابقائهم قيد الإحتجاز وابقائهم في لبنان او ابعادهم عنه، بغض النظر عن مدى شرعية اقامتهم. وهذه الإستنسابية التي يتمتع بها هذا الجهاز الأمني، هي نتيجة حصانة سياسية بإمتياز.
فضلا عما تقدم، ومن اهم ما تميز به القاضي سلام، هو اصراره على ان دوره لا يتوقف عند اصدار الحكم، انما، يستمر عبر التثبت من حسن تنفيذه. وإذا عدنا الى القانون اللبناني، نجد ان المادة 404 من قانون اصول المحاكمات الجزائية تنص على الآتي: "يقوم القاضي المنفرد الجزائي بانفاذ الأحكام الصادرة عنه. يؤمن تنفيذ خلاصات الأحكام بموجب تكليف خطي لقوى الأمن الداخلي." وهذه المادة تحمل برأينا بعض الإلتباس: فهل يتوقف دور القاضي وصلاحيته بإنفاذ الاحكام عند ارساله خلاصة الحكم الى الجهة الأمنية التي تحتجز الشخص موضوع الحكم؟ ام ان عليه التأكد من ان تنفيذ الحكم قد حصل فعلا؟
ان من شأن الجواب على هذا السؤال حسم اشكالية كبيرة تتمثل بالتأكد من كيفية انتهاء التعدي على الحرية الشخصية وزمانه، وفي قضيتنا الحاضرة اصر القاضي على ان هذا لا يحصل الا مع تنفيذ الحكم القضائي المبرم. وهكذا يكون قد استعاد القضاء دوره الريادي عبر حسمه هذه الاشكالية بموقف واضح مفاده ان للقضاء الكلمة الاولى والأخيرة.
ما يهمنا بشكل خاص في هذا السياق، هو ان القاضي لم يقبل في هذه الحالة البقاء على قوس محكمته،  بل قرر ان يحسم جولة اولى من معركة طويلة يخوضها القضاء مع الإدارة وأجهزتها التنفيذية.
وهو شكل مؤشرا اضافيا على ان قضاة عدة يؤمنون بأن دورهم يتعدى مجرد الحكم وان لهم، بل عليهم، الإجتهاد عندما يكون ذلك لمصلحة احترام القوانين، وحماية الأفراد وتأكيد مكانة القضاء وحمايتها امام الممارسة الأمنية التي تتحدى اعمال القضاء وترفض تنفيذ احكامه. وانهم يقومون بذلك رغم علمهم ان الثمن قد يكون باهظا.
ويبقى السؤال الى متى يبقى مجلس القضاء الأعلى والسلطتان التشريعية والسياسية كلهم مستقيلين من أدوارهم في مراقبة أعمال الأجهزة الأمنية؟ ومن يحمي القضاة عندما يحيدون عن النمط السائد ويتحدون مخالفات الأمن العام والاجهزة الأمنية الاخرى؟      
 
نشر هذا المقال في العدد الاول من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.


[1]رقم الأساس 2011/32، قرار 2011/82