في 1 تموز 2014، قدم المدير التنفيذي للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية طعناً ضد الدولة اللبنانية بالمرسوم رقم 11360 الصادر في 24 نيسان 2014 والقاضي بإنشاء أمانة سر لمجلس القضاء الأعلى. وقد تم تبرير هذه الخطوة بإرادة الدفاع عن الاستقلال الداخلي للقاضي أي استقلاله إزاء الهيئات القضائية الناظمة لعمله. فاستقلال القاضي يعني أنه مستقل إزاء أي تدخل في عمله، وهو يصبح حكماً مفهوماً أجوف إذا استبدل تدخل السلطة التنفيذية بتدخل مجلس القضاء الأعلى. وقد ورد في مقدمة الطعن أن المرسوم المطعون عليه، قد أدخل مواد هجينة تحت غطاء إنشاء أمانة سر لتمكين مجلس القضاء الأعلى من القيام بمهامه: فنص على صلاحيات جديدة للمجلس داخل القضاء، في موازاة منح رئيسه صلاحيات يتفرد بها، في تعارض تام مع قانون تنظيم القضاء العدلي الذي أنشأ المجلس على قاعدة أنه هيئة تتخذ قراراتها جماعياً.  وفي مقابل هذه الصلاحيات الجديدة، لم يمنح المرسوم القاضي أي حق أو قدرة لجبه سلطة أمانة السر ومن ورائها أعضاء المجلس ورئيسه وإمكانية تعسفهم في هذا الإطار.

ومن أبرز المخالفات التي نص عليها الطعن، والتي كانت المفكرة قد أشارت اليها في عددها رقم 18، الآتية:

-  إناطة صلاحيات خاصة برئيس مجلس القضاء الأعلى على نحو يهمّش دور مجلس القضاء الأعلى كمؤسسة تؤدي دورها جماعياً. ومن أبرز هذه الصلاحيات جعل أمانة سر المجلس تعمل تحت رقابة الأول وإشرافه، فضلاً عن إعطائه الحق في تكليف أمانة السر بـأي مهمة تدخل في حدود دورها، علماً أن مهامها وردت على سبيل المثال لا الحصر. وقد استند الطعن هنا الى أن المجلس يتكون من قضاة من محاكم عدة ومنهم اثنان منتخبان، وأن أي توسيع لصلاحيات رئيسه المعين من السلطة التنفيذية، على حساب صلاحيات مجلس القضاء الأعلى مجتمعاً، يعد إنقاصاً من ضمانات استقلالية القضاء بموجب مرسوم.

تعيين أمين سر المجلس والقضاة العاملين في أمانة السر بموجب مرسوم يصدر بناءً على اقتراح وزير العدل. وقد بيّن الطعن أن هذا الأمر يرشح عن تجاوز لحد السلطة من زاوية أنه يؤدي الى زيادة صلاحيات السلطة التنفيذية في الشؤون القضائية، بحيث يكون لها صلاحيات إضافية في التدخل في القضاء من خلال تعيين هؤلاء، بما يتعارض مع مبدأ فصل السلطات، وبما يخالف صراحة، في ما يخص تعيين القضاة العاملين في أمانة السر، المادة 52 من قانون تنظيم القضاء العدلي التي تحظر تكليف أي قاض بمهمة بالإضافة إلى وظيفته الأصلية إلا في الحالات التي نص عليها القانون، وذلك ضماناً لاستقلاليته ومنعاً لأي شكل من أشكال الترغيب.

-  تحديد مهام أمانة السر تحديداً مبهماً و"على سبيل المثال والحصر"، على نحو من شأنه أن يشكل باباً واسعاً للتدخل في أعمال القضاء من خلال تمكين رئيس المجلس والمجلس من توسيع صلاحياتها من دون أن يحدد أي ضوابط لعملها. ومن ضمن مهامها المطعون فيها، إيلاء أمانة السر تنظيم تقرير كل ستة أشهر عن عمل المحاكم كافة، بما يحوّلها الى ما يشبه الأخ الأكبر BIG BROTHERداخل القضاء، من دون تمكين القضاة من الدفاع عن أنفسهم. ومن هذه المهام أيضا، "متابعة أوضاع القضاة الاجتماعية وشؤونهم الخاصة بناءً على طلبهم وبتكليف من المجلس"، على نحو يفتح المجال واسعاً أمام التمييز بين القضاة وتخصيص بعضهم بمعاملة خاصة، مع ما يسنح ذلك به من أدوات ترغيب.

كما تناولت المراجعة تكليف أمانة السر "تنظيم حضور ممثلي السلطة القضائية البروتوكولي في المناسبات الرسمية والمؤتمرات والندوات وإجراء الترتيبات اللازمة تنفيذاً لقرارات المجلس"، معتبرة أن افتراض أن لمجلس القضاء الأعلى ورئيسه صفة تمثيلية للقضاء ينم عن التباس وخطأ شائعين. فثمانية من أعضاء المجلس معيّنون مباشرة أو غير مباشرة من قبل السلطة التنفيذية ليس للقضاء أي يد في انتخابهم.
كما شمل الطعن تكليف الأمانة العامة القيام بدورها كمكتب إعلامي مع تغليب معيار هيبة القضاء على حرية الإعلام والشفافية.

نشر في العدد التاسع عشر من مجلة المفكرة القانونية