الحكم موضوع التعليق يتصل بقضية عاملة في الخدمة المنزلية، تعرضت لحجز جواز سفرها. بالطبع، الانتهاك موضوع الدعوى ليس فريداً من نوعه بل هو شائع جداً في لبنان، في هذا البلد الذي طوّر نظام الاسترقاق الى نظام الكفالة ليصبح "السيد" هو "الكفيل"، لتمسي تصرفات من قبيل احتفاظ أصحاب العمل بالأوراق الثبوتية العائدة للعاملات، أو حجزهن في المنازل، تصرفات باتت "مقبولة" اجتماعياً لدى شريحة كبيرة من مواطنيه. وعليه، يصبح  التبرير الاجتماعي لهذه الانتهاكات، مصحوباً بكمّ هائل من الآراء المسبقة تجاه العاملات، أداة فعالة لإخراجها من دائرة الملاحقة القانونية والمحاسبة. والعاملة تتميز في هذه القضية عن عشرات الآلاف من مثيلاتها، على أساس أنها تمكنت من اللجوء الى القضاء لاسترجاع جواز سفرها من صاحبة عملها السابقة. وقد صدر عن قاضي الأمور المستعجلة جاد معلوف بتاريخ 23-6-2014، تبعاً للعريضة المقدمة اليه، قرار هو على حد علمنا، الأول من نوعه بإلزام صاحبة العمل بإعادة جواز سفر العاملة.
 
قرار قضائي يضع المسألة المطروحة عليه في إطارها الاجتماعي العام
أول ما نلحظه في القرار المذكور هو أن القاضي معلوف نظر في القضية المطروحة عليه بعدما أعاد وضعها في  إطارها الاجتماعي العام. وهذا ما نقرأه في حيثية وردت في مستهل قراره حيث جاء: "هذه المسألة الراهنة تطرح إشكالية العلاقة القائمة بين رب العمل والعامل/ة الأجنبي/ة في المنازل (...) لا سيما لجهة الحد من حرية العامل/ة الأجنبي/ة في الحركة والتنقل".

فمسألة حجز الأوراق الثبوتية العائدة للعاملات ليست إلا نتيجة لإشكالية أشمل ألا وهي نوع علاقة العمل التي تربط الطرفين (الكفالة)، والتي ينتج منها وفق ما نقرأه في متن الحكم "بعض الممارسات التي من المعلوم انتشارها وتقبلها من الكثيرين، ولا سيما لجهة الحد من حرية العامل/ة الأجنبي/ة في الحركة والتنقل عبر وسائل عديدة، قد يكون أقلها خطراً حجز جواز السفر بيد رب العمل".

وقد حرص القاضي معلوف في متن قراره على الإشارة الى التبريرات الشائعة في المجتمع اللبناني لقيام أصحاب العمل بحجز حرية العاملات في الخدمة المنزلية، حيث ورد ما حرفيته أن "العديد من التبريرات ... تقدم، كضمان عدم ترك المنزل والاستمرار في العمل طوال مدة العقد" أو أيضاً الأعباء المالية التي يتكبدونها من أجل استقدام العامل/ة الأجنبي/ة. ليخلص الى إنكار حقوق أصحاب العمل المس بالحقوق الأساسية للعاملات على أساس هذه التبريرات. فأي تقييد لحرية التنقل، "لا يمكن أن يتم إلا استثنائياً وبموجب نصّ قانوني، ومن قبل جهة رسميّة، تحت رقابة المحاكم".
 
حرية التنقل، حرية أساسية ذات قيمة دستورية
وللتوصل الى ذلك، شدد القاضي بداية على خطورة حجز جواز سفر العاملات. فجواز السفر هو الوثيقة التي تمكن الشخص من مغادرة البلد المقيم به، فضلاً عن كونه "يشكل بالنسبة الى الأجانب المقيمين في لبنان الوسيلة الأساسية للتعريف عن أنفسهم والمستند الرئيسي في أية معاملة رسمية، سواء للاستحصال على الإقامة أو الضمان الصحي أو الحصول على أي من الخدمات الأساسية".

وقد استند القاضي في قراره الى مواثيق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية الموقعة التي صادق عليها لبنان، والتي أحالت اليها مقدمة الدستور والتي تسمو على القانون الوضعي، وفي مقدمها  العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز (والإشارة الى هذه المادة أمر استثنائي)، والتي تكرّس جميعها الحق الجوهري بحرية التنقل دون التمييز بين مواطن وغير مواطن.

وتبعاً لذلك، أشار القاضي الى أن إقدام أصحاب العمل على حجز جواز سفر العمال الأجانب هي ممارسة ذات طابع تمييزي، كونها تقتصر على العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية "بحيث لم يرشح الى العلن أية حالة حجز جواز سفر لبناني من قبل رب العمل".

وخلص بنتيجة ذلك الى القول إن الحجج التي يدلي بها أصحاب العمل لتبرير حجز جواز سفر العاملات وأبرزها الأعباء المالية التي تكبدوها لاستقدامها الى لبنان"لا يمكن أن تشكل أي تبرير لمخالفة الحقوق الأساسية للعامل/ة الأجنبي/ة وحجز جواز السفر كضمانة، ذلك أن حجز الحرية لا يمكن أن يكون وسيلة لضمان هذه الحقوق المادية، كما لا يمكن أن يكون ضمانة لعدم ترك العمل".
 
"
ترك العمل لا يشكل جرماً جزائياً"
وبما لا يقل أهمية عن ذلك، مقاربة القاضي لمسألة ترك العاملات في الخدمة المنزلية لعملهن. ففي ظل وجود نظرة سائدة في مقاربة القضاء لواقعة ترك العمل باعتبارها "فراراً"[1]تعاقب عليه العاملة بالحبس وبغرامة وأحياناً بالتعويض لصاحب العمل عن التكاليف التي تكبدوها لاستقدام العاملة[2]، أكد القاضي معلوف أن ترك العاملات لعملهن هو مجرد "خلاف عقدي أو فسخ غير مبرر للعقد" وليس جرماً جزائياً. وتبعاً لذلك، لم يجد القاضي ما يدعوه الى إحالة الملف الى النيابة العامة كما يجب عليه عند اكتشافه جرماً جزائياً بمناسبة النظر في قضية معينة.

ويكون القاضي معلوف بحكمه هذا قد أسس لسابقة في قضايا العاملات في الخدمة المنزلية. ففضلاً عن كونه أول حكم صادر عن قضاء الأمور المستعجلة يلزم صاحبة العمل بإعادة جواز سفر العاملة، فقد حرص القاضي معلوف على تأكيد عدم قانونية عدد من الممارسات الناتجة من نظام الكفالة. كما يكون قد سجل خطوة كبيرة الى الأمام للقضاء اللبناني، الذي، وفق تقرير "هيومن رايتس وتش" الصادر عام 2010، كان ينظر الى هذه الممارسة على أنها بديهية[3]، لا بل ذهب أحد قضاة التحقيق في العام 2000 الى اتهام عاملتين في الخدمة المنزلية "بسرقة جواز سفرهما"[4].
 
٭باحثة في القانون، من فريق عمل المفكرة القانونية

نشر في العدد التاسع عشر من مجلة المفكرة القانونية

للإطلاع على قرار القاضي جاد معلوف, إضغط على الرابط أدناه

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية، الرجاء إضغط هنا


[1]سارة ونسا، "حين تفر العاملات من جور أصحاب العمل: أين الجرم؟"، المفكرة القانونية، العدد العاشر، تموز 2013
[2]سارة ونسا، "وجه جديد لنظام الكفالة: مخالفة الأجنبي لشروط الإقامة يوجب تعويضاً لصاحب عمله" المفكرة القانونية، العدد الثالث عشرشباط 2014
[3]هيومن رايتس وتش، "بلا حماية، إخفاق القضاء اللبناني في حماية عاملات المنازل الوافدات"، 2010
[4]المرجع عينه.  سارة ونسا، "وجه جديد لنظام الكفالة: مخالفة الأجنبي لشروط الإقامة يوجب تعويضاً لصاحب عمله" المفكرة القانونية، العدد الثالث عشرشباط 2014