علمت المفكرة القانونية من بعض أعضاء مجلس نقابة المحامين في بيروت أن المجلس يتداول بشأنموادَّ جديدة لتنظيم علاقة المحامي بالوسائل الإعلامية لتضاف الى "نظام آداب مهنة المحاماة ومناقب المحامين". وبحسب هذه المصادر، ترمي التعديلات المطروحة  مبدئياً  الى منع المحامي من استخدام أي وسيلة إعلامية مرئية أو مسموعة أو مكتوبة كمنبر للمناقشة أو الكلام عن الدعاوى والقضايا العالقة أمام القضاء، ليس فقط القضايا الموكلة اليه بل أيضاً القضايا الموكلة الى "غيره من المحامين. ولم يستثن من المنع المقترح إلا القضايا الكبرى التي تهم المجتمع ولكن بعد إعلام النقيب وأخذ موافقته. كما نصت التعديلات على أنه إذا أراد المحامي المشاركة في ندوة أو مقابلة ذات طابع قانوني عام، فيستحسن أن يحيط المحامي النقيب علماً برغبته، محدداً زمان الندوة ومكانها. كما تهدف التعديلات الى منع المحامي من إصدار مجلة تبحث في أمور الترشح والانتخاب في نقابة المحامين.

تجدر الإشارة الى أنهذه الاقتراحات ليست وليدة اللحظة وليست الأولى من نوعها في نقابة المحامين في بيروت حيث إنهاجاءت كنسخة منقحة لمشروع تعديل كانت قد اقترحته لجنة آداب المهنة في النقابة في العام 2011 من وحي تعميم أصدرته النقيبة أمل حداد في 3-3-2010.وكان التعميم ومشروع القرار قد تسبّبا آنذاك باستدعاء المدير المسؤول للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية، فضلاً عن المحامي كارلوس داوود الى نقابة المحامين في بيروت، وذلك على خلفية نشر مقالة نقدية لهذا الأخير في عددها الأول تحت عنوان: "اقتراح بتنظيم علاقة المحامي مع وسائل الإعلام: أين المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية؟"[1]. وقد تراجعت النقابة آنذاك مع انتخاب نقيب جديد هو السيد نهاد جبر عن مشروع التعديل تبعاً لتحوله الى قضية شأن عام وبعدما لقي استهجان مجموعة من المنظمات الحقوقية[2].  وقد اعتُقد أنه طُوي الى غير رجعة الا ان  واقعة إعادة إحياء هذه التعديلات اليوم تقنضي تسليط الضوء على أبعادها لما قد يكون لها في حال إقرارها بالصيغة المذكورة  اعلاه من انعكاسات سلبية على حرية المحامين في الدفاع عن القضايا الموكلة اليهم وفي ممارسة حرية التعبير بشأن القضايا الموكلة الى زملائهم وتالياً على حقوق شرائح واسعة من المجتمع بالدفاع والاحتكام الى الرأي العام عند الاقتضاء.

وفي هذا الإطار، نسجل الملاحظات الآتية:
أولا، أن التعديل المقترح، كسابقه عام 2011، كرّس مبدأ منع المحامي من التعليق إعلامياً على القضايا، ليس فقط في القضايا التي يتوكل فيها، بل أيضاً في القضايا التي تخص غيره من المحامين. وبذلك، يتجه مجلس النقابة الى تكريس قاعدة منع المحامين كافة من التحدث في أي قضية قضائية لا تزال عالقة أمام القضاء. وبالطبع، من شأن تكريس هذه القاعدة أن ينعكس سلباً ليس فقط على حرية التعبير للمحامين، بل أيضاً على حق الدفاع لموكليهم وعموماً لحق المواطنين في الاطلاع على أعمال القضاء وأبعادها تبعاً لإقصاء أخبر المواطنين في مجرياتها عن المناقشة بشأنها. وفيما من الممكن تفهم أن تشكل مناقشة المحامين لقضايا خاصة توكلوا فيها في الإعلام إخلالاً بآدابهم المهنية في ظروف معينة، فلا يفهم ً بالمقابل أن نعدّ مسبقاً أن أي توجه الى الإعلام، سواء في قضية توكل المحامي فيها أو أي قضية قضائية،  تعسفاً.
 
ومن هذه الزاوية، يظهر المنع المقترح مبالغاً به وغير متناسب مع النية في مكافحة الخطر الذي قد ينجم عن تعسف المحامين في هذا المجال. وهو يتعرض تالياً وحكماً مع الدستور اللبناني والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (مادة 19) ومع مبادئ حرية التعبير في مجال آداب المحامين وعلاقتهم مع وسائل الإعلام[3].

ثانياً، أن التعديل المقترح أدخل استثناءً على المنع الوارد في المقترح السابق من خلال استثنائه القضايا الكبرى التي تهم المجتمع، شرط أن يتم إعلام النقيب وأخذ موافقته مسبقاً. وإذ عكس هذا الخروج عن القاعدة تفهماً معيناً إزاء ضرورة الاحتكام الى الرأي العام في قضايا معينة، فإنه يبقى منقوصا. فما هو المقصود بالقضايا الكبرى؟ ولماذا لم تتم الإحالة الى قضايا حقوق الإنسان صراحة؟ وما الذي يضمن أن لا تُختصر القضايا الكبرى بالقضايا السياسية التقليدية، فيما تُستبعد القضايا التي تخص الفئات المستضعفة؟ ثم، ماذا بشأن الانتهاكات أو التدخلات أو الأخطاء الكبرى في أعمال القضاء، والتي قد تحصل في أي قضية مهما كان نوعها؟ فهل يكون من المبرر التحدث عنها أم لا؟ ثم، الأهم من ذلك، لماذا يقرن استثناء القضايا الكبرى بإعلام النقيب وأخذ موافقته مسبقاً؟ وماذا إذا منع النقيب التوجه الى الإعلام في هذه القضية، فيما يشعر المحامي بحاجة فائقة الى الاحتكام الى الرأي العام؟ وألا يجعل ذلك المحامي في صراع بين ما يراه أساسياً لممارسة حق الدفاع وما تفرضه النقابة من آداب؟ والأهم من ذلك، ألا يؤدي ذلك عملياً الى تقييد عمل المحامين المناصرين للقضايا الاجتماعية ودورهم كحماة للحقوق والدفاع "الحريات العامة وسيادة القانون والقضايا الوطنية" (العبارة مأخوذة من نظام آداب مهنة المحاماة)، ومعه الى تقييد حقوق الدفاع للفئات المعنية بهذه القضايا، والتضييق من إمكانيات التغيير من خلال القضاء؟

ثالثاً، أن التعديل المقترح لم يقتصر على مسألة التعليق على القضايا القضائية، بل شمل مسألة المشاركة بندوة أو مقابلة ذات طابع قانوني. وتجدر الإشارة هنا الى أن المسألة شهدت تدرجاً معيناً: فبعدما كان الاستحصال على "إذن" مسبق ضرورياً للمشاركة في هذه الندوات أو المقابلات كما نقرأ في تعميم النقيبة أمل حداد الصادر في 3-3-2010، تحوّل الى مجرد "وجوب إحاطة" النقيب علماً في مشروع قرار تعديل لجنة الآداب عام 2011، ليأتي التعديل الحالي معلناً أن ذلك "مستحسن" فقط. ونسجل  أنه رغم المرونة المعتمدة في استخدام العبارات، فإن هذه المسألة تتصل بحرية المحامي كمواطن في التعبير وإبداء الرأي وتلقي المعلومات (وكلها حقوق أساسية) من دون أن يكون لها مبدئياً أي علاقة مع مهنة المحاماة. ومن الأجدى تاليا عدم التطرق اليها إطلاقاً.

رابعاً، آل التعديل المقترح أيضاً الى منع المحامي من إصدار مجلة تبحث في أمور الترشح والانتخاب في نقابة المحامين. ولا يعرف في ما إذا كان هذا التعديل يقتصر على حالات إصدار مجلة تبحث حصراً في هذه الأمور، أم أنه يمتد ليشمل المجلات الأخرى التي قد يشارك في إصدارها محام وتبحث في أمور الترشح والانتخابات من ضمن مواضيع بحثها المتعددة، كما قد يكون عليه حال المفكرة القانونية. مهما يكن، من هذه الزاوية أيضاً، تبدو المسألة تضييقاً لحرية التعبير، ولا سيما في قضايا الانتخابات التي تتطلب درجة عالية من الشفافية.

ختاماً، نكتفي بالاستشهاد بنصائح أحد أشهر المحامين المصريين في الدفاع عن القضايا الاجتماعية، خالد علي[4]، والتي قدمها في إطار مؤتمر نظمته المفكرة القانونية مع منظمة PILnetفي 2013 حول المحامي المناصر في القضايا الاجتماعية في المنطقة العربية[5]. وقد صرح علي بأن "المحامي الذي يريد أن يعمل في قضايا الرأي العام لا يجديه نفعاً أن يتعامل معها على أنها قضية أمام المحكمة فقط، بل عليه أن يبني فريقاً إعلامياً للحملات... إن الهم الأكبر عندما تنطلق الدعوى هي أن تتحول الى حملة لأن القضايا الاستراتيجية صعبة حيث يكون الخصم إما الدولة وإما المستثمرين الذين يصرفون أموالاً طائلة لتوصيل وجهة نظرهم الى الإعلام والرأي العام، فضلاً عن تنظيمهم حملات إعلانية ضخمة جداً لهذا الهدف. لذلك إن إحاطة القضية بدعم شعبي من خلال الإعلام من شأنه أن يوازن قدرة القوى المناوئة.

٭محامية، من فريق المفكرة القانونية

 نشر في العدد التاسع عشر من مجلة المفكرة القانونية
 
 
 


[1]استدعاء"المفكرة" للتحقيق في نقابة المحامين في بيروت: نقابة للحريات أم ذراع للسلطة؟ موقع المفكرة القانونية، منشور في 9-9-2011، وكارلوس داوود،"اقتراح بتنظيم علاقة المحامي مع وسائل الإعلام: اين المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية؟"، المفكرة القانونية، العدد الأول، تموز 2011.
[2]محمد نزال، "حريّة المحامي" تفتح معركة انتخابات النقابة قبل شهرين من موعدها، الأخبار، 24-9-2011.
[3]كارلوس داوود،مذكور أعلاه.
[4]نرمين السباعي،" نصائح خالد علي: كيف اناصر القضايا الاجتماعية"، المفكرة القانونية، العدد10 ، تموز 2013،  ص 15.
[5]لماذا مؤتمر" المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية في المنطقة العربية"؟، المفكرة القانونية، العدد10 ، تموز 2013، ص 14.