لبنان كان من الدول القليلة التي شهد نقل مباريات كأس العالم فيها نزاعات قضائية. وفيما صدر القرار القضائي الأول من دون خصومة بطلب من ممثل الشركة صاحبة الحق الحصري بنقل المباريات ولمصلحته، فإن القرار الثاني قد صدر في إطار مواجهة بين أصحاب الحق الحصري وتلفزيون لبنان، وبعدما انضم اليها مواطنون من تلقاء أنفسهم. وبخلاف القرار الأول، جاء القرار الثاني ليضع حدوداً لحق الحصرية. وقد صدر القرار الأول في 13 حزيران 2014، فيما صدر القرار الثاني في 4-7-2014، وذلك عن قاضيين مختلفين يشغلان منصب قاضي أمور مستعجلة في بيروت.

وبالطبع، طرح النقاش القضائي حول حق بث المباريات إشكاليات تجاوزت بكثير اهتمامات عشّاق الكرة لتأخذ طابعاً مواطنياً شاملاً. وإذ استعاد هذا النقاش بعض مواضيع الجدل القانوني الحاصلة في أوروبا وفي مقدمها مدى أحقية المواطن بالاطلاع على حدث بات يشكل حدثاً أساسياً EVENEMENT MAJEURفي الحياة الثقافية العامة، فإنه ارتدى خصوصية على ضوء النقاش المفتوح بشأن مدى التزام الدولة بتأمين هذا الحق للجميع من دون تمييز، تبعاً لاشتراكها في إبرام عقد ذي مفاعيل ملتبسة لجهة الفئات الاجتماعية المستفيدة منه. فكيف يفسر هذا العقد؟ هل يفسر حصراً على ضوء نصه والنية التي عبّر عنها فرقاؤه عند تحريره حتى ولو أدت الى التمييز بين المواطنين، أم أنه يقتضي علاوة على ذلك أخذ النية المفترضة للدولة والتي تقود بالضرورة الى تفسيره على أنه حرر لمصلحة جميع اللبنانيين من دون استثناء، وإن اختلفت عن النيات المعلنة؟ ومن خلال هذه الأسئلة، تحوّلت قضية مباريات كأس العالم الى مناسبة لوضع مرآة في مواجهة الدولة، وفي الآن نفسه في مواجهة الشركات التجارية الكبرى التي غالباً ما استفادت من ميل الإدارات العامة الى المحاباة والفساد والتمييز لتمرير مصالح منافية للمصلحة العامة. وهذا ما سنحاول مناقشته في هذه المقالة.
 
قضية كأس العالم: كيف تحولت الى قضية مواطنية؟ 
القصة بدأت فصولها مع استحصال مجموعة قطرية على حق الحصرية في عرض مباريات نهائيات كأس العالم في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تبعاً لذلك، سعى بعض المسؤولين في الدولة اللبنانية، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان، مع إدارة تلفزيون لبنان، الى الحصول على حق البث بواسطته، فاتضح فشل مساعيهم قبل ساعات من انطلاقة هذه المباريات. إذ ذاك، بدا للبنانيين وسائر المقيمين في لبنان أن الطريقة الوحيدة لمشاهدة هذه المباريات تتمثل في الاشتراك بخدمة خاصة تمنحها شركة سما، الوكيل الحصري لمجموعة beIN، بواسطة الكابلات، لقاء تسديد مبالغ مالية معينة تراوحت بين مئة وثلاثمئة د.أ حسب المناطق. وقد شكل ذلك طبعاً عائقاً بالنسبة الى مئات آلاف اللبنانيين أمام متابعة هذه المباريات. وإذ نجح بعض أصحاب الكابلات في تمكين مشاهديهم من متابعة المباريات من خلال القناة الفرنسية TFI، تدخل ممثل صاحب الحصرية في لبنان، شركة سما، للاستحصال على أمر من قاضي الأمور المستعجلة في بيروت بحجب هذه القناة صوناً لحق الحصرية تحت طائلة تسديد غرامات إكراهية باهظة[1]. واللافت هنا أن الأمر شمل جميع أصحاب الكابلات في لبنان الذين يبقى غالبهم في وضع غير شرعي، فبدا منعهم من بث القناة الفرنسية TFIبمثابة تشريع لأنشطتهم في كل ما عدا ذلك.

الدولة اللبنانية تتدخل لضمان حق المشاهدة مجانًا
وتبعاً لحرمان مشتركي الكابلات من مشاهدة المباريات، تدخلت وزارة الاتصالات ممثلة بالسيد بطرس حرب (وهو مرشح جدي لرئاسة الجمهورية) لإنقاذ الموقف، وذلك من خلال إبرام عقد تسدد بموجبه شركات الخلوي المملوكة من الدولة مبلغاً مالياً (ثلاثة ملايين د.أ) لشركة سما لقاء السماح للبنانيين (أو لفئات واسعة منهم) بمشاهدة المباريات مجاناً. وأُعلن عن الاتفاق قبل إبرامه في مؤتمر صحافي شددت فيه الكلمات على حق الشعب اللبناني بمشاهدة هذه المباريات. وقد ذهب وزير الإعلام السيد رمزي جريج خلال المؤتمر الى إعلاء هذا الحق الى مصاف الحقوق الدستورية، على اعتبار أنه ينتج من مجموعة من الحقوق المكرّسة في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذي بات على ضوء مقدمة الدستور يشكل جزءاً لا يتجزأ منه. وفيما أشار العقد الى تأمين هذا الحق من خلال الكابلات العاملة على الأراضي اللبنانية من دون أي ذكر لتلفزيون لبنان، أعلن مديره طلال المقدسي، أنه سيبث المباريات تمكيناً لجميع اللبنانيين من مشاهدة المباريات وذلك على اعتبار أن نسبة مشتركي الكابلات (ومعظمها غير شرعي) لا تتعدى 40% من اللبنانيين. ورداً على ذلك، تقدمت الشركة القطرية beIN(صاحبة حق البث الحصري الهوائي) بدعوى أمام القضاء المستعجل ضده لمنعه من بث المباريات، الذي يشكل اعتداءً واضحاً على حقها المذكور.

المواطنون يتدخلون للدفاع عن حقوقهم
في الجلسة الثانية من المحاكمة، فوجئ فرقاء الدعوى بطلب تدخل مقدم من عدد من المواطنين يقطنون في مناطق نائية في لبنان، لا يتوافر فيها خدمة اشتراك على الكابل، ويطالبون برد الدعوى احتراماً لحقهم بمشاهدة المباريات. والى جانب تذرعهم بهذا الحق، أثاروا المسألة المشار اليها في مقدمة هذا المقال، وفحواها أن العقد الموقع من شركات مملوكة من الدولة بمبادرة من وزارة الاتصالات لا يمكن أن يكون حق الانتفاع منه محصوراً بفئة من اللبنانيين أي بمشتركي الكابلات دون غيرهم، وخصوصاً أن الأموال المسددة هي أموال عامة تحصّلها هذه الشركات لمصلحة الدولة. وقد رأوا في الاتجاه نفسه أن إشارة العقد الى الكابلات هو إشارة الى إحدى وسائل تنفيذ العقد، فيما يتعين على الفرقاء الاتفاق على وسائل أخرى في سياق تنفيذه إذا ثبت أن هذه الوسيلة لا تكفي لتحقيق غايته، عملاً بمبدأ التعاون وحسن النية بين المتعاقدين. والى جانب التصريحات أو بعض الإشارات الواردة في العقد الى حقوق اللبنانيين من دون استثناء، اعتبر هؤلاء أن لا بد من تفسير العقد على أساس النية المفترضة للدولة، بما تمثله من مصلحة عامة، والتي تقود حتماً الى قراءة مماثلة. ومن باب توكيد موقفهم أمام القاضي والرأي العام، طالبوا استطراداً، في حال تفسير العقد على أنه تمييزي، باعتبار الموقعين عليه متواطئين ضد المصلحة العامة وتحويل الملف الى النيابة العامة المالية للتحقيق في تسخير الأموال العامة لمصلحة فئة من اللبنانيين. فإذا كانت نتائج التمييز خطيرة الى هذا الحد، وهي كذلك، فإنه يستبعد نظرياً أن يتورط وزير ومدراء شركات كبرى بها ويصعب تالياً على القاضي أن يخلص الى ذلك. وعلى ضوء ذلك، يصبح ربما بالنسبة للشركة المدّعية تجنب الخسارة التي قد تنجم عن اعتبار العقد غير تمييزي أقل وطأة من الخسارة التي قد تنجم في حال عده كذلك.
 
وعلى هذا الأساس، انتهت قاضية الأمور المستعجلة الى رد الدعوى على خلفية الالتباس حول مفعول العقد، بعدما ذكرت بإدلاءات الفرقاء وفي مقدمها الغموض الحاصل في تفسير العقد والطبيعة الدستورية لحق مشاهدة المباريات. وهي بذلك أعلنت أن الحق المعطى للمواطن اللبناني في العقد قد جاء ملتبساً وغير واضح وأنه ليس من صلاحيتها كقاضي أمور مستعجلة أن تبت في هذا الالتباس، الذي يعود بالواقع لقضاء الأساس (أي القضاء غير المستعجل) وفق أصول المحاكمات المعمول بها. وتبعاً لذلك، وضعت القاضية انطلاقاً من مطالب المواطنين الدولة أمام مرآتها. بالمقابل، تجنبت القاضية الخوض في طبيعة الحق، ومدى دستوريته وتعارضه مع حق الحصرية.
 
الدولة أمام المرآة
لعل أهم الانعكاسات التي ترشح عن هذه القضية، هو قراءة الأعمال الإدارية للدولة ليس فقط على ضوء فهمها المباشر بل أيضاً وقبل كل شيء على ضوء ما يقتضي بها أن تقوم به أو تؤمنه من حقوق، أو بعبارة أخرى وفق ما يقتضي بها أن تكون. ومن هذا المنطلق، يخرج مفهوم الدولة عن كونه مفهوماً نظرياً أو مثالاً يقتضي بلوغه، ليتحول الى أداة فعالة لإعادة قراءة الواقع وإعادة تكوينه على ضوئه، مع ما يستتبع ذلك من تأثير على هذا الواقع ومن ثني عن تجاوزه. لحظة فريدة ربما، بدا فيها ما يجب أن يكون أقوى مما كان، مما هو حاصل. وهي لحظة تمهد طبعاً لموقف أكثر قوة في استحقاقات نهائيات كأس العالم المقبلة أو ما شابه من مناسبات بالغة الأهمية بالنسبة الى اللبنانيين.   

نشر في العدد التاسع عشر من مجلة المفكرة القانونية

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية، الرجاء إضغط هنا